; مسيرة الحكم الذاتي.. بين منطق الُقطر ومنطق الأمه | مجلة المجتمع

العنوان مسيرة الحكم الذاتي.. بين منطق الُقطر ومنطق الأمه

الكاتب غازي التوبة

تاريخ النشر الثلاثاء 15-يوليو-1997

مشاهدات 66

نشر في العدد 1258

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 15-يوليو-1997

وقع عرفات مع نتنياهو اتفاقًا حول مدينة الخليل في بداية هذا العام، وكان قد وقع اتفاقات أوسلو والقاهرة وطابا في وقت سابق مع كل من إسحاق رابين وشيمون بيريز بدءًا من عام ١٩٩٣م، وقد عنونت هذه الاتفاقات بأنها اتفاقات سلام بين الشعب الفلسطيني والشعب الإسرائيلي، لكن الدارس لهذه الاتفاقات والمتفحص لمضمونها يجد أنها اتفاقات استسلام؛ لأنها تأتي مفصلة حسب الرغبة الإسرائيلية والمطامع اليهودية، وتأتي إملاء من الطرف الإسرائيلي على الطرف الفلسطيني، ولا تحترم إسرائيل في هذه الاتفاقات إرادة - الشعب الفلسطيني، بل تجعل نفسها وصية، وتضع القيود على سيادته وتكبل أمته.

وطالما أن حقيقة اتفاقات الحكم الذاتي مع إسرائيل الاستسلام وليس السلام، فلماذا يسميها - إذن - الطرفان الفلسطيني والإسرائيلي باتفاقات سلام؟

نظرة فاحصة لأوسلو

أما القيادة الفلسطينية فتسميها اتفاقية سلام من منطلقها القطري الذي أعتبر اعتراف إسرائيل بمنظمة التحرير كسبًا وانتصارُا وفوزًا عند تبادل الرسائل بين رابين وعرفات قبل توقيع اتفاق أوسلو في واشنطن في سبتمبر ۱۹۹۳م، مع أن النظرة الفاحصة لاتفاق أوسلو من منطق الأمة تؤكد أنه خسارة لأنه أعترف بحق اليهود في فلسطين، ولم ينتزع حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني الذي يجب أن يكون اللبنة الأولى وحجر الزاوية في العملية السلمية، ولأنه ربط اقتصاد فلسطين وأمنها وسيادتها بإسرائيل، ولأنه لم يثبت حقنا الواضح في القدس وعودة اللاجئين، بل ترك كل ذلك المفاوضات قادمة مجهولة النتائج في أحسن الأحوال، وما تجرؤ نتنياهو في الأشهر الماضية على حفر نفق تحت المسجد الأقصى وعلى بناء مستوطنة يهودية في جبل أبو غنيم إلا نتيجة من نتائج تفريط القيادة الفلسطينية بثوابت الأمة في القدس، وكان الواجب على القيادة الفلسطينية لو أنها تعاملت بمنطق الأمة مع اتفاق أوسلو الا توقعه إلا بعد أن يعترف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير وأن ينص بشكل واضح على حق المسلمين في السيادة على القدس الشريف ومن الأمور التي تؤكد مضي القيادة الفلسطينية في اتجاهها القطري هو تهديدها إسرائيل بين حين واخر بإعلان الدولة الفلسطينية من طرف واحد وكان الإعلان عن إقامة دولة فلسطينية سيزلزل إسرائيل من جذورها، مع أن الأمر لا يعدو في حقيقته أكثر من ورقة إعلامية توهم فيها امتنا وشعبنا بأن انتصارات تحققت وبأن إنجازات قامت، وإلا فما قيمة دولة مكبلة مرهونة لعدوها لا تملك الصلاحيات والإمكانيات والإرادة المستقلة.

 أما القيادة الإسرائيلية فتسميها اتفاقات سلام؛ لأنها تريد أن تنفذ إلى العالمين العربي والإسلامي من خلال إيهامهما بأن سلامًا قد تحقق بين الطرفين الرئيسين في الصراع، وقد لجأت إسرائيل إلى هذا الأسلوب؛ لأنه لا طاقة بشرية أو عسكرية عندها تمكنها من السيطرة على العالمين العربي والإسلامي اللذين هما امتداد للشعب الفلسطيني. وبالفعل بدأ يتحقق لها شيء مما تطلعت إليه فكان مشروع بيريز للشرق الأوسط الجديد الذي تخيل فيه اجتماع المال العربي والتكنولوجيا الإسرائيلية وكانت القسم الاقتصادية المتتالية في الدار البيضاء وعمان والقاهرة والتي رسمت قواعد التعاون الاقتصادي والتعاون التجاري والاستثمار المشترك، وكان الإلحاح على رفع المقاطعة العربية التي خسرت إسرائيل منها المليارات، فاستجاب العرب بالرفع الجزئي لها مع الوعد بالرفع الكامل لها، بعد استكمال التطبيع بين الطرفين، وجاء اعتماد مكاتب التمثيل بين إسرائيل وعدد من الدول العربية ليتيح أفاق تعاون سياسي واقتصادي وتدفقت السياحة الإسرائيلية على بعض البلدان العربية من أجل تدجين الشعوب العربية وتعويدهم رؤية اليهود والتعامل معهم، وأعاد كثير من دول العالم الإسلامي علاقاتها الطبيعية مع إسرائيل في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية تمهيدًا لتعميقها بعد أن كانت مقطوعة في مراحل سياسية سابقة.

عنصر القوة عندنا

فإذا كان عدونا يدرك عنصر القوة فينا وهو أن فلسطين جزء من العالمين العربي والإسلامي ويريد أن يتوصل إليه فيضعفه، فهل وعت القيادة الفلسطينية عنصر القوة هذا وكيف تعاملت معه؟

الحقيقة أن القيادة الفلسطينية تلجأ إلى الأمة عندما تواجه مأزقًا أو عندما يفعل اليهود أمرًا يتعلق بالقدس، ولا يتعدى لجوؤها الألفاظ والدعوات والمناشدات وخير مثال يوضح ذلك سلوكها عندما قرر نتنياهو إقامة مستوطنة في جبل أبو غنيم في القدس الشرقية، وأحتج ياسر عرفات، ودعا مجلس الجامعة العربية للاجتماع فاجتمع وأستنكر خطوة البناء، كما أجتمع عرفات مع الملك الحسن الثاني رئيس لجنة القدس المنبثقة عن منظمة المؤتمر الإسلامي، ووعد الملك الحسن الثاني ياسر عرفات بدعوة لجنة القدس لبحث الموضوع واتخاذ القرارات المناسبة، ثم اجتمعت لجنة القدس وأصدرت قرارات إدانة لتغيير إسرائيل معالم القدس منتهكة الاتفاقات الموقعة معها، وأنتهى الموضوع عند هذا الحد.

 ولو عدنا إلى الحروب الصليبية لوجدنا أن القيادات التي طردت الصليبيين من بلادنا كانت تتعامل مع الاحتلال الصليبي بمنطق الأمة وليس بمنطق القطر، ويدل على ذلك أن عماد الدين الزنكي وابنه نور الدين محمود وحليفهم صلاح الدين الأيوبي كانوا يحرصون على الارتباط بالخلافة العباسية في بغداد وينفذون تعليماتها. وكانوا يحرصون على استئذانها في بعض التصرفات وإخبارها ببعض التصرفات الأخرى وكانوا يحرصون على القيام بعمليات توحيدية مستمرة فيما كانوا يستمرون في مقاتلة الأعداء المحتلين للأرض الإسلامية، كما كانوا يعادون الحكام الذين يوقعون معاهدة صلح مع الصليبيين ويحرضون الأمة عليهم كما حدث مع حاكم دمشق معين الدين أثر الذي وقع صلحًا مع الصليبيين محاصره نور الدين محمود عدة مرات، ولم يتخلص من الحصار إلا بدعوة الصليبيين، لكن أهل دمشق تجاوبوا مع نور الدين محمود وسلموه دمشق بعد وفاة حاكمها خضوعًا وتسليمًا بمنطق الأمة.

الخطر في المنطق القطري

إن أخطر ما في المنطق القطري هو أن أثره لا يتوقف على الوقت الحاضر، بل يتعداه للمستقبل. وربما كان خطره أشد ما يكون في قضيتين:

الأولى: تكريس العجز في مواجهة العدو يتضح من النظرة الأولى إلى المعطيات القائمة الآن تفوق العدو الإسرائيلي على أهل فلسطين في مختلف المجالات، لكن الأدهى والأمر هو توقع استمرار تفوقه، والسبب بسيط هو أن اتفاقات أوسلو وما بعدها أعطته الوصاية ومنحته التحكم بمقدرات الشعب الفلسطيني في مختلف المجالات. 

الثاني: إضعاف حقنا التاريخي في فلسطين وذلك لأن فلسطين لم تكن كيانًا تاريخيًا مستقلًا في أي وقت من الأوقات بل كانت جزءًا من الأمة الإسلامية، وإن الأدلة التي تثبت حقنا كأمة في فلسطين وافرة، لكني أظن أن إثبات ذلك بمنطق القطر صعب وقد وعى اليهود هذا الجانب فوجهوا حرابهم وجهودهم أول ما وجهوها إلى الخلافة العثمانية حتى أسقطوها، ثم اتجهوا إلى البلاد العربية فجزأوها حتى استطاعوا أخذ فلسطين وأقاموا فيها دولتهم.

الخلاصة: إن مواجهة العدو الإسرائيلي بالمنطق القطري الإقليمي سيؤدي باستمرار إلى تغليه وخسارتنا، ولن يرجح الميزان إلا إذا عدنا إلى التعامل معه بمنطق الأمة الذي يعتبر المقدسات والقيم والأرض وغيرها من ثوابت الأمة التي لا يجوز بحال من الأحوال التنازل عنها من قبل أي شخص ليس هذا فحسب، بل ربط الجهود بها. وتقويم الأشخاص والجماعات من خلال الاقتراب أو الابتعاد عنها.

الرابط المختصر :