العنوان مشاهدات عائد من أمریکا 2 ضعف الصلات الاجتماعيّة
الكاتب الأستاذ مازن صلاح المطبقاني
تاريخ النشر الثلاثاء 16-سبتمبر-1975
مشاهدات 0
نشر في العدد 267
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 16-سبتمبر-1975
مشاهدات عائد من أمریکا 2
ضعف الصلات الاجتماعيّة
بقلم: مازن صلاح المطبقاني
في عدد سابق من هذه المجلة كنت قد تحدثت باختصار عن مظاهر ضياع الروح وفقدان
الصلة بالخالق في الحضارة الغربية التي توشك على الانهيار وقد ألزمت نفسي بأن أنقل
للقراء الكرام خلاصة مشاهداتي هناك عن مختلف ظواهـــــــــر الحياة وفي هذا المقال
سأتحدث عن أحد هذه المظاهر وهو ضعف الروابط الاجتماعية منذ أن عرف الإنسان المجتمع
وهو يسعى الى تكوين علاقات مختلفة مع غيره فكان من أولها وأهمها روابط الأسرة وجاء
الرسل جميعا- صلوات الله عليهم- يدعون الى توحيد الله واقامة مجتمعات على أسس من
المحبة والتآخي في الله ومع ذلك ففي غيبة الرسل نجد أن البشر يلجأون الى روابط
المصلحة لا تكفل لهم العيش الكريم لأنها أضعف الروابط الانسانية على الاطلاق
وبالتالي لن تقاوم طويلا في وجه نزعات الطمع والانانية الى أن أتى المسيح عليه
السلام فرأى اليهود غارقين في متاهات المادة ليس فيهم محبة ولا إخاء فكان بتعاليمه
داعية للحب والسلام والوئام والتسامح غير أن هذه التعاليم فهمت خطأ وندبها الرهبان
عن طبيعة البشر.
أما جزيرة العرب فكانت ساحة للغزو والتطاحن والسرقة والنهب ووأد البنات
وترفع الاغنياء على الفقراء وغاية ما توصف به الحالة قول أحدهم «ان لم تنفع فضر»
كما أن هؤلاء العرب لم يتوانوا عن حرب بعضهم البعض ارضاء لكسرى أو هرقل حتى أن
الحروب هذه كانت تدوم بينهم أكثر مما يحدث بين الروم والفرس الذين كانوا يدخلون في
معاهدات صلح تتخلل ما يقع بينهم من حروب وجاء الاسلام فخلص هذه الامة من شرور
العصبية وأرسی دعائم أعظم مجتمع انساني بني على التآخي في الله وعلى رابطة العقيدة
والدين والفكر حتى أنه جعلها أقوى من رابطة الدم والنسب فلا غرو أنه يحرم على
المسلم أن يهجر أخاه المسلم فوق ثلاث ليال والاسلام افترض الاخوة بين المسلمين
جميعا وهذا ما لم تصل اليه أمة أخرى ويتميز الاسلام بتقوية الروابط بين كافة أفراد
المجتمع فيقرن طاعة الوالدين بعبادة الله حيث يقول تعالى ﴿
۞ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ
إِحْسَانًا﴾ (سورة الإسراء: 23) كما يطالب الاباء برعاية الابناء
وتعهدهــــــم بالتربية ثم ينتقل الى الجار فيحث على اکرامه ففي حديث عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم أن جبريل كان يوصيه بالجار حتى سيورثه والتعاليم في هذا الباب
كثيرة لجعل حياة المسلم غاية في السعادة حين يرى اخوانه يتفانون في حبه والاخلاص
له وتقديم العون في كل مناسبة تمشيا مع قوله صلى الله عليه وسلم «والله في عون
العبد ما دام العبد في عون أخيه».
وهكذا تغير وضع المجتمعات البشرية حين قاد الاسلام العالم بحضارته النيرة
التي تمتع بها كل من قال لا اله الا الله محمد رسول الله بل وكل من نعم بحكم
المسلمين وظل الامر كذلك إلى أن بدأت شمس حضارة الاسلام بالمغيب لان أبناء الاسلام
تخلوا عن عقيدتهم ومثلهم وقوانين اجتماعهم فخبت شعلة الحق في نفوسهم وأخذ الزمام
من كان بالامس متوحشا لينقض على المسلمين بالاندلس وأوروبا فيبيدهم شر ابادة ثم
عادوا الكرة في حروبهم الصليبية، أخذ هؤلاء علوم المسلمين وطوروها ولكنهم يأخذوا
من أخلاقهم الا ما يجعل تطورهم المادي ممكنا واليوم نحن نقف على أعتاب الغرب
مندهشين من عظمة حضارته المادية ناسين أو متناسين موقفهم الاسبق حيث أخذوا العلم
منا ولم يأخذوا القيم ومع ذلك لا ندرك الخطأ الفاحش الذي وقعوا فيه لان الحق عز
وجل يقول ﴿ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ
دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ (سورة آل عمران: 85) نترك هذا وتتهافت على
قيمهم نريد أن نستبدلها بقيمنا ولا نأخذ من علمهم شيئا و يا ليتهم يمتلكون أية قيم
ففاقد الشيء لا يعطيه بل ان الانكى من ذلك أنهم يدفعوننا دفعا الى التحلي بأخلاقهم
المنهارة ومثلهم الضالة ونترك العلم لنبقى عالة عليهم وتظل أسواقنا مفتوحة
لبضائعهم ومناجمنا وآبارنا وخيرات أرضنا مددا وعونا لهـم علينا، كيف نأخذ أخلاق
أمة لا خلاق لها؟ هذا هو الحاصل فالكثيرون من أبناء الاسلام درسوا العلوم
الانسانية من تربية واجتماع وتاريخ وفلسفة على أيدي الغرب وتطبعوا بطباعهم وعادوا
الى بلادهم ولم يكن لهم معرفة سابقة بالاسلام فأرادوا تطبيق ما أملاه عليهم أساتذة
الغرب ناهيك عن خبث الغرب في تشويه صورة الاسلام أمام العالم أجمع، وخاصة أبناءه
مظهرينه بأنه الدين الذي لا حرية فيه ولا كرامة فيجب الخروج عليه ولكن أين هي
الحرية والكرامة في حياتهم.
صورة من حياتهم
الاسرة نواة المجتمع ولا تقوم الا بالزواج وفي أمريكا لم يعد للزواج تلك
القدسية التي تجعل منه رباطا أبديا لان العيب في الزواج نفسه فهو سنة الله في
الأرض لإحيائها ولاستمرار البشرية وليكون كل من الرجل والمرأة سكنا للآخر جاعلا
بينهما مودة ورحمة ولكن لأن الغرب خرج عن طور بشريته ونزل بقيمة الى ما دون مستوى
العجماوات فأصبحت الغريزة الجنسية هدفا في ذاتها يسعون الى تحقيقها بكل وسيلة
ضاربين صفحا عن الهدف الاسمى وهو إنجاب الذرية علما بأن الذرية من أهم العوامل
لاستقرار بيت الزوجية وهكذا يصبح الزواج عندهم عرضة للاهتزاز والانهيار وليس بنا
حاجة إلى ذكر الأرقام الدالة على ارتفاع نسبة الطلاق ولانه بامكان أي انسان معرفة
ذلك بالاطلاع على صحفهم اليومية التي تزيد فيها عدد حالات الطلاق النافذة وتلك
التي تحت التنفيذ على حالات الزواج وأذكر أن عجوزا أمريكية قالت لي: انه في احدى
المدن الامريكية كان هناك أربعة مستشفيات تستقبل عمليات الولادة ولما قل الإنجاب
لم يبق الا مستشفى واحد يستقبل هذه العمليات وتستطرد العجوز معللة الأسباب بأنه لم
يصبح الهدف من الزواج سوى المتعة وأن شروط الزواج هي «الوسامة والجمال» فقط وهذا
عائد الى الانانية التي يتحلون بها فإن الله خلقهم ليكونوا وسيلة لاعمار الأرض
ولكنهم لا يهتمون بهذا فلا ينجبون وسرعان ما ينهار الزواج.
وهناك أسباب عديدة لفشل الزواج ومن أهمها أن المرأة لا تقتصر في اختلاطها
على المحارم ولو أنه لم يعد يعرف من المحرم ومن غير المحرم!! فلها أصدقاء وصديقات
وللرجل كذلك وتقول إحدى عالمات الاجتماع الأمريكيات أن معرفة الزوجة لاصدقاء الزوج
وزملائه يشكل خطرا على الزواج ذلك أنها تتزين أمامهم مما يشجعهم- ولا وازع لهم من
دين أو خلق- على الايقاع بها في الخيانة الزوجية أضف الى ذلك تلك الدعوة الصارخة
التي تقوم بها أبواق الصهيونية الماكرة من خلال وسائل الإعلام المختلفة لتحطيم
جميع المثل والأخلاق التي تدعو إلى الفضيلة معللين ذلك بأن العمر قصير جدا ولا بد
من الحصول على أكبر قدر من المتعة واللذة في هذه الدنيا إذا لم يكن للزواج من هدف
سوى تحقيق المتعة المؤقتة فإن الأسرة التي تكون قد بنيت على هذا الاساس فلن تهييء
السكن أو المودة أو الرحمة لأفرادها ويبدو هذا جليا في هروب الأبناء من بيوتهم في سن مبكرة
ابتداء من الثانية عشرة حتى أصبحت مدينة سان فرانسسكو ومدينة دلاس مكانا لتجمع
هؤلاء الأبناء وفي تجمع هؤلاء الشباب لا ترى مكانا للفضيلة والخير وانى لهم هذا
ولم يحصلوا على التربية والتهذيب بل أنهم يجتمعون لتعاطي المخدرات والجنس الرخيص..
ومن حوادث الهرب التي عرفتها بنفسي أنه بينما كنت أجلس مع زميلي في المنزل حوالي
الساعة التاسعة مساء وإذ بنا نسمع طرقا على الباب فلما فتح الباب فاذا هي فتاة في
الرابعة عشرة من عمرها هاربة أهلها وتلاحقها الشرطة وأنها إذا ما بقيت في المنزل
فإن أهلها يحبسونها في غرفة لوحدها وربما يقيدونها بالحبال علما بأن الفتاة في هذه
السن تحتاج للتربية والتوجيه المقرونين بالحب والحنان من الوالدين وحتى يكون
التوجيه فعالا لا بد من القدوة الحسنة في الأخلاق الفاضلة الكريمة يقدمها الوالدان
أما أسلوب الحبس والقيود فإنه يؤدي إلى التمرد والعصيان.. وهكذا ينتقلون من تطرف
الى تطرف آخر.
وهناك أمثلة أخرى لهذا الهروب أسوق بعضا منها عرفته خلال السنتين الأخيرتين
من وجودي في أمريكا وفي مدينة صغيرة بولاية اريزونا- وقس على ذلك في بقية أمريكا-
من هذه الامثلة فتاة في السادسة عشرة من عمرها إلا أن بها مسا من جنون وهاربة من
أهلها وتعيش مع أشخاص مختلفين لم يعد لها عقل ولا عاطفة ومن غريب ما صنعت بنفسها أن قصت شعرها على هيئة
الشعر الزنجي وخرقت أنفها ووضعت فيه حديدة!! وفتاة أخرى تسير في الشوارع لا تعرف
لنفسها اتجاها تعاني من ألم واحمرار في العين ولكن ليس لديها المال للعلاج وقد
تفقد بصرها أما الشباب الذين تعيش معهم رغم استخدامهم لها لا يرغبون في علاجها..
وفتاة أخرى لا تكاد تستقر في منزل الا وتطرد منه بعد أن تقدم أغلى ما لدى المرأة
مقابل طعام وسكن أياما معدودات.. وهناك فتاة تعيش في بحبوحة مادية إلا أنها أوشكت
دخول مستشفى المجاذيب ذلك أنها لا تستطيع تحديد نمط حياتها وهي تعتمد كليا على
الحبوب المهدئة معظم أيامها.
هذه هي حال المرأة في أمريكا تتمرغ في أوحال التخلف النفسي والخلقي لانها
خدعت وقيل لها هذه الحرية!! لا تجد من يغار عليها أو يأبه لتصرفاتها ويحرص على
عرضها لان الكل مستغرق في البحث هو الجري وراء ملذاته الشخصية.
إن الطبيعة المادية للشعب الأمريكي تجعل العثور على صديق مخلص شيئا بعيد
المثال وذلك للخواء الروحي الذي يرتعون فيه الأمر الذي ساعد على انتشار الانتحار
بصورة مرعبة تفوق ما عرف عن السويد والدول الاسكندنافية والغريب أن يستشري
الانتحار بين النساء أكثر من الرجال وخاصة في ولاية كليفورنيا- الولاية الثانية في
أمريكا من حيث عدد السكان- كل ذلك من جراء التمزق النفسي الحاد. أن المرأة هناك لم
تعد تفهم وتهتم الا بالمتعة واللذة وليس لديها من الوقت الا ما يقودها الى الرذيلة
ومن الأشياء التي استحدثوها لمحاولة التخفيف من الانتحارات المتزايدة هي إنشاء
مركز يتلقى مكالمات المقدمين على الانتحار أو من لديهم مشكلة عاطفية أو الذين
يعانون من ضيق الصدر وهذه الخدمات تقدم ليلا ونهارا وبالمجان !!
كما أن بعض المتصلين يكونون ممن تناولوا بعض المخدرات فبالحصول على عناوينهم
يمكن انقاذهم دون معرفة الشرطة وكأني بهذه الانسانية الكاذبة من فعل اليهود الذين
يحبون أن تشيع الفاحشة أينما حلوا والواقع أنهم بهذا الفعل يخفون كثيرا من الجرائم
عن أعين السلطات التي يجب أن تعلم بهذه الأشياء حتى يتسنى لهم الكشف عن مصادر
المخدرات والجرائم.
أما حركة الهمجيين المسماة بالهيبيز فليست خروجا على المجتمع بمعناه البسيط
والا
فالاقتناع
بهذا التعليل سذاجة واضحة لأن جذور حركة الهبيز أعمق من ذلك بكثير، إنها تكمن في
انفراط عقد المجتمع وتفكك روابطه جميعها وهؤلاء الشبان الذين أطالوا شعورهم
وانحلوا خلقيا فيما يسمونه بثورة الجنس الامريكية وتعاطوا المخدرات. كما أنها تكمن
في المنزل المنهار الذي فقد الابن محبة وحنان والديه وفقد الوالدين طاعة الأبناء
ونتيجة لذلك ثار الأبناء على قيم المجتمع كلهـا وأصبحوا يقدمون على فعل كل ما كان
محرما عليهم ومن الأعمال التي يقوم بها هؤلاء الشباب بالاضافة الى اطالة الشعور
وارتداء الثياب المهلهلة والمشي حفاة وترك النظافة البدنية والفكرية والانغماس في
الشهوات بلا حدود ومن هذه الأعمال التي شاهدتها بنفسي هي الخروج في جماعات إلى
الغابات والعودة إلى حياة الانسان الاول من التعري وارتكاب الفواحش جهرا أما تعاطي
المخدرات فهو شيء عادي في هذه المخيمات حيث لا يوجد أي تحرك من سلطات الأمن للقضاء
عليها رغم أنهم على علم بذلك كله .
أما ادعاء هؤلاء الشباب أنهم في اختلاطهم المثير هذا يحطمون التقاليد وقيود
الطبقات التي يفرضها المجتمع الرأسمالي فما هو إلا كلام يرددونه كالببغاوات وراء
الأجهزة الصهيونية القائمة على هذا الانهيار تحقيقا لما جاء في البروتوكولات حيث
يقول أحدها «يجب أن نخلق جيلا لا يستحي من العري».
وكان من آثار هذه الحمى الهستيرية انتشار الأمراض السرية الفتاكة وازدياد
اللقطاء بصورة مرعبة وامتلاء الملاجىء بهم وكذلك انخفاض نسبة الشباب الملتحقين
بالجامعات حيث لا تقدم لهم الجامعات هذه الحرية البهيمية ولو أن مجتمع الجامعات
فيه ما يكفيه من الانهيار وانخفضت تبعا لهذا كله نسبة اللائقين للخدمة العسكرية
التي تزداد سوءا يوما بعد يوم حتى أن شروط القبول في الكليات والمدارس العسكرية قد
أعيد النظر فيها وخفضت المستويات المطلوبة.
يقول أحد البروتوكولات: «يجب أن نسيطر على الإعلام والذهب ولا يمكن السيطرة
على الأول إلا بالسيطرة على الثاني وقد تحقق هذا بدون شك فالدعاية الضخمة التي
تملأ برامج التلفزيون الأمريكي والتي لا تزيد فيه نسبة البرامج على خمسة وأربعين
بالمائة والباقي للدعاية.. وتستغل الدعاية والبرامج أبعد وأسوأ استغـلال لتوجيه
الشعب الأمريكي وجهة فكرية خاصة وأول هذه الأهداف الصهيونية استخدام الجنس
والإلقاء به في شتى ميادين النشاطات والاحتياجات البشرية فلو أخذنا دعاية العطور
مثل- أنهم يجعلون المشاهد يعتقد أنه لو استعمل عطر كذا لتهافتت عليه البنات كما
يتهافت الذباب على العسل أو لو اشترى هذا النوع من السيارات أو ذاك لحقته الفتيات
وغازلنه أي غازلن السيارة!!
وكذلك الحال بالنسبة للمنتوجات الخاصة بالنساء وفي ندوة تلفزيونية حول موضوع
الدعاية في التلفزيون قال عالم الاجتماع والفيلسوف الشهير إريك فرام بأن الدعاية
هي أسلوب لابتزاز أموال المشاهد بايهامه ان شراءه لسلعة ما يحقق له جميع أحلامه في
السعادة والعيش الهنيء أما في مجال إفساد أخلاق الناس فذلك بوضع هالات من الشهرة
والعظمة حول أشد الناس فسقا وأضرب مثالا على ذلك بنجمة أحد أفلام الجنس السفيهة
جدا التي تثير في النفس السليمة الاشمئزاز قام التلفزيون باستضافتها في برامج
عديدة ليجعل منها بطلة يقتدى بها الشباب التائه.
أما الدعاية التي تنادي بالقضاء على ما بقي من الصلات الاجتماعية وكلها
كذلك.
دعاية لأحد أنواع الإطارات حيث يقوم أحدهم بإجراء مقابلات مع بعض أصحاب
السيارات سائلا اياهم: لو شاهدت انسانا أصاب عجلات سيارته عطب وطلبك المساعدة فهل
تتوقف لمساعدته فيجيب الأول بأنه لن يقف حيث لا وقت لديه ليضيعه في مثل هذه الأمور
ويجيب الثاني على نفس السؤال بأنه إذا أوقف سيارته فجأة يقع له حادث ويجيب آخر
بأنه لا شأن له بهذه الأمور لماذا يشغل نفسه بمشاكل غيره وليس بينه وبينهم رابطة
عندئذ يصيح السائل إذا فالجواب أن تشتروا اطارات كذا فهي حماية لكم من كل مشاكل
الإطارات وغنى لكم عن الشهامة والضمير المفقودين في هذا المجتمع، هذا وقد غزت هذه
النفسية بعض أبناء المسلمين حيث ادعى صاحب لي بأنه لن يقف لمساعدة أي إنسان ويشاء
الله أن يريه نتيجة قولته وليعلمه درسا لا ينساه فتصاب سيارته في إحدى سفراته التي
رافقته فيها بعطب يتطلب دفعها فتتوقف ثلاث مرات وفي كل مرة يهب أناس لمساعدتنا دون
أي معرفة سابقة وعندها يتعهد هذا الصاحب بأن يقدم المساعدة لكل من يطلبه ويشاء
الله أن أرافقه في رحلة العودة فيفي بوعده.
ولكن في أمريكا من النادر أن يهب انسان لمساعدة المحتاج ومن ذلك حوادث كثيرة
تتناقلها الجرائد عن أناس يموتون من البرد والعطش وهم في انتظار من يساعدهم ومن
أغرب ذلك أن أمريكيا كان مسافرا من بلد لآخر فتعطلت سيارته ووقف على جانب الطريق
يطلب الغوث فلم يلب نداءه أحد فما كان منه إلا أن انتحر في النهاية تاركا ورقة
تقول: لقد يئست من هذا العالم الذي لا يربط فيه الانسان بأخيه الانسان أية رابطة
لقد مرت من أمامي مئات السيارات وكأنهم لم يروني ولهذا أغادر هذا العالم غير آسف
ولا حزين .
فهل نريد لأنفسنا مجتمعا متفسخا لا تجمعه رابطة ككل مجتمعات الغرب أننا إذا
لجاهلون. ومع الأسف الشديد نجد أن الكثيرين يأخذون من أخلاق الغرب دون الالتفات
الى تلك الصورة المشينة التي وصلوا إليها هناك، لقد حاول الاستعمار وما زال يحاول
أن يلقي في عقولنا أننا اذا ما ابتعدنا عن ديننا وتخلقنا بأخلاقهم فلا شك أننا
سنلحق بهم حضاريا. والبوم وقد مضى على الامة الاسلامية أمدا طويلا وهي تسير في ركب
الغرب خاضعة ذليلة تركت الكثير من مثلها الاسلامية العالية وأعرضت عن تعاليم ديننا
الحنيف وصبغت حياتها بصبغة مادية بحتة فهل لحقناهم حضاريا لا وألف لا انهم اذ
يتقدمون ألف خطوة لا تكاد خطواتنا تتعدى العشر، انهم حين دعونا الى تقليدهم ونبذ
قيمنا وديننا الذي فيه وحدتنا وعزتنا وتقدمنا أرادوا بذلك الابقاء علينا كمجتمع
استهلاكي لتصريف بضائعهم ولا يمكن الخروج من هذا الوضع المزري بالعقول الا بالعودة
الى كتاب الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام وانها لمسؤولية ضخمة على عاتق الذين
أنار الله بصائرهم بمعرفة الحق وحتى يكون التفاؤل رائدنا في هذه المسيرة نحو
التحرر من هذه الانحرافات الفكرية أذكر قوله تعالى ﴿
وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾
(سورة يوسف: 21).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل