العنوان مشاهدات من أفغانستان
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 28-ديسمبر-1982
مشاهدات 94
نشر في العدد 601
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 28-ديسمبر-1982
زار أحد الإخوة مواقع المجاهدين الأفغان وكتب مشاهداته في هذا التقرير.
• أكثر من نصف مليون شهيد، وأكثر من ثلاثة ملايين مهاجر.
• ٢٠٠ ألف مسلم يخوضون معركة التحرير مع جيش الروسي المحتل.
ما زالت وسائل الإعلام الغربية هي المصدر الوحيد الذي يكتب ويحلل الأوضاع في أفغانستان، فمنذ ثلاث سنوات ومنذ بدأ الاحتلال الروسي لهذا البلد المسلم، والمراسلون الغربيون يكتبون تقاريرهم عن المجاهدين في داخل أفغانستان وخارجها؛ يحضرون المعارك، ويحللون النتائج، كل ما ذكر عن القصف الروسي المتوحش للقرى والمدن، وكل ما قيل عن حرق الزرع وقتل الماشية وتفريغ البلاد من أهلها، كل ذلك ذكره المراسلون الذين كانوا يقضون مع المجاهدين وفي ظروفهم القاسية الأيام ذات العدد! ويعودون بعدها ليكتبوا ويحللوا ولكن من وجهة نظرهم.
وفي الوقت نفسه الذي نعجب فيه بهؤلاء المراسلين الغربيين الذين يدفعهم حب المهنة أو حب الاستطلاع، أو حب أداء الواجب، إلى ركوب المخاطر، نستغرب موقف الصحفيين المسلمين؛ كيف قبلوا أن يكتبوا عن قضية أفغانستان وفق المنظور الغربي ومن خلال ما يبعثه المراسلون الأجانب دون أن يكلف أحد منهم نفسه مشقة الحضور أو السفر أو العيش مع المجاهدين.
والأمر في الحالتين متباين جدًّا.
• فالغرب ينظر إلى قضية أفغانستان من خلال استراتيجيته وصراعه مع الاتحاد السوفيتي.
ولهذا تجده يجسم النضال الوطني ويتمنى على الثوار أن يلتفوا حول قياداتهم الوطنية. ويحارب في الوقت نفسه الفكر الإسلامي ويهون من شأن المجاهدين المسلمين، بل ويزكي خلافاتهم ويجسمها، حتى تشعر وأنت البعيد عن الساحة أن المسلمين لا همَّ لهم في قضية الجهاد سوى الرئاسة والزعامة وغيرها من الأمور الشخصية.
وهذا الخط الغربي في تصوير الأمور يلتقي مع التفكير الروسي في هذه النقطة، فلا يضر روسيا كثيرًا أن تسحب قواتها بشكل شكلي من أفغانستان إذا قامت في تلك البلاد حكومة علمانية تؤمن مصالح الغرب والشرق على حد سواء، وتؤمن في الوقت نفسه ضرب الإسلاميين كما حدث في أقطار إسلامية أخرى.
• أما المسلمون في أنحاء الأرض فينظرون إلى الجهاد الأفغاني نظرة أخرى مغايرة؛ ينظرون إليه من خلال الصراع بين الفكرة الإسلامية التي تعمل على النهوض بالأقطار الإسلامية على أساس الإسلام، وبين الحضارة المادية الشرقية والغربية الشيوعية والرأسمالية اللتين لا تريدان لهما شريكًا في العالم.
وينظرون إليه كجزء من الحملة الظالمة التي ضربت الحركة الإسلامية في الأقطار العربية وشبه القارة الهندية وأخيرًا في أفغانستان؛ وذلك لضرب البعث المتنامي في ذلك البلد من جهة، ولقطع الطريق أمام هذا البعث من الوصول إلى عشرات الملايين من المسلمين في روسيا الذين يتطلعون إلى المشرق.. الفكرة والقدوة.
هذا الفرق الشاسع بين النظرتين الإسلامية والغربية يمثل الفرق بين المراسل الغربي الذي يبعث تقاريره عن القتال من داخل أفغانستان، والمراسل الإسلامي الذي يكتب بقلمه وروحه وإحساسه لو تحرك وعاش مع إخوانه المجاهدين وكتب عنهم.
وللأسف الشديد فقد اكتفى الصحفيون المسلمون في العالم بما يقدمه إليهم مراسلو التايمز والنيوزويك واللوموند ووكالة الصحافة الفرنسية، ولهذا فقد فُهمت قضية الجهاد الأفغاني من جانب واحد، ومن الجانب الأقل شأنًا في أكثر الأحيان.
في خيمة متواضعة في أطراف أفغانستان جلسنا نأكل مع المجاهدين الأفغان بعض الطعام، وكان معنا بعض قادة الحركة الإسلامية العالمية، وباستثناء بعض الأصوات التي تنبعث خافتة من هنا وهناك فقد راح الجميع في صمت، وكنت أرى المجاهدين يتحركون ويتدربون ويركضون ويدهم على السلاح، حتى قطع حبل الصمت مجاهد جاء لتوه من ميدان المعركة يروي كيف لقن المجاهدون القوات الروسية في منطقة قريبة من ممر خيبر الشهير درسًا قاسيًا أبادوا فيه معظم المقاتلين الروس وعملائهم من أنصار بابراك كارمل.
وكيف أن القيادة الروسية ذُعرت لهذه الهزيمة المنكرة، وكان المجاهد يشير بيده إلى ممر خيبر وإلى سلسلة الجبال الشامخة، التي تضم في ثناياها هذا الممر الضيق الجبلي الذي يعبره المجاهدون على البغال ومشيًا على الأقدام إلى داخل البلد المسلم أفغانستان، وتحركنا داخل المعسكر.
هنا المكتبة وفيها الكتب الإسلامية التي تغذي الفكر وتهذب النفس وتحيل المقاتل إلى مجاهد، وشتان بين الذين يقاتلون من أجل شارة أو مغنم أو احتلال وبين المجاهدين الذين يقاتلون دفاعًا عن النفس من أجل صيانة الحرث والنسل وإعلاء كلمة الله في الأرض.
وهنا التدريب الذي يشرف عليه ضباط كبار من الذين أنهوا علومهم في الأكاديميات العسكرية في الهند وفي روسيا نفسها أو كابول، ثم التحقوا بالمجاهدين يعدون العناصر والفتيان للجهاد في بلادهم وتخليصها من يد الاحتلال الأحمر البغيض.
والقتال فن من الفنون فلا يكفي أن يكون المقاتل متحمسًا، بل لا بد أن يقترن الحماس بالعلم والتدريب والإعداد، وهذا هو الفرق بين الجهاد في أفغانستان والجهاد في مناطق إسلامية أخرى.
في أفغانستان يجري الأمر وفق الأصول العسكرية المتخصصة، وفي غيرها تستخدم العواطف بدلًا من ذلك كله.
وهنا كلية التمريض لإعداد المقاتل الذي يقوم بالإسعافات الأولية في وسط المجاهدين، يسعف أخاه الذي يسقط إلى جانبه في الميدان ويعالج الحالات التي يمكن علاجها في ساحات المعركة.
وهنا مدرسة الأشبال التي تعني بالشباب الصغار تدرسهم وتدربهم وتعدهم ليكونوا جيش المستقبل، فبمثل هذا الجيش قاتل المسلمون العثمانيون العالم وفتحوا الديار، وبمثل هذا الجيش ستنتصر إن شاء الله أفغانستان وينتصر معها المسلمون في مختلف البلدان.
وانتقلنا من معسكر إلى معسكر، ومن ساحة عمل إلى ساحات أخرى.
كل شيء كان يستقبلنا بحفاوة بالغة، الشيوخ الأشداء والشباب الأقوياء حتى الأطفال كانوا يستقبلوننا وبأيديهم السلاح ينشدون ألحان الجهاد والقوة التي ستصنع الغد المشرق بإذن الله.
لافتات رفعوها تحيي الحركة الإسلامية العالمية، وفي إحدى اللوحات شعار رفعه أحد قادة الجهاد يقول: إننا نساعد جميع الحركات الإسلامية في العالم ونحن جزء منها.
حياكم الله يا أبطال الأفغان، فقد رفعتم رؤوس المسلمين عاليًا وترجمتم لهم عمليًّا شعار الجهاد الذي رفعته الحركة الإسلامية في العصر الحديث.
وفي مكان آخر جلسنا مع قادة الجهاد الأفغاني واستمعنا منهم إلى شرح مفصل عن أعظم ملحمة في القرن العشرين.
يقول أحد القادة إن الحرب التي يخوضها شعبنا في أفغانستان ضد الغزو الروسي، هي حرب يدافع فيها الشعب عن نفسه وأهله وأرضه وعقيدته، ومنذ أكثر من ثلاث سنوات تشن الطائرات الروسية غارات متواصلة على كل شيء حي في أفغانستان.
هُدمت القرى، وهدمت المساجد والمدارس، وأحرقت الحقول والمزارع، وقتلت الحمير والبغال والخيول.
وما زالت القوة الغاشمة تقضي باستمرار على كل مظاهر الوجود في أفغانستان.
كان المجاهدون يتعرضون للقوافل الروسية، ثم ينسحبون إلى القرى فيجدون لدى السكان الغذاء والمأوى، أما اليوم فصار المجاهدون يضطرون إلى حمل خبزهم اليابس معهم ويقضون الليالي ذوات العدد في الكهوف وفي الوديان يفترشون الأرض التي يدافعون عنها ويلتحفون السماء.
وليس ذلك فحسب، بل يضطر السكان الذين هُدمت قراهم إلى الهجرة إلى باكستان وعملية التفريغ هذه، بالإضافة إلى تأثيرها على عملية الجهاد؛ فهي تحقق استراتيجية استعمارية خطيرة.
وأكمل القائد حديثه فقال: لقد خسر شعبنا أكثر من نصف مليون شهيد، وهذه الأيام يسقط يوميًّا ما يقرب من ألف إنسان بين جريح وشهيد وأكثر من ثلاثة مليون إنسان يعيشون في الخيام خارج أفغانستان، وكلما ازدادت المحنة زاد تصميم شعبنا على الكفاح.
وعلى الرغم من أننا أوقعنا خسائر فادحة في صفوف العدو في جنوده ومعداته، ولكننا لا بد أن نعرف أننا نقاوم أكبر جيش في العالم يملك أضخم ترسانة من الأسلحة.
ولا بد من أن نعرف كذلك أن العالم كله مشغول بالحديث عن جراحنا ومأساتنا وكأنه يلهو بنا، أما العالم الإسلامي فلنا الله منه فلم يقدم لنا -رغم إمكاناته الهائلة- شيئًا يذكر.
وانتقلنا إلى مكان آخر اجتمعنا فيه بمجلس شورى الاتحاد الإسلامي لمجاهدي أفغانستان، وكلهم علماء أجلاء تصورهم عن المعركة واضح وأن الأمر صراع بين الدول المستعمرة وبين المسلمين، صراع قديم مستمر، وأن ثقتهم بإسلامهم وبأنفسهم وبكفاحهم كبيرة وأن النصر مع الصبر، وأن الله معهم لأنهم يدافعون عن حق وغيرهم يقاتل من أجل باطل.
هذه هي قصة الكفاح في أفغانستان، الجهاد الذي يقف فيه أكثر من ٢٠٠ ألف مجاهد في أعظم ملحمة في العصر الحديث، فهل ينتبه المسلمون إلى ضرورة التلاحم مع إخوانهم فيقاسمونهم الرغيف والهموم قبل أن يتمكن المحتل الغاشم من تدمير هذه القوة؟
ولا بد للمسلمين أن يعرفوا أنه إذا استطاعت روسيا تحطيم هذه القوة الإسلامية العظيمة في أفغانستان، فستكون بقية البلاد مفتوحة أمامهم ومستسلمة، فهل يدرك المسلمون ذلك؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل