العنوان مشاكلهم تتنوع بين الفقر والاعتداءات العنصرية محنة المهاجرين البوسنيين في بريطانيا
الكاتب هشام العوضي
تاريخ النشر الثلاثاء 19-سبتمبر-1995
مشاهدات 72
نشر في العدد 1167
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 19-سبتمبر-1995
عندما هاجر المئات من البوسنيين إلى أوروبا هربًا من التعذيب والإبادة وطلبًا للمناطق الآمنة، كانوا يعتقدون بأن دولة مثل بريطانيا ستكون بالنسبة لهم الدولة الفارغة من المشاكل، الآن يعرف معظم البوسنيين بأنهم كانوا على خطأ، فقبل ثلاث سنوات تقريباً هاجر ٦٨ بوسنيًا إلى قرية صغيرة بمدينة أسكس البريطانية ،على أمل أن يأمنوا على أنفسهم وأعراضهم، وأن الإقامة في بريطانيا ستنسيهم تجارب الماضي القاسية، ولكنهم أدركوا فيما بعد بأن الواقع ليس بهذه المثالية، فهناك ٢٥ عائلة بوسنية في مدينة أسكس يعتبرون أنفسهم ضحايا للممارسات البريطانية العنصرية في التطهير العرقي، حيث سجلت حالات من الضرب والاعتداء تعرض لها البوسنيون، وتناولتها الصحف البريطانية بالتفصيل.
فقد نشرت صحيفة الديلي ميل 5/9/1994 تقريرًا بعنوان «بوسنويو أسكس يقولون: نريد العودة إلى وطننا» سجلت فيه أن امرأة بوسنية في الثالثة والثمانين من عمرها قد تعرضت إلى الضرب بعلب من البيرة، وإن كاميل كولاسيك «56 سنة» قد تعرض هو الآخر إلى مضايقات من بعض المخربين، الذين حطموا نوافذ بيته أكثر من مرة وأصابوا قدميه بجروح، يقول كولاسيك: «أنا خائف جدًا، فلقد حاولت في البداية أن أكون صديقًا، ولكني رأيت بأن هذا مستحيل»، وأضاف: إنهم يأتون كل يوم بعد منتصف الليل ويقذفون بيتي بالحجارة، ويؤكد كولاسيك على أن العصابات التي تهاجمه من البالغين البيض «الذين يؤثرون بتصرفاتهم تلك على الأطفال الإنجليزي كي يقلدوهم» واعترف كولاسيك بأنه أخطأ عندما ظن بعدم وجود تفرقة عنصرية في بريطانيا، واتهم قائلًا: «لقد ضللنا البعض بهذا الاعتقاد».
بداية الهجرة إلى بريطانيا
في صيف ۱۹۹۲م وعلى إثر اندلاع الحرب في يوغسلافيا السابقة، بدأت أفواج من ضحايا البوسنة في الهجرة إلى جميع أنحاء العالم، ومنها المملكة المتحدة وأيرلندا، وقد وافقت الحكومة البريطانية بطلب من الأمم المتحدة على منح ۱۰۰۰ تأشيرة دخول لأهالي البوسنة، وتوفير الرعاية السكنية والصحية للمتضررين، كما قامت الحكومة البريطانية بتأسيس ما يسمى بـ المشروع البوسني «Bosnia Project» لاستقبال المهاجرين وتوفير الخدمات اللازمة لهم، ومن ذلك الخدمات الصحية والسكنية في كافة المناطق في بريطانيا، وقد استقبل المشروع ۲۰۰۰ بوسني، إضافة إلى ٨٥٠ ممن هم بحاجة إلى خدمات صحية كالأطفال والعجائز، وفي الوقت الحالي ينتظر أكثر من ٣٠٠ بوسني دورهم في الدخول، بعد أن سمحت لهم الحكومة بذلك، ولكن يبدو أن انتظارهم قد طال، خصوصًا في ظل الأوضاع الجارية، وليس من المؤكد أن تفي الحكومة بوعدها، هذا ما توحي به تصريحات المسئول عن المشروع مايك يونغ لـ «المجتمع» الذي يفيد بأن المشروع قد نجح في استقبال ٢٥٠٠ بوسني، وهو عدد قليل بالنسبة للعدد الأصلي الذي وعدت الحكومة بالسماح به.
ويضيف أن المشروع البوسني سيتوقف عن استقبال المهاجرين في شهر إبريل من العام المقبل «بسبب توقف الحكومة عن إمدادنا بالميزانيات المطلوبة». ويصل عدد الذين قدموا طلبًا للجوء السياسي للحكومة البريطانية حوالي ۱۰۸۰۰ «حتى سنة 1994» منذ بدء الحرب في ۱۹۹۱، وهم من البوسنة وصربيا وكرواتيا، ومن سنة ۱۹۹٢ إلى ۱۹۹٤ استقبلت الحكومة البريطانية حوالي ۹۰۰۰ طلب للحصول على حق اللجوء السياسي، غير أنهم لا يزالون على الحدود مما يعرضهم للخطر خاصة النساء والأطفال، وتشير التقارير إلى أن الحكومة قد وافقت على منح ٢٥ مهاجرًا فقط حق اللجوء من مجموع الـ ٩٠٠٠ طلب.
احتياجات الجالية البوسنية في بريطانيا
أهم المشاكل التي يواجهها البوسنويون في بريطانيا، هي مشكلة التأقلم مع المجتمع الجديد. مع المحافظة في نفس الوقت على هويتهم الإسلامية، وهذا أمر متعسر، خاصة وأن الذين يقومون بتوفير خدمات الاستشارة هم من غير المسلمين من أمثلة ذلك، قصة الأب البوسني الذي رفض تزويج ابنته لشاب لا تعرفه الأسرة، فما كان من الهيئة التي كانت تقوم برعاية شئون المهاجرين إلا أن اقترحت على الفتاة أن تخرج عن طوع أبيها لبلوغها السن القانونية للانفصال عنه والسكن مع الشاب البوسني المسلم، ولو خارج إطار العلاقة الزوجية، بحكم أن هذا هو السائد في عرف المجتمع البريطاني، وهناك مشاكل أخرى مثل اللغة: حيث لا يعرف الكثير من البوسنيين الإنجليزية، خاصة كبار السن من المهاجرين، كما أن أولئك الذين يعرفونها من الشباب لا يزالون يجدون صعوبة في معرفة المصطلحات الفنية فيما يتعلق ببنود الهجرة والسكن والعلاج وقوانين الإقامة... إلخ، في كل الأحوال يحتاج أفراد الجالية إلى المترجمين في بداية وصولهم. وهذا بحد ذاته يحتاج إلى ميزانية يتعذر على الحكومة البريطانية الالتزام بها.
حقوق الرعاية: فمعظم البوسنيين لا يعرف ما هي حقوقه المدنية فيما يتعلق بأمور الإقامة من مصاريف أو رواتب تدفعها له الدولة، كما يجدون صعوبة في ملء الاستمارات الحكومية، وتقديم الأوراق والوثائق الرسمية المطلوبة، ولا تقوم الحكومة البريطانية بالضرورة على تنبيه اللاجئين بحقوقهم، وهي كثيرة، وإنما تنتظر من اللاجئ نفسه البحث عنها والمطالبة بها بالطرق القانونية.
الوضع القانوني للهجرة: وذلك لأن معظم الذين سمحت لهم الحكومة البريطانية بالدخول إلى البلد، قد دخلوا بتأشيرة خاصة يطلق عليها «Temporay Refuge out Side the Norma Immigration Rules» وهي إقامة مؤقتة سارية المفعول لمدة ستة أشهر فقط، وبالتالي تحتاج إلى التجديد في حالة الموافقة الحكومية على التحديد، ولهذا القانون سلبياته لأنه غير واضح، ولا يضمن للاجئين الاستقرار لمدة طويلة، وهناك حملات تقوم بها بعض الجهات من أجل أن يحسن من أوضاع اللاجئين القانونية، بما في ذلك منحهم إقامة اللاجئ الاعتيادية، إضافة إلى ذلك فإن بعض البوسنيين يجد صعوبة في متابعة التطورات الجديدة في وضعيته كلاجئ أو متابعة أي تغييرات في قوانين الهجرة والإقامة.
السكن: حيث يحتاج البوسني إلى أن يعرف أيضًا القوانين المتعلقة بالحصول على سكن حكومي، وهذا يعتمد على وضعيته القانونية كلاجئ ومدى تفهمه لحقوقه المدنية.
تبقى هناك مشاكل أخرى اجتماعية كوضعية المرأة البوسنية المسلمة في المجتمع البريطاني، خاصة لمن تضطر منهن إلى العمل خارج بيتها، وتحقق الموازنة بين الحفاظ على الهوية الإسلامية والحجاب الشرعي مثلًا، وبين المحافظة على لقمة العيش، أما الأطفال فيعاني بعضهم من التفرقة العنصرية في المدارس أو في الشوارع، مما يؤثر على نفسيات بعضهم ويحكم السن الصغيرة وفقدان الرعاية الأبوية لأسباب الوفاة أو الانشغال بالعمل، فإن الكثير من هؤلاء الأطفال يتأثر بتقاليد المجتمع البريطاني، ثم يذوب فيه.
التعليم : وهناك أيضًا مشكلة التعليم، حيث تؤكد البوسنية صابرينا في تصريحاتها لـ «المجتمع»، بأن على الجالية البوسنية هنا في بريطانيا أن تستغل الفرص المتاحة للتعليم «حيث إننا سنحتاج إلى بناء بلدنا بعد انتهاء الحرب»، وأضافت صابرينا التي كانت تعمل في مشروع البوسنة لخدمة الجالية بأن أوضاع اللاجئين البوسنيين المتدنية هي التي تجعل الشاب يعرض عن الدراسة «ويكون هذا على حساب مستقبله»، وتقول أيضًا بأن الطلبة الصغار يواجهون مشاكل مدرسية ونفسية كثيرة، وذلك بسبب انفصالهم عن أهلهم، وقد يكون أحدهم قد فقد أبويه، «كما نواجه مشاكل في التوجيه والتعامل النفسي»، وذلك لنقص في الكوادر والخبرات البوسنية التي يمكن أن تتطوع مع مشروع البوسنة، وحتى لو وجدت الكوادر المطلوبة، فإنها ليست على استعداد للتطوع مع المؤسسة بدون رواتب «فالحياة هنا باهظة الثمن والجميع يبحث عن لقمة العيش».
وتعلق صابرينا على وضعية البوسنيين القانونية في بريطانيا، وأثرها في توفير الخدمات اللازمة لمعيشتهم، فتقول بأنه لا توجد سياسة بريطانية محددة تجاه لاجئ البوسنة، وإنما تتغير بتغير الموقف السياسي والعالمي «فلا يوجد قسم حكومي يتعلق بالنساء المهاجرات مثلًا، ولذلك تحول ملفاتهم إلى المؤسسات الحكومية الأخرى كالصليب الأحمر»، أما بالنسبة لوضعية البوسنيين القانونية فهي غامضة للغاية، لدرجة أن أحدًا لا يعرف معناها بالضبط، وبالنسبة للسكن فقد صدر قانون مؤخرًا يمنع طلب اللجوء من الحصول على سكن دائم، ولكن صابرينا تعتقد بأن «هؤلاء ليسوا طلبة لجوء بالمعنى القانوني للكلمة، وأنهم مهاجرون من بيوتهم بالقوة»، كما تعاني الجالية البوسنية أيضًا من غلاء الإيجارات المطلوبة في البيوت أو الشقق ولهذا فبعض البيوت التي منحتها الحكومة للبوسنيين بمبلغ رمزي لا يستطيع دفعها سوى الأثرياء.
يبقى هناك خيار المساكن الشعبية، ولكن صابرينا تفيد مرة أخرى بأن القائمين على إدارة هذه المساكن لا يعطونها للبوسنيين بسهولة، لعدم وضوح وضعهم السياسي والقانوني، ولا يعرف اللاجئون البوسنيون إلى متى سيبقون في بريطانيا خصوصًا وأن قوانين الهجرة تضيق وتتغير باستمرار، ولكن الذي يعرفه معظم البوسنيين هو أنهم يريدون العودة إلى بلادهم في أسرع وقت.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل