العنوان بعد أن أوقف كوفي عنان جولته: مسلسل الاستفتاء في الصحراء يدخل منعطفًا شائكًا
الكاتب إبراهيم الخشباني
تاريخ النشر الثلاثاء 24-نوفمبر-1998
مشاهدات 68
نشر في العدد 1327
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 24-نوفمبر-1998
يبدو أن ملف الصحراء الغربية سوف يطول انتظاره، فبعد أن تعرض المشروع الذي تقدم به أمين عام الأمم المتحدة كوفي عنان لمجلس الأمن لانتقادات حادة من الأعضاء، بسبب اقتراحه تأجيل الاستفتاء عامًا آخر، جاء قطع عنان لجولته في المنطقة بسبب الأزمة الأخيرة بين العراق والولايات المتحدة، لتضيف غيومًا جديدة في سماء هذه الأزمة التاريخية. وكان عنان يحاول من خلال جولته الحصول على موافقة كل من المغرب والبوليساريو على اقتراحه الذي يدعو إلى أن يتقدم أفراد القبائل الصحراوية بطلبات التسجيل بصفة انفرادية، دون رعاية من أي طرف، على أن يكون هناك بعد دراسة الطلبات بروتوكول ينظم إجراءات الطعن، وبموازاة مع هذه الصيغة لحل المشكلة الراهنة تم طرح خطط أولية ترسم المراحل المقبلة لمخطط التسوية، وقد طلب الأمين العام في الوقت نفسه الذي رفع فيه تقريره المؤرخ في من 7 أكتوبر ۱۹۹۸م إلى مجلس الأمن من لجنة تحديد الهوية أن تقوم بدراسة الطلبات المقدمة بصفة فردية.
غير أن المشروع الذي تقدم به كوفي عنان تعرض للكثير من الانتقادات داخل مجلس الأمن خصوصًا بعد ما أعلنته البوليساريو عن تأجيل إعطاء موقفها من اقتراحات الأمين العام الأممي إلى ما بعد زيارته لـ«تندوف» في ١٣ من نوفمبر؛ أي بعد أن يكون قد زار المغرب وحصل منه على الموافقة المغربية والضمانات التي يطلبها، غير أن الطرف المغربي من جهته أكد أن رده على اقتراح «كوفي عنان» لن يكون جاهزًا إلا بعد شهر، أي بعد إتمام الجولة بكاملها، وقد لا يكون الشهر كافيًا بعد أن أوقف عنان جولته وعاد إلى نيويورك، ولا يتلقى الرد المغربي إلا إذا عاد إلى المنطقة وأتم جولته كاملة.
هذا الوضع حدا بمجلس الأمن إلى الاستجابة لطلب الأمين العام بتمديد فترة تواجد البعثة الأممية، وحدد ذلك بمدة شهرين ونصف الشهر؛ أي حتى ١٧ من ديسمبر ۱۹۹۸م.
وهكذا بدت الخطة الأممية -حتى قبل أن يقدم الأمين العام تقريره في ٢٧ من أكتوبر الماضي- مهددة بالانهيار.
الصيغة التي يقترحها عنان اليوم ليست جديدة، فقد جاءت في اتفاق هيوستن الذي ذكر به کوفي عنان في تقريره الأخير عندما قال: «يتفق الطرفان على أنهما لن يرعيا أو يتقدما بصورة مباشرة أو غير مباشرة بأي شخص لتحديد هويته»، غير أن ممثلي البوليساريو في لجان تحديد الهوية تسببوا منذ استئناف مسلسل تحديد الهوية في إيقافه عدة مرات إلى أن وصل إلى الباب المسدود، وذلك برفضهم تسجيل مجموعات قبلية تضم نحو ٦٥ ألف راغب في التسجيل، وهذا النهج الابتزازي الذي يضرب عرض الحائط بالقيمة القانونية لاتفاقات «هيوستن» كان يقتضي اتخاذ إجراءات حاسمة تجاه هذه المماطلات.
الموقف الصارم الذي عبرت عنه الولايات المتحدة الأمريكية في شخص نائب مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية رونالد نيومان أواخر سبتمبر الماضي، الذي اعتبر أنه في حال فشل خطة الأمم المتحدة لا يوجد هناك بديل آخر؛ وعليه سيصبح لزامًا تحديد الطرف الذي ينبغي أن يلام، قد أدى إلى دفع البوليساريو إلى الالتزام بمقررات الخطة الأممية، ولكنه التزام لم يعمر طويلًا، فمن شجع الانفصاليين على العودة إلى نهجهم التماطلي؟
من خلال قراءة في افتتاحية مطولة نشرتها قبيل زيارة كوفي عنان للمنطقة صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية، كتبها محللها السياسي في شئون المنطقة رودجير كيبلان، يتضح أن هناك استراتيجية سياسية للولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة، قد تتجاوز المسئولين الرسميين في واشنطن، يقول كيبلان: «بطريقة أو بأخرى، فإن الصيغة التي يمكن أن تسوى بها هذه القضية سوف تؤثر على مجموع دول المغرب العربي». ويضيف الكاتب مقترحًا أن إقامة دولة صغيرة ومستقلة في الصحراء لن يكون بالضرورة أمرًا سيئًا؛ لأن ذلك سوف يمكن من تطويق المغرب الأوسط «يعني الجزائر» بدولتين هما تونس والصحراء اللتين لا يوجد أي غموض نهائيًّا في معاداتهما للحركات الإسلامية. وهذا -يستنتج كيبلان- احتواء سوف يساعد الجزائر «يقصد هنا النظام العسكري» على الاستقرار».
وفي تعقيب على هذه الافتتاحية يقول الكاتب الفرنسي لمجلة «جون أفرايك» فرانسوا سودان: «هذا التحليل على الرغم من كونه يتسم بالإغراق في التنظير، يتوافق بشكل أو بآخر مع نوايا وتمنيات «جيمس بيكر» وزير الخارجية الأمريكي الأسبق».
ولا ينسى الصحفي الفرنسي أن ينبه إلى أن مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة جيمس بيكر، وكذلك رئيس البعثة الأممية شارل دونبار، هما معًا أمريكيان، وكذلك فإن عددًا من العاملين في البعثة الأممية المينورسو أمريكيون، مما يجعل القضية قد أصبحت قضية واشنطن -على الأقل- بالقدر نفسه الذي هو قضية «كوفي عنان».
ولكن على عكس ما يرى كاتب افتتاحيات وول ستريت جورنال، والمحلل السياسي لجون أفرايك، هناك من المتابعين لقضايا المنطقة من يرى أن تماطل البوليساريو نابع بالفعل من إيعاز أمريكي، ولكن لأسباب أخرى، ذلك أن الاستراتيجية الأمريكية تفضل -كما هو حالها- مع مختلف بؤر التوتر في العالم، وخصوصًا في بلاد المسلمين، أن تبقيها بدون حل نهائي حتى يتسنى لها استعمالها للضغط عندما تبدو في الأفق تباشير أي تقارب عربي وإسلامي.
ويرى أصحاب هذا الرأي أن قضية الصحراء مثلها مثل قضية جنوب السودان، لن تجد حلًّا أبدًا إلا وفقًا لإرادة أمريكا، ومعها حلفاؤها الغربيون، فالسودان كان دائمًا هو البوابة التي دخل منها الإسلام إلى إفريقيا من الشرق، فيما كان المغرب على مدى تاريخ الفتح الإسلامي في الغرب بوابة الإسلام الغربية نحو إفريقيا، والغرب يسعى إلى غلق أبواب إفريقيا أمام أي مد إسلامي محتمل، حتى يتسنى له الانفراد بالقارة السمراء.
ويبدو أن المسئولين المغاربة يفضلون الاستمرار في تعاطيهم مع هذه القضية المصيرية بأسلوب الصبر والنفس الطويل، الذي قد يؤتي أكله في النهاية، عندما لا يبقى هناك مبرر للإرجاء والتأخير، ولا يكون من الاستفتاء بد.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل