; مسيرة حياة مع المربي والمفكر د. عابد توفيق الهاشمي (1-2) | مجلة المجتمع

العنوان مسيرة حياة مع المربي والمفكر د. عابد توفيق الهاشمي (1-2)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الجمعة 30-نوفمبر-2012

مشاهدات 1

نشر في العدد 2028

نشر في الصفحة 40

الجمعة 30-نوفمبر-2012

مسيرة حياة

مع المربي والمفكر د. عابد توفيق الهاشمي (1-2)

هذه جولة فكرية وحوار علمي ومراجعة تراثية مع علم من أعلام العراق، عاش نصف قرن من حياته العلمية في الجامعات والمؤسسات التعليمية وأسهر ليله في التفكير والتأليف، فكانت حصيلة ذلك ثروة كبيرة في الكتب والمؤلفات التي جاوزت المائة، وبعضها موسوعات جاوزت الألف صفحة، فضلًا عن مئات الطلبة الذين تلقوا عنه وتخرجوا على يديه في المرحلة الجامعية والماجستير والدكتوراه.. كان لنا هذا الحوار مع المربي والمفكر العراقي د. عابد توفيق الهاشمي.

كان صوت والدي في تجويد القرآن الكريم بالقراءة العراقية لا يضاهيه أحد

تتلمذت على يد الشيخ محمد محمود الصواف وحضرت خمس ختمات لتفسير القرآن على يد الشيخ عبدالله النعمة

·       تتلمذت على عدد من الأعلام والمفكرين بالعراق فمن منهم حاز على إعجابك وكان له الأثر الكبير في حياتك؟

ممن تتلمذت عليهم والدي السيد توفيق زين العابدين (يرحمه الله) الذي نشأني تنشئة إسلامية، فكنت وأنا في سن ٥ - ١٥ سنة الأولى من حياتي، أرافقه في الصلاة بالمسجد والصيام في الصيف وختمت القرآن الكريم على يديه وعمري ٦ سنوات، وأدخلني المدرسة في هذه السن في الصف الثاني مباشرة بعد إمتحان القبول باللغة العربية.

وكان والدي في الثلاثينيات من القرن الماضي إمام جامع «الرضواني» في الموصل وكان له كتاب «ملا»، ثم صار إمامًا في الجيش العراقي في الأربعينيات، ثم رئيس أئمة الجيش في الخمسينيات، وكان حافظًا للقرآن الكريم، ومجازًا بالقراءات العشر وحاز على أعلى درجة إمتحان القضاة، وكان صوته في تجويد القرآن الكريم بالقراءة العراقية لا يضاهيه أحد، يرحمه الله تعالى، وأجزل له العطاء.

والشيخ محمد محمود الصواف الذي تتلمذت على يديه في محاضراته في المساجد، ومصاحبتي له في الموصل في الأربعينيات، بدءًا في العاشرة من عمري في الإبتدائية والثانوية، ثم في الجامعة ببغداد في جمعية الأخوة الإسلامية وإستمرت صلتي الوثيقة به حتى أوائل الستينيات حيث غادر إلى السعودية، ولم ألقه بعد عام ١٩٦٠م خلال ثلاثين سنة إلا عدة مرات في الحج والعمرة يرحمه الله تعالى.

والشيخ عبدالله النعمة علامة العراق وقد حضرت له في دروس التفسير ٥ ختمات للقرآن وتفسيره خلال سني الأربعينيات، وكان شيخًا مهيبًا متواضعًا، يحضر المسلمون في ليالي التفسير ليالي الجمع، ويزوره القسس والرهبان وكبار رجال الموصل في الأعياد والمناسبات، وقد ترك تفسيره وخلقه في الأثر البليغ.


 

مع الغزالي والندوي

·       من من أعلام العرب والمسلمين ممن تعرفت عليهم ينال عندك مرتبة الفضل والتقدير؟

من تعرفت إليه من أصحاب الفضل من العرب والمسلمين: الشيخ محمد الغزالي يرحمه الله تعالى، حين تدريسي في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، في ندوة الدعوة العالمية عام ١٩٧٦م، ورافقته في السيارة من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة وتبادلنا أحاديث مشتركة، وكان حديثه حديث داعية متمكنا مؤثرًا، مربيًا وعالمًا، وسياسيًا ضليعًا، ومحبوبًا يرحمه الله تعالى.

كما تعرفت إلى فضيلة الشيخ محمد بشير الإبراهيمي، رئيس علماء الجزائر في أوائل الخمسينيات في جامع «النور» صاحب منارة الحدباء الشهيرة، وخطب ثلاث خطب متتالية، إبتدأها بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ (التوبة: ۳۸)، إستمرت ثلاث ساعات (من ٤ عصرًا إلى أذان المغرب) في الصيف، وإمتلأ المسجد بأكثر من ألف شخص، وفي اليوم الثاني غص المسجد وساحته بأكثر من ألفي مصل، فأكمل الآية وشرح الآية التالية، وفي اليوم الثالث شرح الآية التي بعدها في ثلاث ساعات، فإمتلأ المسجد وساحته والشوارع المحيطة به، وفي اليوم الرابع إجتمعت الآلاف، وقد أبعد الشيخ إلى خارج القطر.

ومن العلماء المسلمين غير العرب تعرفت إلى العلامة أبي الحسن الندوي الذي أتى إلى مائدتي وجلس إلى جواري في مؤتمر الدعوة والدعاة العالمي في الجامعة الإسلامية، فقلت في نفسي: هذا حظي من المؤتمر! وحين تبين لي أنه «هو» أرتفع في نفسي وحسدتها في تعرفي إليه وكان شخصية مرضية يحترمه الحاضرون خاصة الباكستانيين غاية الإحترام، وألقى كلمة بالعربية ما زلت أذكرها، ولسانه وقلمه عربي صميم، وله كتاب نفيس هو «ماذا خسر العالم بإنحطاط المسلمين؟».

وتعرفت في لوس أنجلوس في كاليفورنيا خلال دراستي هناك بنائب رئيس منظمة الزنوج المسلمين «مالكوم أكس»، وكان شديد الغيرة على الإسلام وخطيبًا مصقعًا صوته كالبحر الهادر كان يخطب في ٩٠ ألف زنجي رجالًا ونساء محجبات بلباس أبيض من غير زينة ولا أصباغ، لكن فهمه للإسلام كان خاطئًا، وقد جادلته نصف ساعة لإدخال مسلم أمريكي أبيض إلى المؤتمر فأبى بشدة قائلا: «الأبيض وشعره أصفر، وعيونه زرقاء هو الشيطان وسيدخل جهنم»! لكنه حينما ذهب للحج في أواسط الستينيات وجد من المسلمين الكثير منهم الأبيض وعيونهم زرق والتقى العلماء السعوديين وغيرهم فغير رأيه وحسنت عقيدته، ثم رجع إلى أمريكا وقتل بدسيسة من رئيس المنظمة «أليجا محمد علي»، وكان يهوديًا متقمصًا الإسلام لهدمه في أمريكا، ثم تغيرت أمور الزنوج هناك.


 

·       قرأت ودرست كتبًا كثيرة قديمة وحديثة، ما أكثرها أهمية وأكبرها قيمة؟

أهم الكتب القديمة التي تأثرت بها كتب الحديث النبوي الصحاح الست وغيرها والتي إستقيت منها المعلومات الكثيرة في تأليفي لكتبي، لا سيما «موسوعة منظم الحياة من هدي المصطفى صلى الله عليه وسلم»، وتفسير «في ظلال القرآن» للشهيد سيد قطب، وكتاب ماذا خسر العالم بإنحطاط المسلمين؟ للعلامة أبي الحسن الندوي، وكتاب «العدالة الإجتماعية في الإسلام»، لسيد قطب، و «موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن الكريم»، ليوسف الحاج أحمد.

آيات وأحاديث وأشعار

·       ما الآية القرآنية التي تستحضرها دائمًا وتجعلها شعارًا لحياتك؟

الآيات التي أستحضرها دائمًا، وهي سعادتي في الحياة قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (32)﴾ (فصلت: 32-30).


 

·       والحديث النبوي الشريف الذي تجد له موقعًا خاصًا في نفسك وتستشهد به دائما؟

قوله: إن الله يحب أحدكم إذا عمل عملًا أن يتقنه أن يحسنه أن يحكمه أن يكمله... أربعة أحاديث صحيحة عمل بها الغرب وأهملها المسلمون وبها فوز الدنيا وثواب الآخرة.

·       والحكمة التي تؤمن بها وترشد إليها الآخرين؟

الإنفتاح على الدنيا بقبول الحكمة من أي إنسان قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (18)﴾ (الزمر: 18)، والإنفتاح على الدنيا بالعمل، وفي المثل «إن النفوس لتتعب من الراحة فأريحوها بالعمل» وكانت شعارًا لعملي مع طلابي مكتوبًا على الجدران بحجم كبير لسنين.

·       وما بيت القصيد الذي تتمثل به وتتذوقه من الشعر القديم؟

من الشعر الجاهلي قول لبيد بن ربيعة:

الا كل شيء ما خلا الله.... باطل وكل نعيم لا محالة زائل

وقول زهير بن أبي سلمى:

ومهما تكن عند امرئ من خليقة.... وإن خالها تخفى عن الناس تعلم

يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر.... ليوم الحساب أو يعجل فينقم

ومن الشعر الإسلامي قول قطري بن الفجاءة:

وما للمرء خير في حياة.... إذا ما عد من سقط المتاع

ومن الشعر الحديث، قول القرضاوي:

هذا الكتاب غدا في الشرق وا أسفا... شمسًا تضيء ولكن بين عميان

وقول محمد إقبال:

تراث محمد قد أهملوه... فعاشوا في الخلائق مهملينا

كتبي التي أعتد بها

تعرفت في أمريكا على زعيم الزنوج «مالكوم أكس» وكان شديد الغيرة على الإسلام لكن فهمه كان خاطئًا

·       والكتاب الذي ألفته وتعتد به؟

كتابان ألفتهما، مفضلًا لهما على غيرهما: «الخلافة العثمانية دولة القدر، صدر عام ۲۰۱۱م من ۸۰۰ صفحة فيه عظمة الإسلام في دولته وأمنه وجيشه وطرائق تدريس التربية الإسلامية، وقد طبع منه ٢٠ طبعة خلال ٤٠ سنة إبتداء بعام ۱۹۷۰م ويدرس في ١٢ دولة عربية وإسلامية في جامعاتها كتابًا منهجيًا، عدد صفحاته ٦٤٠ صفحة.

و«طرائق تدريس اللغة العربية» الذي بلغت عدد صفحاته ٥٥٠ صفحة.

·       عشت الحياة خيرها وشرها وحلوها ومرها، فما أهنأ ساعة في العمر؟ وما أقساها وأشقاها؟

أهنا ساعة في حياتي، ساعة أناجي ربي، مع دموعي، وأنا مطمئن إلى مغفرة ربي ورضاه وحبه «يحبهم ويحبونه«.

أما أشقى ساعة فهي الساعة التي تضيع من عمري من غير زيادة من علم أو

إحسان أو تقوى:

إذا مر بي يوم ولم أتخذ يدًا..

ولم أستفد علمًا فما ذاك من عمري وأعد ذلك خيانة للأمانة التي أستودعها الله بي، وهي الوقت، فهو الحياة إذ هو ملك ربي؛ ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163)﴾ (لأنعام: 162-163)، والوقت شاهد علينا يوم الحساب: لَيْسَ مِنْ يَوْمٍ يَأْتِي عَلَى العبد إلا يُنَادِي فِيهِ: يَا ابْنَ آدم أنا خَلق جديد، وأنا فيمَا تَعْمَل علَيْكَ شَهِيدٌ، فَاعْمَل في خيرًا أشْهَد لَكَ فِيهِ لك فيه غدًا، فإني فَإِنِّي لَوْ قَدْ مَضَيْتُ لَمْ تَرَنِي أَبَدًا، ويَقُولُ اللَّيْلُ مثل ذلك (قال القرطبي: غريب من حديث معاوية تفرد عنه زيد العمى ولا أعلمه مرفوعًا عن النبي إلا بهذا الإسناد). 

·       ما العمل الذي تؤثره التعليم أو التأليف أو الدعوة إلى الله تعالى؟ ولماذا؟

العمل الذي أوثـره هـو مـا فضله الله عز وجل: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33)﴾ (فصلت: 33)، أفضل الدعوة من خلال العلم والتأليف والتعليم والعمل «القدوة» الخالص لوجهه الكريم، مع الجهر بالإسلام في كل زمان ومكان، لأننا خلقنا لنعز دين الله سلوكًا ولسانًا وقلمًا، وفاء لخالقنا والمنعم علينا بجميع النعم، ومن لا وفاء له لا دين له، والوفاء الأكرم هو لله خالق الكون «ومن لا يشكر الله لا يشكر الناس» (حديث صحيح).

·       ما الشيء الذي تتمنى أن تفعله في حياتك، ولم تتمكن من ذلك؟

الذي أتمناه ولم يمكني الله منه هو أن أسعد وأعين كل ضعيف محتاج، وأهدي الضالين وأرحم كل أرملة ويتيم، ولكن «العين بصيرة واليد قصيرة»، وصحتي لا تسعفني والمال لا يكفيني، كما أتمنى أن أكون حاكمًا للدولة أحكم بحكم الله وأعيش بأقل راتب وأبدأ بمكافحة الفقر وإغناء الشعب وتقديمه على كل مشروع، ولعل النوايا إن صدقت مع الله تعوضني، وتحقق أمنيتي عنده إن حرمنا تحقيقها في الدنيا.

الرابط المختصر :