العنوان مسلسل تلفزيوني مصري يعرض في رمضان «الجماعة».. بدون المحظورة
الكاتب منال أبو الحسن
تاريخ النشر السبت 31-يوليو-2010
مشاهدات 57
نشر في العدد 1913
نشر في الصفحة 39
السبت 31-يوليو-2010
- لم أقرأ السيناريو ولكن أتوقع أن يربط الإسلاميين بالإرهاب والخوف والرشوة وتوظيف الأموال والرغبة في الحكم.
- خطورة الدراما التي تتعلق بالأحداث والتاريخ أنها شكل فني جذاب لتلقين التاريخ الزائف أو الحقيقي.
يتناول الإعلام المصري الحكومي لأول مرة لفظ «الجماعة» بدون «المحظورة،» فهل فرضت جماعة الإخوان المسلمين نفسها على الإعلام الحكومي بتغيير منهجه الإعلامي في التعامل معها بعدما فرضت نفسها على الشارع الجماهيري والسياسي، أم أن الأمر يتعلق بمتطلبات الدراما وحبكتها فقط؟!
تدخل الدراما المصرية هذا الموسم بعمل درامي تحت اسم «الجماعة»؛ يحمل العديد من شخصيات جماعة الإخوان المسلمين بمن فيهم مرشدها ومؤسسها بمسمياتهم أو بالإشارة إليهم أو بانتحال شخصياتهم مع تغيير الأسماء، والعمل لاقى جدلا قبل ولادته وأثناء تنفيذه، ومن المتوقع كذلك أثناء وبعد عرضه.
وقد يختلف هذا العمل عن الأعمال الدرامية التي قدمتها شركات إنتاج ومؤسسات عربية كمسلسلات «العائلة، والطريق إلى كابل» وكأفلام «الإرهابي، وحين ميسرة، وطيور الظلام»، من حيث التركيز على الجماعة وشخصيات بعينها وعدم التناول للإسلاميين بشكل عام، وهو ما يمكن أن يكشف العديد من المغالطات التاريخية والسياسية للعمل، ويتيح المجال لمزيد من الجدل حول القصة وكيفية تناولها؛ ما يشير إلى إمكانية تناول بعض الحقائق التاريخية والشخصيات الإخوانية والقيادية، ولكن يتم تلبيسها بالباطل شكلًا ومضمونًا لحساب القائمين على العمل الدرامي ماديًا وفكريًا وسياسيًا.
خطورة الدراما
ومن دواعي الجدال اختلاف التفسيرات والرؤى التاريخية للأحداث، فخطورة الدراما التي تتعلق بالأحداث والتاريخ أنها شكل فني جذاب لتلقين التاريخ الزائف أو الحقيقي، فمن يكتب التاريخ؟ ومن يضع أولوياته في الوقت المعاصر؟
لا يمكن أن تكون الدراما بحبكتها وصراعاتها وشخصياتها وكتابها هي التي تستطيع حمل هذه الأمانة.
وخطورة هذا العمل الدرامي اعتماده خلطة المخرج السرية من الأحداث؛ مغلفة بالمشاعر والأحاسيس والموسيقى التصويرية والديكور، بالإضافة للإضاءة والملابس والأداء الدرامي والشخصيات.
وتعد هذه المقالة رؤية للحدث مستوحاة من تاريخ الدراما المصرية في تشويه الصورة الإعلامية بشكل عام للمهن وللجماعات ولبعض الأشخاص بعينهم، وهو ما أكدته الدراسات الإعلامية في العديد من نتائجها، مثل تشويه صورة رجل الدين؛ من خلال الكلمات المستخدمة والسخرية من اللغة العربية، وتشويه صورة المدرس والمحامي والحماة والخادمة والمهني والمتدينة والملتحي في الوقت الذي يتم من خلاله صناعة أبطال يدمنون المخدرات، ويتاجرون فيها ويشربون الخمر والسيجار ويقامرون ويزنون ويسرقون ويرتشون، وكذلك تنبع التوقعات من القائمين على العمل من كاتب وسينارست ومخرج وممثلين وغيرهم ممن لهم اتجاهات غير مؤيدة للاتجاه الديني ومعارضتهم السياسة في الدين، على الرغم من أنهم قد وجدوا أن الدين لا غنى عنه في الحياة حتى في الفن والدراما! ما أشبه اليوم بالأمس، فلم أقرأ السيناريو، ولكن أتوقع أن يربط الإسلاميين بالإرهاب والخوف والرشوة وتوظيف الأموال والرغبة في الحكم، وملابس مثل النقاب الأسود للنساء، ومشاهد للعنف والضرب لتصوير الشباب المسلم بالإرهابيين، واللحية للرجال المتعصبين والشهوة وحب الظهور والقيام بأعمال أكبر من مستوى تفكيرهم والتحريض والتشويه للناس والكذب عليهم وضيق الأفق والقسوة وسوء معاملة المرأة وقهرها، وأنهم لا يعبرون إلا عن أنفسهم وليس لهم صدى حقيقي في الشارع المصري والانتهازية وحب الظهور والفتوى بلا داع والفتوى المتعصبة، والتمسك بالرأي والإجبار على اتباعه، وسوء التخطيط، وكره وخوف الناس من المسلمين الملتزمين، ودمج العاطل مع الباطل أو تلبيس الأمور.
وعلى الطرف الآخر، تجد العكس تمامًا؛ الثقة بالنفس والمنطقية والتزين والجمال والسعادة، والرضى عن النفس، والعصرية والقوة والإصرار على النجاح والتميز، والارتباط بالشعب واحترام المرأة وتدليل الطفل والسعادة الأسرية، والاهتمام بالوقت والاهتمام بالقراءة والثقافة العامة والرياضة والترفيه.
عزوف جماهيري
وأعتقد أن الجمهور المتوقع لهذا العمل الدرامي هم صانعوه، والقائمون عليه من الفنانين والسياسيين والإعلاميين وأعداء الإسلاميين، وبعض مسيحيي مصر، ثم الجمهور المنتمي للجماعة أو المحابي لها، أما الجمهور العام والذي لا يحمل توجهات سياسية ولا رؤى واضحة وليس له في الأمر شيء؛ فإنه قد يفضل مشاهدة الدراما التركية أو السورية أو الدينية الإيرانية في رمضان، وتختلف بالطبع دوافع المشاهدة للعمل الدرامي طبقا للفئة المشاهدة له، ففئة تسعى للترويج للعمل والتأكيد على مواقف الأبطال فيه، وعلى القصة والحبكة الدرامية وعلى المواقف الاجتماعية بصرف النظر عن إمكاناته الفعلية، وفئة تبحث عن مواقف يمكن الاستناد عليها للترويج لفكرتها، أو لدعم الفرقة والعنصرية وتأكيد الاضطهاد، وفئة أخرى تبحث عن المواقف الكيدية التي يتضمنها العمل من أجل تشويه الصورة أو تحريف التاريخ.
ولكن لا أرى هناك مكسبًا من عرض المسلسل في رمضان، وذلك لتوجهات الشارع المصري والعربي خلال هذا الشهر الكريم للصلاة والعمل الصالح، وقد يصطدم العمل الدرامي عند تناوله أمورًا دينية أو مصطلحات، مثل الجهاد والالتزام والشهادة مع الجمهور، ويتوقع تناوله أيضًا في الجلسات الرمضانية ومناقشته وفضح أي خلل أو تشويه تاريخي بالعمل، وذلك على الرغم من اعتماد مخرجه على عدد كبير من الممثلين، وعلى شخصيات لها جاذبيتها لدى بعض الفئات المصرية، فهذه أمور يجب أن يضعها القائمون على هذا العمل الدرامي في اعتبارهم.
وقد تنبع الدراما من واقع فعلي وتجربة اجتماعية واقعية يعيشها مبدع العمل الدرامي، فتتجسد شخصيات العمل في الشخصيات الواقعية، وتنطق بألفاظها وتلبس ملابسها وتسعد وتتألم وتحب وتكره كما تعيش الشخصية في الواقع، بما يساعد المجتمع على مشاهدة تجارب حياتية واقعية؛ يمكنها من خلال الصراع والحبكة الدرامية معالجة أزماتها، والوصول لحل لمشكلاتها الاجتماعية، وقد تكون دراما مصنوعة من حيث اتباعها اتجاهات دولية أو سياسية أو حكومية، وتسعى لتحقيق مكسب مادي أو معنوي أو كليهما من الجهة التي تدعمها بالأساس بالطبع ليست جماهيرية؛ حيث إن العمل لا يخدم قضايا حقيقية، ولا يمس حياة السواد الأعظم من الناس، ولا يبغي من ورائه إحداث تنمية مجتمعية على أي نطاق، فلا نجد من هذه الأعمال من يناقش قضية البطالة مثلًا، ولا العنوسة، ولا الفساد الإداري والرشوة، أو محاسبة المسؤولين والنخبة المتجاوزة للقوانين والدساتير الموضوعة.
تضحية النجوم
وكذلك استعانة الدراما المصنوعة بمجموعة من الفنانين المشهورين جماهيريًا، وهم هنا يضحون برأسمالهم وهو الجمهور، في مقابل أخذ مركز سياسي ومادي؛ كأن يصبحوا سفراء للنوايا الحسنة! وكذلك من معالمها أنها دراما حولية كالزرع الحولي الذي يزهر خلال فترة قصيرة ثم يموت، فنجد زهرة هذه الأعمال تبدو من خلال الإعلانات وتناول الصحافة الحكومية للأعمال وتكريم أبطالها بجوائز مادية وعينية، أما الالتجاء الآن لتحويل الأعمال الدرامية المحلية إلى أعمال عربية من خلال مشاركة ممثلين من دول متعددة، فقد كان من دواعي تطور تكنولوجيا الاتصال والأقمار الصناعية وكثرة الأعمال الدرامية، والتخصص في مجال القنوات الفضائية، ومنافسة الأعمال الدرامية التركية والسورية والإيرانية وغيرها للأعمال الدرامية المصرية.
تحديات كبيرة
التحدي أمام هذه الأعمال أصبح كبيرًا في عصر الفضائيات المفتوحة والمتخصصة والإنترنت، فإمكانية الحصول على المعلومات الصحيحة أصبح متوافرًا، وإمكانية اكتشاف التشويه والتحريف أصبح سهلًا ميسورًا، وإمكانية الرد على المغالطات وتكوين «لوبي» مضاد للفكرة المشوهة أصبح واردًا جدًا، من خلال الإنترنت و«الفيس بوك» والمدونات والنقاشات المفتوحة التي توفرها بعض البرامج التفاعلية الفضائية، التي تسمح للجمهور استخدام البريد الإلكتروني والموبايل والإنترنت والرسائل القصيرة، فالوسائل الإعلامية الجديدة التي أصبحت في يد الجمهور تمثل سلاحًا قويًا أمام المغالطات التاريخية والرسائل المحرفة، فلم تعد هذه الأصوات متفردة أو منفردة في فضاء الإعلام العربي أو العالمي.
كما يمكن أن يفقد العمل الدرامي قدرته على التأثير عندما تظهر توجهاته السياسية بصورة مباشرة، وعندما تصطدم بالواقع أيضا، فرغم ما تناولته الدراما المصرية من معالجات درامية للحجاب وتشويه صورته، إلا أنها اصطدمت بالواقع وانتشار غطاء الرأس بشكل أصبح سمة من سمات الشارع العربي بشكل عام، حتى وإن لم يكن بالشكل المطلوب، وحتى إن كان يمثل تطورًا ثقافيًا أو ضربًا من الالتزام الشكلي، أو إشارة إلى الانتماء الديني فقط دون التزام بالعبادات أو الأخلاقيات الحسنة.
لقاءات ضرورية
ومن الوسائل النافعة لتصحيح وتوجيه الدراما لخدمة المجتمع؛ الاجتماع بكتاب القصص وكتاب السيناريو والصحفيين من أجل توضيح القضايا الملتبسة والشائكة، وتصحيح العديد مما أخلطته وزيفته السياسة والسياسيون، وهم بالفعل محتاجون لتلك اللقاءات المفتوحة والراقية التي تتمتع بالحوار البناء والرؤي الفاضلة والمحترمة، وهو ما يساعد أيضًا على إيجاد مرجعية موثوق بها كأساس للكتابة العربية في عصر نحن في أمس الحاجة للأعمال البناءة من أجل نهضة الأمة، ومن الوسائل الإيجابية التوسع في الإنتاج الإعلامي المشترك بشتى صوره كالدراما والوثائقيات والأغنية، والمواقع على شبكة الإنترنت، والمطبوعات، والبرامج التفاعلية الفضائية والبرامج الحوارية وغيرها، هذا بالإضافة إلى القيام بعملية تحليل مضمون جيد للأعمال الدرامية وغيرها من المنتجات الإعلامية والرد عليها بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن، وكذلك تكوين كوادر إعلامية من الشباب المسلم والمخلص لله وحده لحمل الرسالة الخاتمة وتكون أهلًا للدين القيم.
لا يجب أن يعطي العمل الدرامي خصائص غيره من الأعمال الفنية، فالدراما لا تمثل الحقيقة على الرغم من إمكانية الاستفادة منها في دراسة عادات المجتمعات المختلفة، إلا أنها لا يمكن أن تحقق الواقع حتى على المستويات الاجتماعية، فما بال الواقع التاريخي والحقائق السياسية والعلمية؟ إن هذه الجوانب أو الخصائص قد تلائمها وتحققها الوثائقيات والبرامج العلمية والتعليمية، والحقيقة قد يقتنع الجمهور بالشخصية وقد يحاكي مواقفها وسلوكياتها وقد يستخدم ألفاظها وتعبيراتها، وقد يصدقها بالفعل فتصبح واقعًا تم صنعه فنيًا، وطبقًا للنظريات العلمية كنظرية الغرس الثقافي، فإن هذا المسلسل السياسي الديني يمكن أن يحقق غرسًا ثقافيًا لفئة الجمهور الذين ليس لديهم معرفة بالجماعة، وليس لديهم ثقافة عامة، وليس لديهم اتجاهات سياسية أو دينية، وغالبًا هي الفئة المضللة إعلاميًا، والتي تحصل على معلوماتها من وسائل الإعلام المضادة للجماعة، وتستمر هذه الفئة في حمل هذه الرسالة الإعلامية ذات الاتجاه الواحد إلى أن تستطيع تكوين رأي من خلال التفاعل الاجتماعي والالتقاء المباشر مع شخصيات إخوانية فاعلة فتبدأ في تغيير اتجاهاتها نحو الجماعة، أو تتعرض لوسائل إعلامية متزنة وموضوعية، وتحمل درجة عالية من المصداقية فتغير آراءها وتكون آراء جديدة نابعة منها وراضية عنها.