; مسلمو أفريقيا.. وطَّنوا الكثير من الحرف وأبدعوا الكثير من الصناعات | مجلة المجتمع

العنوان مسلمو أفريقيا.. وطَّنوا الكثير من الحرف وأبدعوا الكثير من الصناعات

الكاتب خالد رزق تقي الدين

تاريخ النشر الجمعة 11-مايو-2012

مشاهدات 73

نشر في العدد 2001

نشر في الصفحة 42

الجمعة 11-مايو-2012

الأثر الحضاري لمسلمي أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي (3)

بعض العبيد من طوائف ومراتب اجتماعية مرموقة كان من بينهم أمراء وجنود ومعلمون وعلماء تم أسرهم

«جيلبيرتو فريري»: البرازيل تدين لهم بالفضل في جلب قصب السكر والقهوة والقطن والحبوب حتى الأدوات الزراعية الحديدية كلها أفريقية

يقومون بكتابة الرسائل لأسيادهم الجهلة وقراءتها لهم.. وكان لهم الفضل في اكتشاف الذهب والألماس

في هذا العدد نستكمل الحديث عن التأثير الحضاري للعبيد من مسلمي أفريقيا على أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي، حيث لم يتوقف تأثير المد الحضاري للعبيد على نقل ثقافاتهم الإسلامية وعاداتهم إلى المجتمعات التي عملوا بها، بل امتد التأثير الحضاري للعبيد عبر إتقانهم للغة العربية، حتى أن عملية التواصل والتخاطب بين السادة كانت تتم عن طريق العبيد المسلمين؛ «الأسياد الأميون كانوا يتخاطبون من خلال عبيدهم الزنوج: يكتب العبد المسلم رسالة السيد الأمي إلى زميله السيد الآخر الذي يقرأ له الرسالة عبده المسلم المتعلم» (۱).

يقول د. شاكر مصطفى: ولكن أفريقيا قدمت أيضًا للبرازيل معلمين للمدارس، كما قدمت - وهو الأهـم - شيوخًا مسلمين (٢)، جاؤوا مؤدبين ووعاظًا وأئمة صلاة ومعلمي دين، وكانوا في معظمهم من ممالك «البورنو»، و«سوكوتو»، و«غاندو» ذوات التنظيم السياسي المتقدم، والأدب الديني الإسلامي الكامل، ولهم مؤلفاتهم المحلية باللغة العربية، وفنهم القوي الأصيل الذي لا يقارن بتفاهات البرتغاليين (3).

وكان «الماليز» يتمتعون بمستوى ثقافي عال إذا ما قورن بمستوى البرازيليين، وكانوا قادرين على القراءة والكتابة باللغة العربية (٤).

ثقافة عالية

في باهيا كانوا قادرين أن يكتبوا العربية بمهارة، وكانوا أعلى ثقافة من أسيادهم بكثير (5)، هذا المعنى أكده «جيلبيرتو فرير»، ومن ذلك مزارعو ولاية باهيا في عام ١٨٣٥م ربما كان أكبر عدد من الناس قادرة على القراءة والكتابة (6).

وكان البرتغاليون يجلبون معهم إلى البرازيل في القرن الثامن عشر والتاسع عشر زنوجًا أرقاء من المستعمرات البرتغالية في أفريقيا، في حين أن بعض هؤلاء الرقيق قد اعتنق الإسلام ويتحدث باللغة العربية، ومن بينهم سودانيون وصل بهم الأمر إلى إعلان ثورة عرفت بــــ «ثورة الماليين» في باهيا بمدينة السلفادور (7).

ولقد شهدت تجارة الكتب نموًا كبيرًا وخصوصًا بعد زيارة الشيخ البغدادي لتجمعات المسلمين في ريو دي جانيرو، وريسيفير، وسلفادور، كتب «ألكونت جوزیف آرثر دو كوبينو» (١٨٦٠ – ١٨٨٢م)، الممثل الدبلوماسي الفرنسي في البرازيل، أن الفرنسيين «فوشون» و«ديبون» كانا يبيعان سنويًا للمستعبدين وللذين نالوا حريتهم حوالي مائة نسخة من القرآن الكريم، إضافة إلى كتب قواعد وتصريف اللغة العربية مع شرح بالفرنسية (۸).

مهام فنية

وقد أكد «د. مايكل جوميز» (9) أن هؤلاء العبيد كان يوكل لهم مهام فنية مثل الحلاقة أو البناء أو النجارة أو الرسم أو النحت على الخشب، وبعد فترة حدث نوع من الاتفاق مع ملاكهم، فكانوا يحصلون على جزء من أجورهم مقابل ترك حرية لهم في العمل وإعالة أنفسهم.. وأضاف: كان بعض العبيد من طوائف ومراتب اجتماعية مرموقة، كان من بينهم أمراء وجنود ومعلمون وعلماء، تم أسرهم وترحيلهم كعبيد إلى بلاد مسيحية غربية (١٠).

رقي وتحضر

أما بالنسبة للمجموعات المسلمة التي تم اختطافها من غرب أفريقيا، فقد كانت أسمى في التعبير الفني وفي التعليم وفي قصائد الشعر وفي نوع الحياة وتنظيمها، وفي أساليب الزراعة والتجارة والقتال (۱۱)، وأما أولئك الذين تم اختطافهم من الشعوب الشرقية المسلمة في معظمها وكلها مناطق إسلامية متقدمة الحضارة بسبب اتصالها الدائم بالشمال الأفريقي وبمصر (12).

وقد كان لهؤلاء العبيد الفضل في اكتشاف الذهب والألماس، لقد أصر البرتغاليون أن يستعبدوا الأفارقة، لأنهم الأقدر على اكتشاف مناجم الذهب البرازيلية التي اكتشفت ۱۷۲۰م، ولقد استطاع الأفارقة أن ينقبوا عن الذهب البرازيلي حتى في الأنهار والجداول وذلك تحت إمرة البرتغاليين (١٣).

يقول «جيلبيرتو فريري» (14): كانوا يشكلون عنصرًا نشيطًا مبدعًا، ويمكن أن نقول: إنه نبيل في استعمار البرازيل لا يخفض من مكانته، إلا أنهم يعتبرون رقيقًا! ما كانوا حيوانات جر أو عمال زراعة، ولكنهم مارسوا دورًا حضاريًا بارزًا، كانوا اليد اليمنى في التكوين الـزراعـي، بينما كان الهنود، وبعض البرتغاليين اليد اليسرى، البرازيل تدين لهم على الأقل بقصب السكر والقهوة التي جلبوها والتبغ والقطن والحبوب، حتى الأدوات الزراعية الحديدية كلها أفريقية، وقد طورها الزنوج أنفسهم، والخلاسيون المولدون منهم حسب حاجلات البلاد، ليس هذا فحسب، ولكن التعدين في البرازيل، واستخراج الحديد قد أخذا عن هؤلاء الأفريقيين، كانت وسائلهم التقنية في ذلك أكثر تقدمًا من وسائل الهنود، ومن وسائل الأوروبيين أيضًا، ويمكن أن نضيف تأثيرًا ثالثًا أيضًا لهم هو الطهي، لقد اغتنى وارتقى بالإسهام الأفريقي.

تقنيات حديثة

ونضيف أثرًا رابعًا هو رعي الماشية، إنها في ماتو غروسو من أصل أفريقي قامت على أكتاف الزنوج (15)، ولقد كان تأثير هؤلاء الزنوج أصيلًا، خَّلاقًا، طور المجتمع الذي كان على طريق التكون في البرازيل بعناصر ذات قيمة من الحضارة الأفريقية وتقنياتها المتقدمة يومذاك، لا على حضارة البرازيل ولكن على حضارة الولايات المتحدة أيضًا (١٦).

تواجد فعال

لقد أقر البرتغاليون أنفسهم بأنه لولا العبيد الأفارقة ما استطاعوا أن يجنوا ثمرة واحدة من البرازيل، وما استطاعوا أن يفعلوا ما فعلوه (۱۷) رسخوا أقدامهم في البرازيل، وبات تواجدهم وكثرة أعدادهم أمرًا لافتًا للانتباه، ومن هنا لم يستطع أحد أن ينكر عليهم تواجدهم الفعال، وفي القرن السادس عشر الميلادي توقع البرتغاليون للأفارقة أن يصبحوا بعد أربعة قرون الركيزة الأساسية للاقتصاد البرازيلي (١٨).

 والزنجي هو الذي صنع البرازيل، هذه هي الحقيقة الكبيرة، لم يكن ممكنًا أن تتحول هذه القارة إلى أرض مأهولة زراعيًا ومدن ومناجم وطرق دون الزنجي الذي أعطاها جسمه وروحه معًا وحضارته الإسلامية (19).

قد يشكل مفاجأة حتى للبرازيليين أنفسهم، فالكثيرون يكرهون أو يتناسون الاعتراف بالدور الحضاري الذي قام به الرقيق الزنجي المسلم في تكوين البرازيلي الحضاري، ولكنه الواقع التاريخي الذي يتحدى (۲۰).

الهوامش

(۱، ۲، ۳) الأدب في البرازيل ص ٢٥.

 (٤) موسوعة التاريخ الحي، ج ۲۰، ص ۸۰ – 85.

(5) THOMAS توماس إوبانك الحياة في البرازيل، أو EWBANK أرض الكاكاو والنخيل، ص 144

Landreslifein brazil or the land of the coco and the palm

(6) FREYRE. Gilberto. Casa- grande e senzala: introdução à histeria da sociedade patriarcal no Brasil -1.43. ed Rio de Janeiro: Record.2001. P. 367

(۷) ذاكرة لبنان في البرازيل، ص ۲۱.

 (۸) مقدمة مسلية الغريب بكل أمر عجيب.

(۹) د. مايكل جوميز، أستاذ التاريخ والدراسات الإسلامية والشرق أوسطية بجامعة نيويورك.

(10) alamatonline.net/13 php?id= 615

(۱۱، ۱۲) الأدب في البرازيل، ص ٢٦، ٢٧.

(13) Linda Marinda Heywood. Central Africansand Cultural Transformations in the America Diaspora Cambridge University. Cambridge2002, p.118,119

(١٤) مؤرخ برازيلي ولد في ريسيفي عام ۱۹۰۰م، يعتبر من أهم علماء الاجتماع في القرن العشرين.

(١٥) البيت الكبير والكوخ جيلبيرتو فريري ص ٢٥٥ - ٢٦٥.

(١٦) الأدب في البرازيل، ص ٢٥.

(۱۷) جمعيات المارون، ص ۱۷۰.

(۱۸) صراع اليهودية والإسلام في البرازيل ص ۱۸.

(۱۹، ۲۰) الأدب في البرازيل، ص ٢٣.

الرابط المختصر :