; مسيرة المليون أسود تهز المجتمع الأمريكي | مجلة المجتمع

العنوان مسيرة المليون أسود تهز المجتمع الأمريكي

الكاتب د. أحمد يوسف

تاريخ النشر الثلاثاء 31-أكتوبر-1995

مشاهدات 146

نشر في العدد 1173

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 31-أكتوبر-1995

مبادرة حركة «أمة الإسلام» تذهل الشارع السياسي في واشنطن. 

اليهود الأمريكيون يعيشون في قلق بالغ من جراء تنامي شعبية فرخان بين السود.

لبى مئات الآلاف من الأمريكيين السود دعوة رئيس حركة أمة الإسلام، لويس فرخان في القيام بمسيرة المليون رجل.. وقد تدفق الآلاف من الأمريكيين السود على واشنطن في أكبر حشد بشري تشهده الولايات المتحدة منذ نشأتها.. وقد عمدت المسيرة إلى إظهار وحدة السود وقوتهم وقدراتهم التنظيمية.. وكانت المسيرة بمثابة رسالة موجهة إلى المجتمع الأمريكي مؤكدين على الرغبة في المحافظة على كل مكتسباتهم عبر سنوات كفاحهم الطويل ضد التمييز العنصري بأمريكا، وخاصة في الخمسينيات والستينيات.

 وألقيت في المسيرة كلمات عديدة تجاوزت الستين، كان أبرزها كلمة المرشح السابق للرئاسة الأمريكية جيسي جاكسون، وكويسي موفن - الرئيس السابق لتجمع الممثلين السود بالكونجرس، إضافة إلى شخصيات فكرية وسياسية، ودينية، وأدبية أخرى..

وجاءت المسيرة لتثبت قوة السود خصوصًا على الصعيد الانتخابي، بعدما صدرت إشارات من زعماء المسيرة تطالب بتسجيل 8 ملايين أسود للإدلاء بأصواتهم في الانتخابات الرئاسية القادمة عام ١٩٩٦م.

إن المسيرة كانت تأكيدًا على نجاح لويس فرخان، وقدرته على تزعم المطالب الخاصة بالحقوق المدنية للسود بأمريكا.. لقد كانت المسيرة غاية في التنظيم وخلت من أي أحداث عنف أو نهب وكانت يومًا للسلم والسلام، حيث غمرت مشاعر الجميع بالأخوة والمحبة والوئام.

لقد نشرت صحيفة «الواشنطن بوست» في اليوم الثاني للمسيرة مقالًا افتتاحيًا أشادت فيه بالجهود التنظيمية والشعارات التي اجتذبت هذه الحشود إلى واشنطن من جميع أنحاء البلاد استجابة لدعوة زعيم حركة أمة الإسلام، لويس فرخان.

 لقد كانت واشنطن في ذلك اليوم هادئة على غير عادتها، ولم يكن فيها شريان ينبض بالحياة غير ذلك الشريط البشري الممتد من ساحة المنارة إلى درجات «الكابيتل هيل»، في مسابقة طولها حوالي ٢ كيلو متر وعرضها يتوزع بين الكيلو والكيلو ونصف الكيلو متر.

 لقد كان ذلك اليوم يومًا مشهودًا جلست له مئات الملايين في مختلف انحاء العالم تشاهده بحرارة وانفعال.

 لقد غيرت هذه المسيرة المليونية بتنظيمها وانضباطية المشاركين فيها ولمسات المحبة التي سادت نداءات ودعوات الخطباء -على مختلف انتماءاتهم الدينية والسياسية - من صورة العنف والجريمة واللامبالاة التي انطبعت في الأذهان عن مجتمع الرجل الأسود، وكانت فرصة للبرهنة على مسؤوليته والتزامه وحركيته، إذا ما وجد له قيادة توجهه، وتهديه، لقد كان لويس فرخان وجنوده من الشباب المعروفين باسم «ثمار الإسلام FOI» في ذلك اليوم هم بحق القيادة التي تنتظرها الجماهير من الفقراء والأغنياء والمستضعفين.

لماذا كانت المسيرة؟

تحدث لويس فرخان في شهر أغسطس الماضي الصحيفة «النداء الأخير» التي تصدرها حركته، شارحًا أسباب الدعوة إلى هذه المسيرة قائلًا: «إن هناك موجة جديدة من الكراهية بدأت تظهر في أمريكا لتحطيم أمال السود والملونين في حياة تتحقق فيها العدالة والمساواة..».

 وأضاف فرخان بأن البرنامج المقترح من الحزب الجمهوري المحافظ، والذي أطلق عليه اسم «عهد مع أمريكا» يدير ظهره للسود ويعمل على حرمانهم من المكاسب التي تم إنجازها خلال نضالاتهم السابقة.. وأكد فرخان: «أن تلك الحملة من الكراهية البغيضة ضد السود تأخذ هذه المرة طابعًا مؤسساتيًا، وذلك بسن التشريعات التي تعمل على تقليص أعداد الجالية السوداء، وإضعاف إمكانياتها في النهوض والتطور»، وأشار إلى أن تلك الدعوة للمسيرة المليونية في واشنطن هي فقط لنظهر للعالم بأن لنا مستقبلًا نتطلع إليه بكل أمل على أعتاب الألفية القادمة، ذلك الأمل بتعزيز روابطنا الأسرية، وتوحيد عائلاتنا، والسعي لإنقاذ أطفالنا وحمايتهم من الجريمة، والعمل على بناء وتعمير ما هو لنا من حواري وأحياء.

فهذه المسيرة تأتي استكمالًا لجهود سابقة. ولكن بتحالف أكبر وإصرار أعظم على أن يأخذ الرجل الأسود مكانته وحقه أسوة بالرجل الأبيض، وستكون صناديق الاقتراع خلال الحملة الانتخابية القادمة أول توظيف يعتمده السود لدعم من يحفظ لهم حقوقهم، ويبشرهم بعدالة أفضل وحياة أكرم.

 لا شك أن الظروف السياسية والتنظيمية للسود الآن أفضل مما كانت عليه في حقبة الستينيات، وثورة مارتن لوثر كينج السلمية في أوساط الملونين، ودعوته لهم إلى المطالبة بإقرار حقوقهم المدنية المتكافئة، والضغط على الهيئات والمؤسسات الدستورية لاستصدار قانون يلغي التفرقة العنصرية ومظاهرها من داخل المجتمع الأمريكي، وينهي بذلك وصمة العبودية التي التصقت ذكرياتها الأليمة بملايين السود الأمريكيين لحقب طويلة، فاليوم هناك العديد من السود داخل الأجهزة التشريعية والقضائية إضافة إلى مئات الهيئات والروابط السياسية والاجتماعية والاقتصادية، كما أن هناك الكثير من الرموز القيادية التي يتسابق على كسب تأييدها مرشحو الحزبين الجمهوري والديمقراطي سواء في الانتخابات البرلمانية للكونجرس أو الرئاسية.

وستكون صفقة ثمانية ملايين صوت في الانتخابات الرئاسية القادمة رهانًا يتكالب عليه جميع المرشحين، وستسمع لغة جديدة لا تكفي فيها العواطف، بل المواثيق والعهود بظروف وتشريعات أفضل للسود.

لويس فرخان.. وحركة أمة الإسلام:

إن فكرة العودة إلى ديانة الأجداد من الأمريكيين السود تعود تقريبا إلى السنوات الأولى من هذا القرن، حيث رفض الكثير من الزنوج الديانة المسيحية باعتبارها ديانة تستمرئ حالة العبودية لهم، وبدعوا يتطلعون إلى تراثهم العرقي بكل الفخر والاعتزاز.

 وبالرغم من أن الأيام الأولى لحركة «أمة الإسلام» يكتنفها الغموض، فإن الرواية الرسمية تقول بأن الشريف «والاس فراد» قد أسسها في مدينة «ديترويت» عام ١٩٣٠م، بعد وصوله قادمًا من مكة، ولكنه اختفى بعد عدة سنوات، وحل محله أليجا بولي، الذي أعاد تسمية نفسه «أليجا محمد» وظل أليجا محمد متربعًا على مملكة السود وإمبراطوريتهم الدينية حتى عام ١٩٧٥م، وكان من بين أتباعه بطل العالم السابق للملاكمة محمد علي كلاي. ولقد شهدت الحركة عام ١٩٦٤م. خروج مالكولم إكس «الحاج مالك الشباز» الذي كان يعتبر من أشهر رجالاتها بما كان يتمتع به من قدرة خارقة للعادة في الخطابة، وله يعود الفضل في انتشار الحركة وتعاظم شعبيتها بين تجمعات السود في المدن والأحياء الأمريكية.

وكان مالكولم إكس قد تعرف على الحركة وهو داخل السجن، وعند خروجه انضم إليها وأسهم في توسعها من ٤٠٠ عضو إلى نحو عشرة آلاف عضو مسجل عام ١٩٦٠م، وضمت أربعين مسجدًا، وأكثر من ثلاثين محطة إذاعية وكان لها نظام مدرسي خاص، ومجموعة منسقة من الحوانيت والخدمات والحرس الخاص، أو «ثمار الإسلام – FOI».

لقد كانت علاقة مالكولم إكس باليجا محمد في البداية شبيهة بعلاقة التلميذ وأستاذه، ولكن سلسلة من الخلافات على المبادئ والمواقف والتصرفات بينهما أدت إلى القطيعة، وحين جاء انفصال مالكولم المذهل عن «أمة الإسلام» أواخر عام ١٩٦٣م. كان السبب المبدئي المعلن آنذاك أن أليجا محمد أصابه الأسى جراء تصريحات مالكولم عن مصرع الرئيس كيندي في حينه، حين أعرب مالكولم أنه مسرور لذلك.

وكانت النتيجة أن أليجا محمد منعه من الخطابة وحاول تأديبه، لكن الهوة اتسعت وتصاعد التوتر بينهما، غير أن القضية التي فجرت القطيعة الكاملة ما سمعه مالكولم أوائل عام ١٩٦٣ من أن أليجا محمد أقام علاقات مع بعض سكرتيراته الشابات، وأنهن أنجبن منه أبناء اعتبرهم مالكولم غير شرعيين، وقد وردت تأكيدات لمالكولم حول هذه العلاقة من أحد أبناء أليجا محمد وهو «وارث الدين» مما أصابه بالذهول، وقال اكتشفت إن أليجا محمد نفسه خان المسلمين، وشعرت كما لو أن شيئًا في الطبيعة ذاتها تزعزع كالشمس أو النجوم، وقرر نشر القصة والتحدث عنها علنا، الأمر الذي جعله يدفع حياته ثمناً لذلك في ٢١ فبراير ١٩٩٥م.

وكان قد سبق لمالكولم أن قام بأداء فريضة الحج «تقريبًا في إبريل ١٩٦٤م»، وأعلن عند رجوعه أنه قد أصبح مسلمًا سنيًا، وقام بتأسيس مؤسسة المسجد الإسلامي.

 وعندما توفي أليجا محمد في منتصف السبعينيات خلفه ولده «وارث الدين» والذي عمل على الخروج بالحركة من دائرة المعاداة للرجل الأبيض، وتخليصها من خطابها العنصري، والاتجاه بها إلى تعاليم وإيمانيات الإسلام السني، وكان لويس فرخان قد التحق بوارث الدين في البداية، إلا أنه بعد سنوات قليلة اختلف معه، وشرع في مقاومة هذا التوجه، ثم عمل على العودة بالحركة إلى قواعد وتعاليم أليجا محمد وكان فرخان أو فرقان كما يحلو للبعض أن يسميه قد التحق بالحركة عام ١٩٥٥م، بعد سماعه لإحدى خطب أليجا محمد، ليطلق بعدها حياته كعازف للكمان في أحد الأندية الليلية بمدينة نيويورك، وينطلق خلف أليجا محمد نحو مستقبل مجهول كما يقول عن نفسه «مجلة التايم ۲۸ فبراير ١٩٩٤م».

ويشكل مبدأین أساسيين من مبادئ عقيدة «أمة الإسلام» جماع نقطة الخلاف بينهم وبين المسلمين السنيين: 

الأول: إصرارهم على فصل الرجل الأسود نفسه عن الجنس الأبيض المقيت. 

والثاني: اعتقادهم أن في اللوح المحفوظ أن ترث الأمة السوداء هذه الأرض.

ولازالت حركة «أمة الإسلام» ترفض أي اعتدال أو مصالحة في مبادئها العرقية، ويفتي بعض الفقهاء بأن «أمة الإسلام» هي طائفة مسلمة شرعية في تعاليمها بعض الانحراف ويقول إريك لنكولن في كتابه «المسلمون الزنوج في أمريكا» إن حركة «أمة الإسلام» تقوم على فكرة فريدة ذات احتجاج اجتماعي ديناميكي، تمتطي عربة دينية في مسيرها، هذا بينما يقوم المعنى الرئيسي للحركة على العمل الاجتماعي، فالحركة عملية من حيث عضويتها الشاملة لكل المجتمع الأسود، وعملية من حيث إلحاحها بصدد وجود مثل عليا من الأخلاق الشخصية والجماعية في المجتمع ككل، إنها تشجع النظافة والكرامة والشرف، والخلق الجنسي الرفيع، والعناية الإلهية، وتزهد في المشروبات على اختلاف أنواعها، كما تعيد تأسيس مركز السلطة البيئية التي أيقظنها الحركة في أنصارها وحلفائها هي الأخرى عملية شمولية في المجتمع، فكثير من المسلمين الحاليين كانوا مسيحيين لم يجدوا حاجاتهم تلتقي مع تفسيرات الكنيسة..

 إن القوة الدافعة التي تنطلق بها حركة «أمة الإسلام» هي مخزون الظلم ومشاعر الكراهية التي احتقنت خلال أربعة قرون أو يزيد من تعاملات الرجل الأبيض «السيد» البغيضة، والتي حرمتهم من أن يكونوا متساويين في الإمكانيات والفرص، ولعل السبب في عودة لويس فرخان إلى تعاليم أليجا محمد وابتعاده عن «وارث الدين» هو أن الدينامية والحماس التي قامت عليها الحركة قد بدأت تفقد فعاليتها، وأن وارث الدين في نقلته نحو التوسط والاعتدال لم يستطع أن يولد دينامية بديلة، الأمر الذي أدى إلى تراجع شعبية الحركة وتحفيز فرخان إلى العودة من جديد إلى تعاليم أليجا محمد، وقد أصبح فرخان حقيقة ليس فقط المُنظر التعاليم أليجا محمد، ولكن عمادة قلعته الدينية. 

لقد بدأ فرخان ينشط أكثر عندما شرع القس جيسي جاكسون في الظهور سياسيا وتقديم نفسه كمرشح للرئاسة، حيث قدم له فرخان الحماية والتأييد وخاصة عندما كانت بعض العناصر اليهودية تتحرش به وتحاول استهداف حياته، وكان للحرس الخاص من شباب الحركة والمعروف باسم «ثمرة الإسلام- FOI» دورًا في ردع من تسول له نفسه مسه بأي أذى، لما عرف عن الحركة من شدة في الثأر والانتقام.

 إن حركة «أمة الإسلام» هي - الآن - أقوى تنظيم حركي وسط الأقلية السوداء، والتي يبلغ تعدادها حوالي ۳۲ مليون نسمة تشكل 11٪ من مجموع سكان الولايات المتحدة الأمريكية، وتدير هذه الحركة الكثير من المدارس والكليات وتشرف على العديد من مراكز التأهيل الاجتماعي المنتشرة في أحياء السود، ولها حضور مؤسساتي في أكثر من ۱۲۰ مدينة، وقد نجح شبابها في نشر التوعية والفضيلة في المناطق التي يصلون إليها، ولذلك يحظى رجالاتها بالتقدير والاحترام بين الغالبية العظمي من السود، إن الحكومة الأمريكية شرعت- أخيرًا - بتقديم المساعدات المالية لدعم برامج حركة «أمة الإسلام» في محاربة الإيدز، وكذلك في اعتماد خدماتها لتوفير الحماية الأمنية المشاريع الإسكان الحكومي، الأمر الذي يمكن تفسيره بأنه اعتراف رسمي بهذه الحركة وتثمين لمجهوداتها.

اليهود ولويس فرخان.. تناقض أم لقاء:

تعتقد الجماعات اليهودية بالولايات المتحدة أن لويس فرخان دائم التحريض ضدهم واتهامهم بأنهم «مصاصو دماء» وأنه في أوقات الشدة والأزمات العصبية التي تعيشها الأحياء الفقيرة، تقتنص حركة «أمة الإسلام» الفرصة لتبدو في هذا المناخ كأنها المخلص والمنقذ، ويأخذ زعيمها فرخان على عاتقه إثارة العداء للسامية، وتحميل الرجل الأبيض «اليهودي» مغبة ما لحق بهم على مدى القرون الأربعة الماضية.

وقد وضعت رابطة الدفاع اليهودية (ADL) تقريرا في عام ۱۹۹۳م، يتضمن إستراتيجيتها المواجهة حركة «أمة الإسلام» وسحب الشرعية عن زعيمها لويس فرخان، والذي تتزايد شعبيته بصورة تشكل خطورة على النظرة العامة في المجتمع الأمريكي لليهود، وقد أشار لويس فرخان إلى هذا التقرير في إحدى مؤتمراته الصحفية بواشنطن العام الماضي، وقال: «إن رابطة الدفاع اليهودية  (ADL) تعمل ومنذ زمن طويل لتحطيم حركة «أمة الإسلام» وتسعى للتخلص منه شخصيًا، كما أنها لم تدخر وسعًا للإيقاع بينه وبين العديد من الشخصيات السياسية، وتوسيع شقة الخلاف بين قيادات السود».

لا شك أن الجالية اليهودية ذات النفوذ المالي والإعلامي والسياسي ترى أن ظاهرة فرخان تهدد مصالحها، وإنه طالما استعصى عليها تطويع هذه الحركة، فإن خطابها المعادي للسامية سيتعاظم الأمر الذي سيدفع إلى تحريك وتأليب موجات من العنصرية الهالكة والمعادية لمصالحها.

وترى أن عدم القدرة على إيجاد صيغة تحالف مشترك مع السود كما حدث في الستينيات، إبان حركة الاحتجاج المدني ضد التفرقة والتمييز العنصري، معناه قلب الطاولة عليهم والعودة بهم مرة ثانية إلى دائرة التحدي والصراع المكشوف ليس مع الرجل الأبيض الذي تم تطويعه والركوب على ظهره، ولكن مع القوة المتنامية والقاهرة للسود.

 ولا تخفي القيادات اليهودية من امتعاضها ومخاوفها من ارتفاع أسهم فرخان داخل الجالية السوداء، وترى أن ذلك مؤشر خطر على مستقبل العلاقة بينهما. يقول إبرهام فوكسمان - المدير التنفيذي لعصبة مناهضة تشويه السمعة الصهيونية-: «إن فرخان قد اكتسب الشرعية وخطف الأضواء.. وإنني لا أعتقد أن على اليهود أن يصمتوا ويبقوا هادئين عندما يتحرك شخص مناهض للسامية إلى مقدمة التيار الشعبي «صحيفة واشنطن - جويش ويكللي، ١٧ أكتوبر ١٩٩٥م».

وأعربت شخصيات يهودية عن وجود حالة قلق تنتاب يهود الولايات المتحدة من جراء تلك الشعبية الطاغية لفرخان وحركته، وقد اعترفت «ليس لين» رئيسة المجلس الاستشاري للعلاقات بين أفراد الطائفة اليهودية بذلك، وقالت «إننا نراقب عن كثب هذه الظاهرة، وعندنا ثلاث مؤتمرات في مختلف أنحاء أمريكا ستبحث في هذه القضية وتضع تصورات حلول لها».

 وبالطبع يحاول يهود أمريكا تجاهل أسباب العداوة والتنكر للجشع والاستغلال الذي مارسوه في استغلال الجالية السوداء ليصبحوا أصحاب السيادة والمال بينما الآخرون يعيشون في قاع السلم الاجتماعي تفتك بهم المخدرات والجوع، والجريمة.

لويس فرخان.. الرجل والمرحلة:

يمثل لويس فرخان - بدون منازع - رمزًا للزعامة الدينية والشعبية لحركة «أمة الإسلام» كما أنه يحظى بتأييد أكثر من ٥٠٪ من الأمريكيين الأفارقة، والذين يعتقدون - حسب ما جاء في استفتاء أوردته صحيفة كريستيان ساينس مونتور بتاريخ ١٦ أكتوبر الماضي - «إن الرجل ينطق بالحق ويعبر عن حاجياتهم، وإن له أثرًا إيجابيًا على الشباب».

 لقد كان نجاح المسيرة المليونية اعتراف لفرخان بأنه أصبح قيادة شعبية للشارع الأسود. وليس فقط لحركة «أمة الإسلام»، وهذا يعني كما يقول كيرتس ستوك - مدير مركز الدراسات الإفريقية بجامعة كولومبيا-: «إن على السود الاستماع لبرنامجه واتباع تعاليمه» «کریستیان ساینس مونتور، ١٦ أكتوبر ١٩٩٥م».

وقد أشار دكتور سليمان نيانج- أستاذ الدراسات الإفريقية بجامعة هاورد - قائلًا: «إن رجلًا يجتمع لدعوته ويستجيب لندائه هذا العدد من الناس لا يمكن إلا أن يكون قيادة بارزة» «صحيفة يو إس تودي ١٦ / ١٠ /١٩٩٥م».

إن الكثير من المتابعين لدعوة ونشاطات لويس فرخان يرون أن الرجل يرنو إلى أفق بعيد تؤول فيه قيادة الأمريكيين الأفارقة السود، إلى حركته، ولعل هذه المسيرة المليونية قد أعطت له - نسبيًا - هذا الدور وأهلته أكثر من غيره من الزعامات الأخرى ليكون صوتًا لمن لا صوت لهم من الفقراء والمستضعفين في قومه، وأملاً يتعلقون به لنقل شجي المعاناة والألم الذي تعيشه أحياؤهم، ونموذجًا تقتدي به أجيالهم القادمة. 

إن حركة «أمة الإسلام» هي الآن أقوى تنظيم طليعي بين الأمريكيين الأفارقة «السود» سواء أكانوا مسلمين أو مسيحيين، وتتفاوت أعداد الكوادر المنتسبة إليها بين مائة ألف - حسب تقديرات مجلة الإيكونومست اللندنية - أو ٢٠٠ ألف طبقًا لمصادر أخرى عديدة.

إن لويس فرخان لا زال يمثل لدى البعض لغزًا محيرًا يصعب فهمه دينيًا، فالرجل يتحدث بلغة تجتمع فيها المفردات الدينية المختلفة من مسيحية وإسلام وصوفية وماسونية.. مما يخلق حالة حيرة لدى الكثيرين. يقول إريك لنكولن -أستاذ تاريخ الأديان بجامعة دوك- «لقد قام فرخان باستخدام ۲۰ استشهادًا إنجيليا مقابل كل اية من القرآن» وأضاف: «إن زوجتي الملتزمة بالمسيحية تساءلت باستغراب لقد كنت اعتقد أنه مسلم، ولكن يبدو أن الرجل يشبه المسيحيين»، وأشار لنكولن بأن هذا هو نفس الأسلوب الذي اعتمده مالكولم إكس، عندما كان يقوم بتوظيف خلفيته الواسعة ومعرفته بالأديان في تبليغ رسالته بسهولة وكسب قلوب الآخرين واحترامهم، وقد علق د سليمان نيانج - أستاذ التاريخ بجامعة هاورد- على ذلك بالقول: «إن فرخان يحاول إيجاد قاسم مشترك بين المثقفين السود. يمكن أن يجتمعوا عليه، وإنه بسبيل تحقيق ذلك» «واشنطن تايمز ۱۷ أکتوبر ١٩٩٥م».

ولا شك أن لويس فرخان - للقليل الذي يعرفه- يعتمد إستراتيجية طويلة الأجل الحشد الجماهير وتعبئتها خلفه، بغض النظر عن انتماءاتها السياسية والدينية، بهدف استكمال استحقاقات «الشرعية» التي تؤهل حركته القيادة الشارع الجماهيري للسود والنطق باسمه، وهذا يعني منحه امتيازًا لتسويق برامجه في التوعية والإصلاح، والثاني فرض مجموعة المطالب والتظلمات للأمريكيين الأفارقة على الأجندة الانتخابية لأي من الحزبين الرئيسيين إذا ما أريد لأحدهما كسب صوت ثمانية مليون ناخب أسود.

إن فرخان اليوم هو رجل المرحلة والتغيير في حياة الملايين من السود، وأنه كما حاول البعض أن يقول للآخرين الذين أصابهم الذهول من قيادة فرخان لهذه الجموع «ترضون أم لا.. إن فرخان الآن هو الزعيم، وهو الذي يتصدر قيادة الطريق» «مجلة التايم، ٢٣ أكتوبر ١٩٩٥م».

لويس فرخان.. ومسلمو أمريكا:

لا شك أن المسلمين داخل الولايات المتحدة - بشكل عام - لازالوا يفتقرون إلى قيادة دينية -رمزية - واحدة، وإن الكثير منهم تفرقهم خلافات مرجعها الإقليمية، وغياب الوضوح في الأولويات، ولذلك نرى أن التجمعات ذات الأصول العربية والتي تتحلق حول روابط ومؤسسات تحقق لها - نسبيًا - الأمان الاجتماعي والطهارة الأخلاقية لازالت في عزلة كاملة عن الجالية المسلمة السوداء، ولها علاقات نات محدودة أيضًا بالأقليات الإسلامية الأخرى ذات الأصول الهندية والباكستانية، كما أن «الأجندة السياسية» لكل هذه الأقليات الإسلامية لم تزل غير واضحة أو محددة، وإن شرع البعض خلال السنوات الثلاث الأخيرة في تهيئة نفسه للمباشرة بنشاط سياسي وتفاعل مؤسسي أفضل، لأن المصالح الإسلامية بدأت تتعرض للأذى بسبب التحريض المغرض وسياسات التشويه التي تقوم بها وسائل الإعلام الصهيونية داخل الولايات المتحدة، وإن هذه العدوانية المتزايدة في وسائل الإعلام الصهيونية، وخاصة بعد حادث تفجير مركز التجارة الدولي بمدينة نيويورك في فبراير (۱۹۹۳) جعلت البعض يخشى على مصيره، ومستقبل أبنائه.. فدفعته غريزة العيش والبقاء للتحرك دفاعًا عن مكاسبه ومؤسساته.

 إن الاتجاه الإسلامي السني «من أصول عربية وأسيوية لا زال للأسف مشغولًا بمشاكله وهمومه، ولم يتفاعل بعد بالصورة المطلوبة مع المجموعات الإسلامية الأفروأمريكية، سواء من جماعة وارث الدين محمد «الاتجاه السني» أو حركة أمة الإسلام التي يقودها لويس فرخان بل إن من المؤسف جدًا أن البعض لا يعرف عن هذه الحركة أكثر مما يعرفه أهله في الشرق أو خلف البحار!! لذلك نجد هذا البعض يقع فريسة لتشويهات وسائل الإعلام الصهيونية لتلك الحركة. وينصب نفسه قاضيا للحكم بإسلامية الرجل أو كفره!!

إن الحقيقة التي لا ينكرها أحد في أن لويس فرخان يدعو إلى الفضيلة والأخلاق، ويعمل لاستئصال شأفة الآفات الاجتماعية من داخل مجتمعات السود وأحيائهم الفقيرة، وقد شهد بنجاحه في ذلك أعداؤه وأصدقاؤه على السواء. 

إن هناك بعض الخلط في المفاهيم لدى هذه الحركة، ولكن الإصلاح والتغيير يتطلب وعيًا بحياة هؤلاء، والإحساس بمراجل الظلم الذي ظلت تغلي لأكثر من أربعمائة عام فولدت لديهم مخزونًا من الكراهية والحقد على الرجل الأبيض لا تسهل إزالته وتنفيسه في بضع سنين، ولكن واقع الحال اليوم يشهد بأن الكثير من المفاهيم الدينية أخذت في التحسن والاعتدال، ولقد شهدت حركة المسلمين دفعة إلى الحق والدين القويم على أيدي وارث الدين محمد وأتباعه في أواخر السبعينيات، وإنها ستشهد دفعة أخرى إذا ما تسنى للمسلمين العرب والآسيويين الانفتاح على فرخان وحركة «أمة الإسلام» والبدء معهم في مشاريع للتعاون والتنسيق بينهم.

إن لويس فرخان هو نتاج هذا المجتمع الغربي وثقافته العنصرية واضطهاده العرقي، وغيابنا عنه سيجعلنا غير قادرين على استيعاب هذه الموجة الإسلامية الهادرة من الأمريكيين الأفارقة، وحسن استثمارها لصالح عدالة قضايانا في الشرق.. حيث إن هذه القوة ستشكل قريبًا مجموعة ضغط يكون لها تأثير كبير على اتجاهات السياسة الأمريكية محليًا وعالميًا.

إن ما يحتاجه فرخان منا أن نفتح حوارًا معه، وأن ندعوه ليرى الشرق، ويجلس له أهل الدين يناقشوه، كما حدث مع مالكولم ووارث الدين سابقًا. 

وعندئذ سيرى البعض أن الخلط في بعض المفاهيم عنده «كباقي الوشم في ظاهر اليد» كما يقول الشيخ طه جابر العلواني - رئيس المعهد العالمي للفكر الإسلامي، أما الأستاذ محمد العاصي - إمام مسجد واشنطن - فيرى أن مشكلة فرخان أنه يستخدم أسلوبا يخاطب فيه اتباعه بما يحرك فيهم العصبية والعنصرية واعتقادا منه أنه لا يقل عنصرية الرجل الأبيض وعرقيته البغيضة إلا عنصرية وعرفية الرجل الأسود.

أما الشيخ محمد الحانوتي - إمام مسجد دار الهجرة - فيدعونا إلى التأمل في السر الذي جعل القساوسة والكهنة من رجالات الكنائس المختلفة يسلمون قيادهم لشخص يرفع راية الإسلام.. وبغض النظر عن مدى إسلامية فرخان وصحة المفاهيم التي تنادي بها حركته فإن الرسالة التي احترمها الجميع هي أنهم جاءوا تحت راية وقيادة إسلامية، وهذه لها دلالات كبيرة وسيذكر التاريخ لفرخان ذلك. 

إن الإسلام يسكن في مستقبل هذه القارة، وإننا كمسلمين من أصول عربية يقع علينا عبء إيصال رسالة الإسلام الصحيحة إلى عقول هؤلاء وقلوبهم.. وهذا هو بيت القصيد.

الرابط المختصر :