العنوان «مستقبل كابل».. كتاب جديد تنفرد المجتمع بنشره قبل الطبع
الكاتب أحمد منصور
تاريخ النشر الثلاثاء 12-يونيو-1990
مشاهدات 73
نشر في العدد 970
نشر في الصفحة 19
الثلاثاء 12-يونيو-1990
(الحلقة الأولى)
الفصل الأول: كابل موقعها وأهميتها
·
إن مستقبل كابل هو مستقبل أفغانستان، وإن الذي يحكم قبضته على كابل
هو الذي سيتحكم في مستقبل أفغانستان السياسي.
·
عدد الصحفيين العرب الذين دخلوا أفغانستان ولو لزيارة
الحدود لا يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة!
·
الكتابات التحليلية التي كتبت باللغة العربية عن الجهاد الأفغاني
قليلة جدًا وسط كمّ ضخم من الكتابات الغربية.
قبل أن تقرأ
إن من
واجب المسلمين أن يدركوا واقعهم، ويعرفوا أين يضعون أقدامهم، ومن حق الأمة أن تسعى
من خلال الوقفات الصحيحة كي تصحح مسارها، وتتوجه إلى الطريق الأصوب، ولقد حرص
القرآن الكريم في تعامله مع الجماعة المسلمة الأولى على هذا النهج، وكان لغزوة
أحد- على سبيل المثال- وقفات واضحة لا تخلو من المصارحة والتأنيب والتقريع للجيل
الأول، يقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ
تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي
الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ ۚ مِنكُم مَّن
يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةَ ۚ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ
لِيَبْتَلِيَكُمْ ۖ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى
الْمُؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران:١٥٢).
إن هذه
الصورة التي كان يعالج القرآن الكريم بها تصرفات الجيل الأول ليست إلا دعوة قائمة
في كل زمان ومكان إلى خلفاء هذا الجيل؛ حتى يقفوا مع أنفسهم وقفة صادقة خالصة لله،
يدركون من خلالها واقعهم، ويصححون مسارهم، ويأخذوا الأسباب التي تجعل معية الله في
جانبهم؛ حتى يستردوا ريادة الدنيا وسيادتها مرة أخرى.
ولما كانت
القضية الأفغانية هي القضية التي شغلت الأمة الإسلامية- بل الدنيا كلها- طوال عقد
الثمانينيات- وربما قبله بسنوات، ومازالت تشغلها- فإنها في الفترة الأخيرة قد جعلت
بعض الناس يقفون متسائلين في عجب: أین ثمار البذل؟ وأین ثمار التضحيات؟ خاصة بعدما
أخذت تلوح في الأفق بعض الغمامات القائمة التي سببها بعض المتطفلين على الجهاد
والمنتفعين من ورائه، وأخذت الوعود بسقوط كابل تصل إلى الآذان، وتتردد على ألسنة
كثير من القادة بعد إعلان السوفييت عن إتمام خروجهم من أفغانستان في منتصف
فبراير ۱۹۸۹، فمن
قائل أن كابل ستسقط خلال شهرين أو ثلاثة أو أربعة أشهر، إلى آخر ما كانت تتناقله
وسائل الإعلام وتردده بعض التقارير، لكن الواقع كان خلاف ذلك، ومر عام كامل على
الخروج السوفييتي من أفغانستان دون أن تتحقق الوعود وتسقط كابل، لذا كان لابد لنا
من وقفة نسعى من خلالها الى إدراك الواقع ودراسته؛ لعلنا نستطيع أن نستشف من
خلاله بعض تصورات المستقبل.
ورغم
قناعتنا التامة بأن المستقبل كله موكول إلى أقدار الله- عز وجل- إلا أن المسلم قد
أمر بالسعي والاجتهاد والتخطيط؛ حتى يكون زمام المبادرة بيده، ولا يجلس لينتظر
نتائج تخطيط غيره، لأن القدرة والسيطرة لا تكون- وما كانت على مدار التاريخ- إلا
في يد من يملك زمام المبادرة ومقدرات القوة، بغض النظر عمن كان على الحق أم على
الباطل، وما سقطت راية القيادة من يد المسلمين إلا حينما فقدوا القدرة على فرض
أنفسهم على واقع الدنيا، رغم أنهم أهل الحق بلا منازع، إلا أن الحق لا يسود إلا
بمن يسوده ويعلي رايته.
- المستقبل جنين في رحم الواقع
ولا
يستطيع المراقب أن يستشرف خيوط المستقبل إلا من خلال إدراكه ورصده لطبيعة وحقيقة
الواقع الذي سيرسم خيوط هذا المستقبل؛ لذلك لم يكن هناك بد من الذهاب حيث مواقع
المجاهدين حول كابل؛ لنرى ونرصد الواقع على حقيقته، ونتعرف على الأسباب والآراء
والدوافع التي أدت إلى عدم سقوط كابل في أيدي المجاهدين بعد عام كامل من الخروج
السوفييتي من أفغانستان، وقد وفقني الله إلى ذلك في رحلة امتدت إلى شهر كامل،
عشت فيها هناك بين المرابطين حول كابل؛ فأتيح لي أن أعيش هجماتهم الصاروخية على
كابل، وهجمات قوات نظام کابل عليهم، بل أخذني المجاهدون غير مرة إلى أطراف كابل
تحت ستر الليل، وحتى عدة مئات من الأمتار من البيوت السكنية للمدينة، كذلك أتاحت
لي هذه الرحلة أيضًا لقاء كثير من قادة المجاهدين الميدانيين، والتعرف على آرائهم
وخواطرهم، وما يدور في خلدهم، وما يفكرون فيه بالنسبة للواقع والمستقبل، كما أتيحت
لي كذلك فرصة التعرف بجلاء تام على الأسباب التي أدت إلى عدم سقوط العاصمة كابل في
أيدي المجاهدين حتى الآن، والفرص التي لم تستغل، والأسباب التي لم يؤخذ بها، كما
تعرفت جيدًا على أحياء كابل وأطرافها ومواقع التجمعات العسكرية بها من خلال الرؤية
بالعين المجردة، أو بالمنظار المقرب طوال أسبوعين كاملين قضيتهما في «بغمان» واحة
كابل الغناء التي أصبحت أطلالًا تبكي رحيل أهلها عنها، وهي تطل على كابل، ولا تبعد
عنها من الناحية الغربية أكثر من عشرة كيلومترات.
وقبل أن
نبحث عن الأسباب التي أدت إلى عدم سقوط كابل، علينا أن نتعرف بداية عن
بعض الجوانب المهمة التي ربما تقودنا تدريجيًا إلى هذه الأسباب، وتجعلنا
نستشرف المستقبل دونما عناء طويل، لذا ينبغي علينا بداية أن نتعرف على خارطة مدينة
كابل ونفهم أوضاعها؛ حتى ندرك أهميتها التي جعلتها محور بحثنا ودراستنا، والتي لا
تقف عند حد أن كابل عاصمة أفغانستان فحسب؛ بل إن الطبيعة الجبلية والقبلية وأسلوب
الحكم في أفغانستان- مع عوامل أخرى مجتمعة- قد جعلت كابل هي أفغانستان، وإن الذي
يحكم قبضته على كابل مع بعض المدن الأخرى هو الذي يحكم أفغانستان بالفعل، ثم بعد
ذلك نتعرف على أوضاع المجاهدين حول كابل، ومن خلال هذه الأوضاع نسعى للتعرف على
إمكانية إسقاط كابل عسكريًا وكيفية ذلك.
وهذا
يقودنا بطبيعة الحال إلى التعرف على الأسباب التي أدت إلى عدم سقوط كابل، وربما
يوفقنا الله من خلال إدراك الواقع في كابل وما حولها إلى محاولة التعرف على
موضوعنا الأساسي الذي يتعلق بالصورة المستقبلية المتوقعة لنظام الحكم في كابل في
ظل واقع المجاهدين، والأطروحات الموجودة على الساحة، ثم نسعى للتعرف على واجب
المسلمين ودورهم في ظل هذا الواقع.
- منهج الدراسة
وقد سلكت
في منهج دراستي وسائل وأساليب مختلفة، سعيت من خلالها إلى الوقوف بدقة على حقيقة
الأحداث وتلمسها بنفسي، فعلاوة على رحلتي إلى أطراف كابل مع المجاهدين، كان
لدي رصيد من الرحلات والجولات الأخرى، رافقت في بعضها بعض قادة المجاهدين مثل
الأستاذ برهان الدين رباني، والأستاذ عبد رب الرسول سياف، والمهندس قلب الدين
حكمتيار إلى ولايات مختلفة داخل أفغانستان، منها بعض الولايات المجاورة لولاية
كابل، وذلك خلال السنوات الثلاث الماضية من خلال عملي مراسلًا صحفيًا للعديد من
الصحف والمجلات التي تصدر في مصر وبعض دول الخليج، ولعل هذه الرحلات والجولات كانت
هي الرصيد الأساسي الذي أعانني على فهم الطبيعة الأفغانية، وإدراك كثير من الأمور
التي ربما لا يدركها من حاول أن يتناول بعض جوانب القضية الأفغانية دون أن يعيش
هذه الأحداث ويواكبها، كذلك أفادتني اللقاءات الكثيرة والمتكررة على مدار السنوات
الثلاث الماضية، سواء التي أجريتها مع قادة المجاهدين الميدانيين أو السياسيين، كذلك
تغطيتي الصحفية لمعظم الأحداث والتطورات المهمة التي مرت بها القضية الأفغانية من
خلال معايشتي لها، وعلاوة على ذلك فقد حاولت الاستفادة قدر الاستطاعة مما توافر
تحت يدي من مراجع ودراسات، وتقارير لبعض الكتاب والصحفيين الذين سبقوني إلى هذه
الساحة، إلا أني وجدت المراجع والكتابات التحليلية التي كتبت باللغة العربية عن
القضية الأفغانية والجهاد الأفغاني قليلة- إن لم تكن نادرة- وسط كم ضخم من المراجع
والكتابات الغربية التي كتبت بلغات مختلفة من أهمها اللغة الإنجليزية، حيث إن عدد
الصحفيين العرب الذين دخلوا أفغانستان- ولو لزيارة الحدود- ربما لا يتجاوز عددهم
أصابع اليد الواحدة، لذلك فقد جاءت كتابات كثير منهم كتابات غير متعمقة، كما أن
معظم الكتابات الأخرى تعتمد على إثارة العاطفة دون أن تلمس الواقع أو تحلله من
قريب أو بعيد، لذلك فقد كانت معاناتي وسط كم ضخم من المراجع والمعلومات التي كتبها
الكتاب الغربيون عن القضية الأفغانية؛ حيث حللوها ورصدوا أحداثها منذ بداية
الجهاد، وقد اعتمدت عليها كمصادر توثيقية- بالدرجة الأولى- لما توافر تحت يدي من
معلومات، وذلك بعيدًا عن أهداف أصحابها ومناهجهم حتى تظل رؤيتي ونظرتي للأحداث
نابعة من منهجي وتصوراتي كمسلم يعيش شاهدًا على الأحداث، أخضعها قدر ما
أستطيع لتصورات المنهج الرباني الذي أعتنقه وأعيش له، وأسأل الله الثبات عليه،
كذلك اعتمدت على التقارير الإخبارية والتحليلات السياسية التي تصدرها وكالات الأنباء
ومكاتب الدراسات المهتمة بالقضية الأفغانية، وذلك علاوة على الدوريات والمجلات
والصحف التي تتوافر تحت يدي، وتتناول أمورًا تتعلق بمجريات الأمور على الساحة
الأفغانية.
وتعميقًا
وتأصيلًا لكتابتي فقد وضعت اثني عشر جدولًا إحصائيًا، وزعتها في ثنايا الكتاب،
استدللت بها على بعض المعلومات التي أوردتها، كما وضعت أيضًا ست خرائط شكلية لبعض
المواقع والأماكن، منها خريطة عامة لأفغانستان، وذلك حتى تكون رؤية القارئ
وتصوراته قريبة لواقع الأحداث، ومع معاناتي في عدم توافر من يقوم برسم خرائط خاصة
لهذا الكتاب، فقد قمت بتعريب بعض الخرائط التي نقلتها من بعض المصادر، ونسبت كل
خريطة لمصدرها، غير أني بدلت وعدلت وتصرفت في كل خريطة بما يخدم منهجي في البحث،
كذلك دعمت استدلالاتي بالصور التي التقطت معظمها بنفسي من خلال رحلتي إلى أطراف
كابل، أو رحلاتي الأخرى التي سبقتها، كذلك قمت بعمل تراجم لبعض أعلام الكتاب الذين
التقيت بهم أثناء رحلاتي، أو أخذت منهم معلومات، أو أجريت معهم مقابلات ساعدتني في
إعداد مادة هذا الكتاب، وأول من ترجمت لهم قادة المنظمات الجهادية السبع، ثم
مجموعة من القادة الميدانيين حول كابل، ثم مجموعة من القادة الميدانيين في بعض
الولايات المجاورة لكابل، ثم بعض الخبراء العسكريين، وقد حاولت- مع وجود تراجم
كثيرة لدى الكثير من القادة- أن أحصرها في هؤلاء، وربما نترجم للآخرين في كتابات
قادمة- إن شاء الله- وفي الختام وضعت ترجمة لوثيقتين حصلت على صورة من كل منهما،
الأولى رسالة موجهة من نائب رئيس نظام کابل عبدالرحيم هاتف إلى القائد محمد بلال
نيرام أحد قادة المجاهدين البارزين حول العاصمة كابل، والثانية هي رد القائد بلال نيرام
على هذه الرسالة.
-
مشاق الدراسة
غير أني
مع ذلك كانت لي معاناة من نوع آخر، هي معاناة من يتعامل مع قضية لا تتطور بصورة
يومية فحسب، بل تتطور بصورة لحظية، والموضوع الذي عملت فيه وهو «مستقبل كابل»
موضوع شاق؛ لأن الذي يتناول موضوعًا مثل هذا يجب أن يكون ملمًا بأمور كثيرة، كما
أن تعاقب الأيام والأحداث يمكن أن يؤثر على مجرى الكتابة عندي، إلا أني اعتقد أن
المنهج الذي اتبعته في البحث والدراسة يمكن أن يخرجني من هذه الدائرة، والقضية-
كما أشرت من قبل- تكمن في أن كابل تتأثر وتؤثر في كل الرقعة الأفغانية، كما أن
استشراف المستقبل والحديث عنه بالنسبة لأي قضية من القضايا يعتبر دائمًا من أشق
الأمور وأصعبها بالنسبة للمحللين والمراقبين، فما بالك بقضية هي قضية شعب مجاهد،
إن لم تكن قضية أمة بأسرها، عاشت قلوب الملايين- ومازالت تعيش- متعلقة بها، عاقدة
الآمال على نتائجها، قلقة على مستقبلها، لذلك فقد وقعت فيما وقع ويقع فيه كثير ممن
يكتبون كتابات يودون أن تظل شاهدًا للتاريخ على مرحلة معينة في بقعة معينة من
الدنيا الواسعة، فكنت كلما أعدت النظر فيما وفقني الله فيه من كتابة، فأجدها
ناقصة، وبحاجة إلى مزيد من الجهد، فأعيد الكرة مرة أخرى، في محاولات دؤوبة للوصول
إلى أعلى مرحلة من مراحل أداء الأمانة وإتقان العمل، سائلًا الله- عز وجل- تمام
الأجر والمثوبة، حتى تذكرت المقولة التي نسبت إلى الراغب الأصفهاني، وقيل إنها
للقاضي الفاضل، والتي يقول فيها: «إني رأيت أنه لا يكتب إنسان كتابًا في يوم إلا
قال في غده: لو غير هذا لكان أحسن، ولو زيد كذا لكان يستحسن، ولو قدم هذا لكان
أفضل، ولو ترك هذا لكان أجمل، وهذا من أعظم العبر، وهو الدليل على استيلاء النقص
على جملة البشر». فوقفت عند هذا القدر الذي أصبح الكتاب عليه، سائلًا الله- سبحانه
وتعالى- أن يعينني ويوفقني لاستدراك ما فاتني هنا في كتابات قادمة إن شاء
الله.
ونظرًا
لأن المحاولة الانقلابية الفاشلة التي قام بها شاه نواز تاناي- وزير الدفاع السابق
في نظام كابول- في السادس من مارس ۱۹۹۰م قد حدثت بعد أن فرغت تقريبًا من إعداد
هذا الكتاب، حتى إنه كان قد دخل في مراحل الإعداد للطباعة، إلا أني بفضل الله قد
وفقت في إضافة فصل في الختام يشرح ويوضح أبعاد هذه المحاولة وأسباب فشلها، خاصة أنها
قد جاءت فأكدت كثيرًا من الاستنتاجات والتوقعات التي أشرنا إليها- من فضل الله-
خلال استعراضنا لفصول هذا الكتاب، وقد دفعتني هذه المحاولة الانقلابية أيضًا إلى
إعادة النظر مرة أخرى فيما كتبت، غير أني آثرت ألا أغير أو أبدل كثيرًا، وإنما
اكتفيت بالإشارة ببعض الجمل أو الهوامش في بعض المواقع.
فنسأل
الله أن يتقبل منا هذا الجهد المتواضع، وأن يجعله نفعًا للإسلام والمسلمين، كما
نسأله- سبحانه وتعالى- العافية من الزلل، والإخلاص في القول والعمل، والتوفيق
الدائم لما يحبه ويرضاه، وأن يغفر لنا هفواتنا وزلاتنا؛ إنه سميع مجيب.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل