العنوان مشاهدات عائد من أمريكا - الحلقة الثالثة: فقدان الأمن والاستقرار النفسي
الكاتب الأستاذ مازن صلاح المطبقاني
تاريخ النشر الثلاثاء 28-أكتوبر-1975
مشاهدات 93
نشر في العدد 272
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 28-أكتوبر-1975
مشاهدات عائد من أمريكا - الحلقة الثالثة
فقدان الأمن والاستقرار النفسي
تحدثت في الحلقتين السابقتين من هذه السـلســـة عن بعض مظاهــر الحياة في أمريكا وكان الحديث فــي الحلقة الثانية حول ضعـف الصــلات الاجتماعية في ذلك المجتمع وأتيـت بصور من حياتهم تدل على مدى تفسـخ الشعب آملا أن يرى أبناء الأمــــة الإسـلامية الحضارة الغربية بالمنظار الحق الذي لا تخيب الرؤية من خلاله وليعلموا مــدى صدق قوله تعالى ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ (الإسراء: 16).
وسيرا على نفس النهج نتناول اليوم ظاهــرة أخرى من المجتمع الأمريكي:
نشأ في أمريكا جيل من الشباب لا يعرف الاستقرار ولا الاطمئنان يعيش حياته باحثا عن الراحة النفسية والهدوء متنقلا من مدينة لأخرى ومن ولاية لولاية ومن عمل إلى عمل مغيرا أهدافه ومبادئه باستمرار وما ذلك كله إلا لبعده عن الله الذي لا يمكن للإنسان أن ينعم بالأمن والاستقرار إلا بمعرفته وعبادته وتحقيق الخلافة في الأرض على النهج الذي أمر به وتحمل الأمانة التي ناطها بالإنسان ونذكر جميعا الآيات النيرة التي تتحدث عن قريش
﴿لِإِيلَافِ قُرَيش إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾ (قريش: 4:1).
وجاء الإســـلام وتحققت عبادة قريش لرب البيت على الوجه الصحيح فنعمـــوا بالعيش الهنيء والغذاء الوافر فهـل يعبـد الأمريكان ربهم عز وجل أم سيظلون إلى عبادة الطواغيت؟؟
لا يكاد أبناء هذا الجيل في المجتمع الأمريكي يبلغون العاشرة من أعمارهم أو ما دونها إلا وهم في بحث جاد عن كنه هذه الحياة فلا يجدونه لأنه لا متعة في حنان الأم ولا رعاية في كنف الأب ولا معنى لأي رابطة مـع هــذا المجتمع المنحل فيلجؤون إلى الرحلات كوسيلة للهروب وهم مع ذلــــك لا يرتحلون طلبا للرزق أو العلم أو المتعة ذلك أن عددا كبيرا منهم يسافر وهو لا يعرف عم ببحث وليس لديه مال ينفق منه ولا أهل يهتم بهم ولا هم يهتمون به، حتى أن البعض منـــهم يترك والديه وهم في أشد الحاجة إليه وما بيوت العجزة المكتظة فــي أمریكا وأوروبا إلا من هؤلاء الآباء والأمهات الذين فقدوا الأبناء في صخب هذه الحياة وإن التـف الأبناء حــول الآباء فربما لثروة يطمعون في نيلها أو الاستئثار بها دون بقية الورثة في حين يقول رسولنا الهادي عليــه الصلاة والتسليم «رغم أنف امرئ أدرك والديه أحدهما أو كلاهما ولم يدخلاه الجنة» وقوله للرجل الذي أتاه يستأذنه في الخروج للجهاد وكان لــه والدان «ففيهما فجاهد»
هكذا يكثر الشباب على الطرقات وبين المدن في أوقات العطل المدرسية التي من أهمها عطلة عيد الميلاد التي تمتد لمدة أسبوعين فأكثر يستغلها الطلاب إما في العمل لتوفير مصاريف الدراسة أو لزيــارة الأهــل أو للاستجمام والمتعة أو للضياع وهذا هو الغالب بعد أن عشت في المجتمع الأمريكي مدة ثلاثة أعوام وتأثرت ظاهريـــا بحضارتهم وأصابني ما أصابهم من الضياع فرحـت أبحث عن نفسي وعن منقذ من جحيم الحياة واستغرقني ذلك من التفكير أياما طوالا حتــــى وجدت الحل في القيام بمغامرة فردية أجلو بها عن نفسي الهموم المتراكمة وأشبع فيها روح المغامرة لدي، والذي يجد له متنفسا طـــوال الـثـلاث والعشرين سنة التي مرت من عمري کما أن اعتيادي على الحياة الناعمة الهادئة الحالية من الإثارة والتشويق كل ذلك جعلني أقرر أن أخرج في رحلة من مدينة فينكس بولاية أريزونا إلى مدينة سان فرانسيســــکو بولاية كاليفورنيا وعلى طريقة الهيبيز التـي تتلخص في أن يقف المسـافر عـــلى الجانب الأيمن للطريق في اتجاه السير ويمد ذراعه مشيرا بإبهامه لسائق السيارات للوقوف وربما يحمل المسافر قطعة من الورق المقوى وعليها اسم المدينة التي يرغب في الســفر إليهــا.
كانت المرحلة الأولى من هذه الرحلة من مدينة فينكس إلى مدينة لوس أنجلوس اتفقت فيها مع مجموعة من الطلاب للسفر في سيارة أحدهم وكانت رحلــة هادئة لم يكن فيها ما يوجب الذكر فوصلنا مدينة لوس أنجلوس مسـاء، ولم أكن أعرف أحدا في تلك المدينة غير جمعية الطلب الجمعية قائمة عـلى تبرعات الكنائس ويرأس فرعها فــي لوس أنجلوس مبشر أمريكي قضـي في إیران إحدى عشرة سنة وكنت قد سكنت في منزله مدة شهرين عندمــا كنت أدرس اللغة الإنجليزية وذلـك قبل سنتين ولكني غادرت سكني ذاك عندما ضـقت ذرعا بطبائعه التبشيرية وتجاهله حتى لمجرد الاعتراف بالإسـلام كدين من الأديان بالإضافة إلــى اختلافاتنا حول قضية فلسطين حيث كان يساند يهود إلى أبعد حد ورغم كل هذا الاختلاف إلا أن حبل العلاقـة ظل متصلا لخبثه الأصيل، ولعـــدم التزامي إسلاميا بالمعنى الدقيــق، طلبت من هذا الرجل أن يقدم لــي مأوى تلك الليلة ولكن خاب ظني فيه وأذكر هنا أن من أهم شروط الرحلة أن لا أبيت في فندق أو مكان أدفــع فيه إجراء وذلك لأختبر قدرتي على التقرب إلى الناس ومدى تقبلهـــم للغريب. وبعد معاناة قصيرة مع بعض الشباب العرب وجدت مكانا لدى أحدهم انتقلت بعدها إلى مساكن طلبة معهد اللغة وكانوا أشـد كرما من غيرهم الذين داخلتهم بعض طباع الحضارة (!) فمكثت عندهم أياما حاولوا خلالها أن يثنوني عن عزمي بمواصلة السـفـر وكان من أهم مـا عرفته عن بعضهـم أنه يعيش حياة البذخ والترف فيصرف أموالا طائلة فيما لا ينفع بل يضر أما دراستهم للغة فتسير سيرا ســــيئا بسبــب تجمعهم في مكان واحد وتحدثهم باللغة العربية معظم الوقت كما أن الكثير من المدارس التي يؤمها الطـــلاب الأجانب تتعاون مع الهيئات التبشيرية والتي لا يهمها إتقان الطالب للغة الإنجليزية إلا بالقدر الذي يساعد في إفساد أخلاقه أو حتى ينقلوا إليــه رسالة التبشير ومن أساليب هــذه الجمعيـات رعاية مـصـالـح الطــلاب الجدد من حيث إيجاد السكن لهـــم وإرشادهم في التعامل مع البنوك وغيرها من أمور المعيشة ثم يهتموا بالأمور الترفيهية مثل الرحـلات التي يزورون فيها الكنائس المختلفة وينزل فيها الطلاب ضيوفا علــى بعــض المبشرين وكذلك إقامة الحفلات التي يلقي فيها المنتصرون محاضـرات عـن الديانة المسيحية والأشـــياء التي حببتها إليهم.
وفي صبيحة يوم مطير حملت حقيبتي وخرجت إلى الطريق المؤدي إلى مدينة سان فرانسـسـکو ووقفت مشيرا بإبهامي كالعادة وبدأت فـي تقديم الابتسـامات للمارين علهـــم يقفون لإركابي معهم وبعد فترة مرت فيها مئات السيارات من أمامــي استطعت الحصول على وسـيـلـة أحمل بها نفسي إلى مدينة سانتا باربرا وهناك ذهبت إلى حيث مخرج المدينة ومكثت في المطر ســــاعات حتى ابتلت ثيابـي مما دعاني إلى اللجوء إلى أقرب مقهى أسأل فيــه عن مكان اجتماع شباب المدينة كما سألت عن مكان أقضي فيه الليلــة وأود أن أذكر هنا أن مواردي المالية كانت جيدة حيث كان بإمكاني أن أذهب لأي مصرف وأسـحـب المبلغ الذي أريد كما كانت لدى الوسيلة لأقيم فــي واحد من ثلاثة فنادق تنتشر في معظم المدن الأمريكية ولكني كما أسلفت فضلت أن أتعرف إلى الناس وأحتك بهم عن قرب دون اللجوء إلى المادة لحل مشاكلي.
توجهت إلى صالة الألعاب التــي يجتمع فيها الشباب وبعد أن تحدثت إلى بعضهم ولعبت معهم لمدة ساعتين أو أكثر عرضت الأمر على أحدهــم وكان مترددا في الموافقة على أخذي معه تلك الليلة ولكنه وافق آخر الأمر وفي البيت وجدت شبانا وشابات بعضهم لم يتعد السادسة عشــــر تركوا أهلهم المقيمين في نفس المدينة وأقاموا في هذا البيـت تحت شعـار الحضارة أو الثقافة المعاكسة وتتمثل هذه الثقافة في الخروج على جميـــع القيم الإنسانية الرفيعة فمنزلهم غارق في القاذورات: فراشـهـم وأغطيتهم وأرض الغرف وملابسهم كلها رديئة وأجسامهم لا تعرف الماء وليس فــي المنزل تدفئة خاصـة وقد كنا في شهر كانون الأول «ديسمبر» ويفتقد لديهم الماء الدافئ والذي نادرا ما يفتقد في أمريكا وافقت في الصباح وإذا بي أرى منظرا قبيحا إنهم يمارسون الجنس بما تمارسه البهائم فهربت من عندهم لأسافر لمدينة سان فرانسيسكو وفي وقوفي منتظرا مواصلة الرحلة قابلت شابا قد خرج منذ أسبوع من مستوصف لعلاج مدمني الهيروين «وهــذا من أشد المخدرات فتكا بالمجتمع الأمريكي حتى أنه واسع الانتشار بين طلاب الصفوف الابتدائية» وهو فرح جدا بهذا الانتصار وعرفت منه أن عــدد الذين يلجؤون إلى هذه المستوصفات قليل جدا لا لأنهم لا يريدون الشــفاء منه بل لأن العلاج هناك يكلف مبالغ باهظة ويحتاج إلى اهتمام من الدولة التي لا تحرك ساكنا لحل هـــذه المشكلة.
وصلت مدينة سان فرانسسكو فدلفت إلى مطعم يمتلكـــه زنجـي فتناولت طعام الغداء وقمت لأدفع الحساب وعندها تمكنت من ســؤال صاحب المطعم عن مكان آوى إليه فرحب بي وقال إنه بإمكاني المبيت عنده وأخذني إلى منزله القريب وقال لي: ليس لدي سوى هذا السـرير فلا أظنك تمانع في المبيت قلت بالطبع لا، وعند خروجنا من المنزل وضع يده على كتفي ما أكد الشعور لدي بأنه شـاذ جنسيا ولم أقتنع تماما بهــذه الفكرة فذهبت إلى المتاجر المجاورة فسألت عن هذا الرجل فلم أجد جوابا شـافيا اضطررت بعدها للبحث عن مأوى آخر فوجدت مكتبا للخدمات الاجتماعية يقوم على شــأنه بعض الشـــباب وبعــــد الانتهــاء من بعض الأسئلة التقليدية من أين أتيت وما الغرض من زيارتك وأيـن تنوي الذهاب وكم تريد البقاء هنا؟
عندها أدار قرص الهاتف ليتصل بأحد المشتركين في هذه الخدمات طالبا إياه أن يهيئ لي مكانا للمبيت ولما عرف المشترك أنني عربي وكانت جدته لأمه يهودية رفض إيوائي رغم إلحـــاح المسؤول عن البرنامج ومديحه لـي بأنني رجل محترم وذو هيئة ســارة وبعد رجاء وإلحاح تسـاءل عـن النظافة والتي كما ذكرت سابقا بدأت تختفي من مجتمع الشباب الأمريكي صـاحـب الثقافة المعاكسة ورغم محافظتي على النظافة إلا أنني اغتسلت وذهبت إليه وكنت أرتدي ملابس جديدة وكـــان شـعري مرجلا وعرفت أن مضيفي يصنف الناس على الدرجات التالية: الأوروبيون ثم الكنديون ثم الأمريكان ثم الجنسيات الأخرى والعرب يتمتعون بنهاية السلم
وفي أثناء وجودي عند هذا المضيف عرفت الكثير من حياة الشباب فهم يتحدثون عن تناول المخدرات كأنما هي شيء عادي فأسمعه يقول في يوم كذا تناولنا هذا النوع أو ذاك مـن المخدرات أو الأدوية التي تؤثر على القدرات العقلية للإنسان فبدأت الدنيا تظهر بألوان غريبة وفي إحدى المرات بعد أن أصبحوا تحت تأثير المخـــدر قاموا بتغيير ألوان الغرفة وغير ذلك من الأعمال التي لا يقوم بها إلا فاقدو العقل وكذلك علمت أن هنالك حديقة عامة بالقرب من البيت الذي نزلت فيه يخرج إليها ليلا سواء في الصيف أو الشتاء بعض الشباب وهم تـحـت تأثير المخدرات فيخرجون عراة وربما تركوا حتى وصــول الشــرطة أو آواهم أحد المارين هذا عدا عـــن حوادث الانتحار الكثيرة التي تحصل من جراء استعمال المخدرات.
ودار بيننا حديث حول الحكومات فنقل إلى مضيفي رأي الأكثرية مــن الشباب المثقف والواعي بأنه لا ثقة بين الشعب والحكومة ذلـــك أن الحكومة الأمريكية تقوم على رعاية مصالح شرذمة من الرأسماليين ولا تنقل إلى المواطنين إلا الأخبار المزورة بل وتشغلهم بالأخبار المحلية والتي تصنع بكميات هائلة حتى أن أحدهم يقول إن جرائدنا مصنوعة محليـــا وللاستهلاك المحلي فقط كما تقوم دور الصحافة برسم صورة متعاليـــة للمواطن الأمريكي ليشعر بكبريـــاء غريبة باتجاه الأمم الأخـرى، أمــا المادية فهي مغروسة في نفـــوس الشباب منذ الحداثة فهذا الشاب الذي استضافني مهما ادعى الابتعاد من المادية فليس بصادق ذلك أنــه يتاجر بنوع من الكلاب الانفعالية والتي تباع بما يزيد على المائتي دولار كما يركب سيارة سباق ثمينة، إنـــه تناقض غريب يهاجم الرأسمالية وهو نفسه يحاول أن يكون واحدا منهـــم حيث يتاجر في سلعة ليس لها رواج إلا بين الأغنياء أضـف إلى ذلك أنه يذهب لمشاهدة مباريات كرة القدم التي يلعب اليهود دورا كبيرا فــي توجيهها نحو إغراق النــاس فــي المشاجرات والمخاصمات الفارقة التي لا تجدي. وزيادة على ذلك فهـــو يمتلك تلفزيونا ومن المعروف أن الشباب الذي ترك الرأسمالية وثقافتها هجر التلفزيون وفي أثناء تجوالي في مدينة سـان فرانســســکو دخلت مطعـــما للزنوج وللعمال من الأقليات الملونة وبينما كنت أشرب القهوة إذ بموزع صحف يقوم بتوزيع صحيفة تصدرها «منظمة الفهود السود» وكان من مقالات العدد مقــال يتحــدث عــن العدالة قائلا: إننا سنحصل على العدالة ممـن هي لديهم.. سنأخذها بالقوة ولن نقبل بأقل من العدالة التامة. . . لقد افتقدنا العدالة منذ نزلنا هذه الأرض البائسة، ولكن حـان الوقت ليتغير الميزان. وكذلك احتوت الجريدة على أخبار من الظلم الواقع على السود وحديثها يشبه معظــم الصحف الثورية: فـــلان حوكـــم وعذب وقتل دون ذنب جناه وفلان كان في المركز الفلاني وطرد منه لأنه حاول أن يحق الحق وفلان استولت السلطة على أملاكه بطريقة غـــير مشروعة وهكذا دواليك ولعل أخبار هذه الصحيفة فيهــا من الصحـــة الشيء الكثير ودليل ذلك أن جامعة كليفورنيا «فرع لوس أنجلـــوس» قامت بتجربة لمعرفة المضايقات التي قد يتعرض لها أعضاء منظمة الفهود السود أو الموالين لها من البيـض فتبرع مجموعة من البيض بوضـــع ورقة لاصقة على سيارتهم تحمل اسم منظمة «الفهود السود» ممـا جعلهم يتعرضون إلى مضايقات رجال المرور فقط لانتمائهم لهذه المنظمة أو لحمل سياراتهم لطابعها، كما علمت أن هذه المنظمة تقوم بأعمال خيرية كتقديم وجبات مجانيـــة للعمـال ومعونات مادية للمعوزين بالإضافة إلى أعمال البر هذه وتآخيهم فعندهم قوة عسكرية كبيرة فقد عرفــت أن لديهم مستودعات ذخيرة وعندهم متدربون.
ثم أنهيت زيارتي لمدينة ســـان فرانسـسکو لا توجه إلى مدينة بيركلي حيث توجد جامعة كاليفورنيا فـــرع بيركلي الشهير أولا بمستواه العلمي ثم بتظاهرات الطلبة ومطالباتهـــم بالمشاركة الفعالة في وضـع سياســة الجامعة والمناهج وثالثا بالفساد والانهيار الخلقي. وهنا شاهـدت أشــياء وأشياء ما كنت لأصدقها لو نقلت إلي عن طريق أي مصدر كان، ولكن العين حين ترى وتعيد النظر لا بد من التصديق.
ما أقبح التزويــر الذي تفرضه دور الصحافــة علــــى صورة الولايات المتحدة الأمريكية حين تنقله لأبناء العروبة والإسـلام، إنهم يصورون الجنة على أنهـــا أمريكا ويحيطونها بهالة من العظمة ليست لأي دولة وأين العظمة ولا تكاد تسير خطوات في شـوارع هذه المديــنة إلا ويتبعك عدد الشباب المتســـول طالبا الخمس والعشـر سنتـــات أو أكثر، ملابسهم مهلهلة، وأجسامهم نحيلة، ولا مأوى لهم غير الشارع، أو من يحن عليهم فيدخلهم إلى بيته لقضاء الليل القارص البرودة، هؤلاء الشباب يعيشون بلا عمل ولا أمــل ويلحقون بالغريب ربما يعطف عليهم، وبينما كنت أسيـر في شوارع تـلــك المدينة التقيت بأحد هؤلاء المتسولين وكان يدعي بأنه يحمل شهادة فــي علم النفس ونظرا لأنه ليـس لديــه استعداد للتخلي عن شعـره الطويل وثيابـه الرثة لم يجد عملا يكتسـب منه ولقد رأيت منظرا ربما لو رأيته في الهند لما استغربته ولكنه شـــارع التلغراف بمدينة بيركلي، تجد في هذا الشارع الملابس الملقاة على الأرصـفـة في انتظار من يلتقطها كما شاهـــدت بعض المحسنين يصبـــون الطعام للشباب المحتاج القابع على الرصيف ومع هذا الفقر المدقع الذي يعيشون فيه إلا أنهم يجدون المال لشـــراء المخدرات من حشـيـش وغيره وزيادة في النكاية والمرارة أن البعض منهم مبتلى بتدخين التبغ وعندما لا يجد القدرة على شرائه فإنه يستجــدي الآخرين سيجارة، وإتماما للصورة فهؤلاء الشباب في هذه المدينة العجوز يغوصون في الفوضـى البهيمية التي اسـتـشـرى أذاها في آبائهم ومع ذلك فقد وجدت إعلانات في بعض الصحـف والأماكن العامة والمدارس عن شباب يبحث عن فتيات أو العكس ويقال إن الذين يستعملون هذا الأسلوب هم مــن الأمريكان الذين لم يندمجوا في حركة الهيبيز ويحاولون بشتى الوســائل منافستهم في الاستغراق في الجنس، ومن المعلوم أن البنات من الهيبيز أرخص أصناف البنات لأنه لا مــأوى لهن ولا مال يتعيشون منه وفوق ذلك لا أخلاق لهن ولا رقيب عليهن هؤلاء الحاقدون على الهيبيز لاستمتاعهــم بالجنس المبتذل هم من متوســـطي الحال وإلا فإن أثرياء أمريكا يصدق عليهم قول الله عز وجل ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ (الإسراء :16) وهم فاسقون حقا ويصدرون أساليبهم إلى شتى أنحاء العالم كما يصدرون بضائعهم.
ليس غير المادية يمكن بها وصـف المجتمع الأمريكي حتى أن دوافعهم للتعاون والإخلاص تنبع منها فمثلا هناك جسر بين مدينــة ســـان فرانسـسـکو وبيركلي ولا بد لمن يعبر الجســر من دفع رسوم معينة تتدرج إلى الأعلى كلما قل عدد ركاب السيارة وتنخفض إذا كثر الركاب لذا نجد الاهتمام هنـــا يزداد بالهيبيز وإركابهم فقط لتخفيف الضرائب ولم يتحول اهتمامهم بالهيبيز إلا بعد أن حاولوا تغطية ذلك بوضع دمى بجوار السائق على شكل إنسان ليخدعوا الجندي الذي يقبض الرسـوم ولما رفضت السلطات هذا التلاعــــب لجأوا إلــى ما ذكرت، أضــف إلى ذلك أن كثيرا من يتظاهر بالكرم بإركاب الهيبيز خاصــة من البــنات فلأنهم وجدوا سهولة هؤلاء البنات وقد يكون شذوذا جنسيا لدى صاحب السيارة.
وصـف الأمريكـــان بالســـطحية والهمجية والعنف والغباء وكل ذلك ينطبق عليهم فأما الغباء فهاك مثالا من أمثلته: يوجد في سان فرانسـسـكو جسر من أكبر الجـسـور في العالــم التي بنيت فوق المـاء يسمى جسر البوابة الذهبية ولهذا يحضر كثــير من السياح لمشاهدته كما أن هناك نوعًا من الأشجار الحرجية الجميلـة التي تستحق النظر إليها وانطلاقًا من منهج الابتزاز تقوم إحدى شركات الحافلات بتنظيم رحـلات سياحية إلى هذا الجـسـر وغيره من معالم سـان فرانسـسـكو فيعبر السياح «الأمريكان بالطبع» الجسر من جهة إلى أخرى ثم ينطلقون على أحد شاطئي الجسـر لمدة عشر دقائق يلتقطون الصـور ثـم يلتفتون إلى ملء بطونهم ثم يركبون الحافلة من جديد ولكنهم لم يشاهدوا الجسر ولم يستمتعوا بالطبيعة كل ما فعلوا أن التقطوا صورًا فوتوغرافية فلذلك لن يحملوا في مخيلاتهم الضيقة أي شيء، والثاني أن الأمريكـي يقود سيارته عشرات الأميال قد تصـل إلى المائة بقصد النزهة فيمكث في المكان المقصـود بضع دقائق لا تصل إلى الساعة ثم يقفل راجعًا وتستغرق القيادة منه أكثر من النزهة نفسها.
بعد عشــرة أيــام من الضيــاع والمغامرة والوحدة قررت العودة إلى مقر دراستي في فينكـس فـعـدت إلــى الطريق لأشــير بإبهـــامي وأنصب ابتسامتي شركًا علي أقنع إنسانًا من المارين بإركابي وكنت قد تعودت على الوقوف سـاعـات وسـاعـات تاركًا لخيالي وفكري العنان لتقييم هـــذه التجربة محاولًا أن أضــع الأمور في نصابها ولكني والحق أقول لم أكــن أمتلك الخيال السليم والفكر المحدد لأن كل ما حولي يقود إلى الضـــلال وخيبة الآمال ويدفع بالإنسـان إلــى الهاوية ويدعه إليها دعـا غير أنها بذور الإيمان لم تزل في قلبي حية إلى ذلك الحين ترشدني إلى أن الضيـاع لا بد لـه من نهاية وأن الخروج من هذا البلد هو أقرب الحلول علمًا بأن الله إذا أراد الهداية للإنسان يسرها له أنى يكون ولكن علينا بأخذ الأسباب، فهمت من هذه التجربة أن السنين التي قضيتها في أمريكا كنت أثناءها في حاجة ماسة إلى العقيدة الصادقة وإلى التحلي بالأخلاق الحسنة وإلى معرفة أبناء أمتي وآمالهم وتطلعاتهم.. إن هذه السنين التي ضـاعـت كان من الأولى لو صرفتها فيما أســـلفت وفي العمل مع أبناء أمتي من أجــل تحرير الأرض المغتصبة والعقل الواقع تحت تأثيرات الزوابع الفكرية والتي تهب علينا من كل اتجاه.
إن سني الدراسة الجامعية مــن الثامنة عشـرة إلى الرابعـة والعشرين هي فترة الغـرس والرعاية وتكوين الإنسان لمبادئه وفيها يتعرض أيضًا لمختلف التيارات الفكرية ولكننا نبعث شبابنا إلى العدو ليعيدوهم خنجرًا مسمومًا في صدورنا بعد أن يميتوا أواصر المحبة بينهم وبين أهلهم، تلك الفترة التي يجب فيها إعداد الشاب المسلم على منهاج واضح ومتين كما ببينة الشيـخ سعيد حوى في كتابه «جند الله ثقافة وأخلاقًا» تلك السن التي عرفنا من رباهم الرسول صلى الله عليه وســـلم في تنافس على المكرمات بل ويقود بعض منهم معارك تاريخية هامة كأسامة بن زيد «معركة مؤتة» كما أن الأجيال المسلمة التي تلت ذلك الجيل أثبتت مـــدى قدرة الشاب في هذا الســـن على تحمل المسؤوليات الجســـام ومـا محمد بن القاسم الثقفي ببعيد عـن الفكر، في هذا السن يلقى بأبنائنا بين أنياب الأسد المفترس ناسين أو متناسين قول الشاعر:
إذا رأيت نيوب الليث بارزة
فلا تظنن أن الليث يبتسم
إنها نظرة الإعجاب التي نحملهـــا للغرب وجعلت من الآباء عندنا يعتقدون بأن العلم الصحيح والتدريس الجيد ما هـــو إلا في جامعات الغرب أضـف إلى ذلك المركز الاجتماعي المرموق الذي هيأه المستعمر لحاملي الشهادة الأوروبية والأمريكية «حديثًــا» واستمر هذا حتــى بعد رحيل الاستعمار حسب تخطيطه واصلت السفر من مدينة سان فرانسيسكو حتى وصلت إلى مدينـــة لوس أنجلوس حيث قصـصـت فيهـــا أخبـار رحلتي على الإخوة الذين استضافوني في بداية السفر وكان البعض منهم مندهشًا جدا مما سمع بينما كان البعض الآخر مشجعًا، ثم أعددت نفسي لرحلة العودة التي لم يكن فيها ما يلفت الانتباه سوى أنني وشابا آخر وقفنا على جانب الطريق معـًا فمرت بنا سيارة فيها أربعة رجال في منتصف العمر فأركبونا معهم ويا هول تلك اللحظــات لقد كان الأربعــة مخمورين تمامًا وكل منهم يدعي أنه
ليس مخمورًا، ولكن البينة قوية حيث كانت تتأرجح السيارة في منتصف الطريق مما اضطرنا في النهاية أن نطلب منهم أن يخلوا سبيلنا وواصلت الرحلـة حتى نقطة البداية وأنا لا أكاد أصدق أنني قمت بمغامرة كهــذه مليـــئة بالمشاهدات الطريفــة والدروس والعبر على غير علم بأنني ســـوف أغير منهاج حياتي يومًا ما وتكون هذه الرحلة جزءًا من العوامل التي أدت إلى عودتي إلى الطريق الصحيح
وصفحة من المشاهدات التي أقوم بنشرها على إخواني المسلمين راجيًا من الله أن يكون لهـــم فيها عبرة وفائدة والله الهادي إلــى ســواء الســــبيل.
الرابط المختصر :