العنوان مستقبل عرفات والحكم الذاتي بعد اتفاق القاهرة
الكاتب عاطف الجولاني
تاريخ النشر الثلاثاء 17-مايو-1994
مشاهدات 91
نشر في العدد 1100
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 17-مايو-1994
اتفاق غزة - أريحا: أوهام الدولة وواقع الإدارة
الذاتية
قطاعات شعبية واسعة تكتشف أن حديث فريق عرفات عن إقامة الدولة وإزالة
الاحتلال ليس سوى أوهام وأكاذيب روجت لتسويق مشروع الإدارة الذاتية. الوظيفة
الأساسية لقوات الشرطة الفلسطينية هي حماية المستوطنات ومنع المجاهدين من الوصول
إليها والقيام بدور جيش لحد في جنوب لبنان.
بعد ثمانية أشهر من توقيع اتفاق غزة - أريحا (الأول) في 13/9/1993،
وفي ظل أجواء احتفالية كرنفالية، تم في العاصمة المصرية يوم 4/5/1994 م التوقيع
على اتفاق غزة - أريحا (الثاني) والذي جاء أسوأ بكثير من سابقه. ولم يعكر أجواء
التوقيع الاحتفالية سوى الحركة الاستعراضية التي قام بها ياسر عرفات على منصة
الاستعراض، والتي أثارت استياء وغضب الرئيس المصري، ورئيس الوزراء الإسرائيلي وحتى
محمود عباس (أبو مازن) عضو اللجنة التنفيذية للمنظمة واللجنة المركزية لحركة فتح.
وبخلاف الاتفاق السابق الذي استقبل بحفاوة وابتهاج من قبل بعض
القطاعات الشعبية المخدوعة، فإن الاتفاق الجديد قوبل بردود فعل شعبية فاترة وغير
مكترثة، ولم تشهد الأراضي الفلسطينية المحتلة أية مظاهر احتفالية للترحيب
بالاتفاق، بل على العكس من ذلك تماماً فقد سيطر على غالبية الفلسطينيين شعور
التشكيك بالاتفاق الجديد، وعدم الرضا عن حجم التنازلات التي قدمها المفاوضون
الفلسطينيون، ويمكن تلخيص أهم الأسباب التي وقفت وراء هذا الاستقبال الشعبي
المغاير فيما يلي:
1- عدم الالتزام من قطاع غزة وأريحا ومماطلة الجانب الإسرائيلي مدة
تزيد على خمسة أشهر. 2- اكتشفت قطاعات شعبية واسعة أن الحديث عن إقامة الدولة
وإزالة الاحتلال وأن غزة - أريحا ستكون خطوة تتلوها خطوات على طريق السيادة
والاستقلال، إن كل ذلك ليس سوى أوهام وأكاذيب روجها الفريق المؤيد للاتفاق لتسويق
مشروعه السياسي. 3- رغم الحديث عن السلام والتعايش فإن الممارسات القمعية
الإسرائيلية استمرت، بل وتصاعدت بشكل أكبر من السابق، وتم خلال فترة ما بعد توقيع
الاتفاق السابق تصفية أعداد كبيرة من المطلوبين لسلطات الاحتلال. 4- تزايد عدد
المعارضين للاتفاق، وفي المقابل فإن معسكر التأييد شهد تراجعاً، حيث انسحب حزب
الشعب من تأييد الاتفاق، إضافة إلى العديد من الشخصيات الفلسطينية البارزة، والتي
كان لها دور في إدارة العملية التفاوضية في السابق. 5- وقد أدت جميع الأسباب
السابقة إلى ضعف حجم المدافعين عن الاتفاق، ولم يعد بمقدور كوادر فتح وبقية
المؤيدين إقناع الشارع الفلسطيني الغاضب، بل إن حركة فتح نفسها باتت منقسمة على
نفسها بين مؤيد ومعارض.
عرفات والتحديات الصعبة
لا شك أن ياسر عرفات الذي ما زال ينتظر الإذن من السلطات الإسرائيلية
بالتوجه إلى غزة - أريحا، يدرك جيداً حجم التحديات التي ستواجهه في المرحلة
المقبلة، وهي تحديات كبيرة ومعقدة، ولن يكون من السهل على عرفات أو غيره مواجهتها
أو التعامل معها، على الرغم من أن عرفات قد تعود خلال فترة زعامته الطويلة لمنظمة
التحرير على التعامل مع التحديات والتعقيدات، فالظروف الآن مختلفة تماماً عن
المراحل السابقة، والتحديات تواجهه في هذه المرحلة مجتمعة دفعة واحدة، ولن تترك له
المجال لكي يلتقط أنفاسه أو يعيد ترتيب ولملمة أوراقه.
ولعل إدراك الشخصيات المحيطة بعرفات في قيادة منظمة التحرير والتي
ساهمت في التوصل للاتفاق لحجم التعقيدات والتحديات هو الذي دفعها للتردد في
المشاركة بتحمل أعباء المواجهة تحت حجج ومبررات مختلفة، فمحمود عباس (أبو مازن)
مهندس اتفاق أوسلو الأول يرفض حتى الآن الدخول إلى أريحا والقطاع، ويصر على البقاء
خارج الأراضي المحتلة، ويشترك معه في هذا الموقف عدد من قيادات حركة فتح والمنظمة،
الذين يخشون من تحمل تبعات المرحلة القادمة، وبخلاف ما كان متوقعاً فقد واجه عرفات
مشكلة كبيرة في اختيار الأسماء المرشحة لتولي السلطة في الداخل، بسبب استنكاف
وتردد الأسماء البارزة عن الموافقة على المشاركة في هذه السلطة، وهو الأمر الذي
أدى إلى تأجيل الإعلان عن تشكيلتها عدة أيام.
لقد بات الجميع (المؤيد والمعارض) يدرك حجم التنازلات التي قدمت
بالمجان للإسرائيليين، وحتى أشد المتحمسين والمدافعين عن الاتفاق، فإنه يدرك أن
بنوده لا تسمح بتطويره أو تسويقه في الشارع الفلسطيني، الذي باتت قيادة المنظمة في
مواجهته وجهاً لوجه، ولم يعد يقبل منها وعوداً أو أحلاماً، وإنما معطيات على الأرض
والواقع، ولا شك في أن مثل هذا الوضع سيعطي مجالاً للمعارضة داخل الأراضي المحتلة
وخارجها لمواجهة الاتفاق وتوجيه سهامها إليه.
كما أن عرفات سيكون مطالباً بتوفير الاحتياجات المالية الضخمة، التي
تتطلبها إدارة الصلاحيات المكلفة التي قامت سلطات الاحتلال بنقلها إلى الجانب
الفلسطيني، من أجل التخلص من عبئها، وإضافة إلى ذلك فإن عرفات سيكون مطالباً من
قبل الحكومة الإسرائيلية - بالوفاء بالتزاماته وتعهداته بوقف الهجمات ضد
الإسرائيليين وبحماية مستوطناتهم، وقد صرح المستشار القانوني لوزارة الخارجية
الإسرائيلية، بأن استمرار الهجمات التي تستهدف الإسرائيليين خارج مناطق الحكم
الذاتي في غزة وأريحا، سيعتبر انتهاكاً للاتفاق الجديد الذي يتعارض مع التعهد الذي
قطعه عرفات، وتعهد فيه بوضع حد للإرهاب، كما أعلنت مجموعة من أعضاء الكونجرس
الأمريكي من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، أطلقت على نفسها اسم (مجموعة مراقبة
اتفاق السلام) أنها ستراقب مدى امتثال منظمة التحرير الفلسطينية للاتفاق الذي وقعه
ياسر عرفات، وأنها ستعمل من خلال أجهزة الإعلام على توجيه الانتباه حول «انتهاكات
منظمة التحرير وامتثالها فيما يتعلق بالتعهدات التي قدمها عرفات لإسرائيل».
وفي ظل هذه التحديات الصعبة، فإن مستقبل ياسر عرفات وسلطة الحكم
الذاتي لا يبشر بخير ولا يدعو إلى التفاؤل، وسيعتمد بدرجة كبيرة على قدرة المعارضة
الفلسطينية على استغلال الثغرات الكثيرة في الاتفاق، وعلى مدى حرص (إسرائيل) على
مساعدة السلطة القادمة في تعزيز وجودها وهو أمر مشكوك فيه.
ملاحظات على الاتفاق
على الرغم من أن النصوص النهائية للاتفاق الأساسي والملاحق والخرائط
لم تعلن بشكل رسمي حتى الآن، فقد توافرت نصوص شبه نهائية للاتفاق الأساسي، فيما لا
تزال الملاحق والخرائط غير متوفرة حتى الآن، وإن كان يجري الحديث عن نصوص بعض تلك
الملاحق، ومن خلال النص شبه النهائي للاتفاق الأساسي، الذي وقع في القاهرة يمكن
الإشارة إلى الملاحظات الهامة التالية على ذلك الاتفاق:
1- رغم مرور فترة طويلة على توقيع اتفاق غزة - أريحا الأول في واشنطن
في 13/9/1993 ورغم التأخير والتأجيل المتكررين، فإن الطرفين لم يحسما عدداً من
القضايا المحورية الهامة لتنفيذ الاتفاق، وفي مقدمتها المساحة التي ستخضع لسلطة
الحكم الذاتي في أريحا وقطاع غزة، والسيطرة على المنطقة الساحلية لقطاع غزة، إضافة
إلى مهمة الشرطي الفلسطيني على محطة العبور، وإذ كان مبرراً ترك عدد كبير من
القضايا في الاتفاق السابق دون حسم، على اعتبار أن ذلك الاتفاق هو مجرد (اتفاق
مبادئ) كما أطلق عليه، فإن ذلك يختلف تماماً في الاتفاق الأخير الذي يعتبر الاتفاق
النهائي للمرحلة الانتقالية، وهو اتفاق للتنفيذ وليس مجرد اتفاق مبادئ، وهذا يطرح
سؤالاً هاماً حول دواعي تعجل قيادة المنظمة في توقيع اتفاق نهائي قبل إنهاء
القضايا التفاوضية.
2- رغم عدم الاتفاق بشكل نهائي حتى الآن على مساحة أريحا وقطاع غزة
التي ستخضع لإدارة سلطة الحكم الذاتي، فإن جميع الدلائل تؤكد أن قيادة المنظمة قد
وافقت على التصور الإسرائيلي بخصوص ذلك، حيث يدور الحديث الآن عن 62 كم2 لمساحة
أريحا وفق ما أعلنه وزير الخارجية المصري عمرو موسى، وكانت (إسرائيل) قد عرضت على
الفلسطينيين مساحة 55 كم2، في حين كان يطالب المفاوضون الفلسطينيون بمساحة تزيد
على 345 كم2 في بداية الأمر ثم بحوالي 160 كم2، ويبدو أنهم وافقوا أخيراً على 62
كم2، وهو ما ستكشفه الأيام القادمة، أما فيما يتعلق بقطاع غزة فإن المعلومات
المتسربة تؤكد أيضاً أن مساحات تتجاوز 10% من القطاع ستخضع للسيطرة الإسرائيلية
كمناطق أمنية ومحيطة بالمستوطنات يضاف إليها مساحة المستوطنات نفسها.
3- أكد الاتفاق الجديد وبشكل واضح أن القوات الإسرائيلية لن تنسحب من
قطاع غزة وأريحا - وأنها لن تنفذ أكثر من عملية إعادة انتشار لقواتها، التي تضم
القوات العسكرية والشرطة والقوات الأجنبية داخل المستوطنات وفي المناطق الأمنية
المحيطة بها، وسيكون بإمكان هذه القوات طبقاً لبنود الاتفاق استخدام الطرق الخاضعة
لولاية سلطة الحكم الذاتي الفلسطينية في قطاع غزة - أريحا.
4- اختيار أعضاء السلطة الفلسطينية التي تتألف من 24 عضواً يخضع
لموافقة الحكومة الإسرائيلية التي من حقها أن تعترض على اختيار أي عضو فيها، وقد
نص الاتفاق على أن تقوم منظمة التحرير بإبلاغ الحكومة الإسرائيلية بأسماء أعضاء
السلطة الفلسطينية، وبأي تغيير في أعضائها بموجب رسائل متبادلة، ولا يحق لأي عضو
في السلطة الفلسطينية ممارسة مهام وظيفته قبل ذلك، ولا شك في أن مثل هذا الأمر
يؤكد أن السلطة المزعومة وحتى قبل تشكيلها ستكون خاضعة للإرادة الإسرائيلية،
وموافقة قيادة المنظمة على مثل هذه الصيغة المذلة أمر في غاية الاستهجان.
5- لن يكون للسلطة الفلسطينية أية صلاحيات أو مسؤوليات في مجال
العلاقات الخارجية، ولا يحق لها إنشاء سفارات أو قنصليات أو أي نوع من البعثات
والمكاتب في الخارج، كما لن يكون من حقها السماح بإقامة مثل هذه السفارات
والقنصليات والبعثات والمكاتب في قطاع غزة أو أريحا أي أن دور السلطة الفلسطينية
سيتقزم وينحصر في غزة وأريحا.
6- رغم أن الاتفاقية قد أعطت السلطة الفلسطينية حق إصدار القوانين
والتشريعات ضمن حدود الصلاحيات التي تتولاها، إلا أنها ربطت إصدار هذه القوانين
والتشريعات بموافقة اللجان الفلسطينية - الإسرائيلية المشتركة. وستبقى القوانين
والأوامر العسكرية السابقة لتوقيع الاتفاق سارية المفعول في قطاع غزة وأريحا حتى
يتم تعديلها أو إلغاؤها وفق الآلية المذكورة. أي في حال رفض اللجان المشتركة
لتعديل أو إلغاء أي قانون أو أمر عسكري، فإنه سيبقى ساري المفعول في الفترة
القادمة، وهذا يعني أن السكان الفلسطينيين ستتم إدارة شؤونهم وفق القوانين
الإسرائيلية العسكرية ولكن بتنفيذ السلطة الفلسطينية المزعومة.
7- ستتحمل السلطة الفلسطينية بعد أن يتم نقل الصلاحيات إليها جميع ما
يتصل بهذه الصلاحيات من حقوق ومسؤوليات والتزامات، بما في ذلك الدعاوى والقضايا
المرفوعة ضد السلطات الإسرائيلية أثناء توليها مسؤولية تلك الصلاحيات، وفي حال
صدور قرار عن أية محكمة أو جبهة قضائية بإدانة السلطات الإسرائيلية ومطالبتها
بتعويض مالي في أية قضية ستكون السلطة الفلسطينية مطالبة بتسديد هذا التعويض
كاملاً، أي أن السلطة الفلسطينية ستتحمل أوزار السياسات الإسرائيلية التي سبقت نقل
الصلاحيات.
8- بموجب الاتفاق ستكون السلطات الإسرائيلية مسؤولة عن الأمن الخارجي
وأمن المستوطنات والإسرائيليين، وستنحصر صلاحية الشرطة الفلسطينية في حفظ النظام
العام والأمن الداخلي للفلسطينيين داخل قطاع غزة وأريحا، ولن يكون من حق الشرطة
الفلسطينية محاكمة أو اعتقال أي إسرائيلي اقترف جريمة في الأراضي الخاضعة لسلطتها
مهما كانت تلك الجريمة، كما لن يكون من حقها استخدام السلاح ضد أي إسرائيلي في
مناطق سلطتها، في حين سيكون من حق السلطات الإسرائيلية استخدام السلاح في حال حصول
أي حادث يستدعي ذلك ضد فلسطينيين حتى داخل المناطق الخاضعة للسلطة الفلسطينية، كما
سيكون من حقها تفتيش العربات والأشخاص والأشياء، وإلقاء القبض على المشبوهين
والأشياء المشبوهة داخل المناطق الخاضعة للسلطة الفلسطينية.
9- أكد الاتفاق مجدداً على التمسك بالتعهدات الواردة في رسائل
الاعتراف المتبادلة، والتي تضمنت تعهداً من عرفات بوقف أعمال العنف من قبل
الفلسطينيين (الهجمات المسلحة) وتأديب المخالفين، وكذلك إلغاء بنود الميثاق الوطني
الفلسطيني التي تدعو إلى إزالة الكيان الإسرائيلي، أو تلك التي تتعارض مع بنود
الاتفاق الجديد.
10- وكترجمة لتعهدات ياسر عرفات بوقف العنف نص الاتفاق على أن يلتزم
الجانبان باتخاذ الإجراءات الضرورية لمنع الأعمال الإرهابية والعدوانية ضد
المستوطنات والمنشآت التابعة لها. أي أن الوظيفة الأساسية لقوات الشرطة الفلسطينية
ستكون حماية المستوطنات الإسرائيلية، ومنع المجاهدين الفلسطينيين من الوصول إليها
أو إلى المناطق الأمنية المحيطة بها، وهذا الدور هو نفسه المناط بجيش جنوب لبنان
اللحدي الذي يقوم بنفس المهمة في حماية الإسرائيليين من هجمات المقاومة اللبنانية
والفلسطينية.
11- ولن تكون الهجمات المسلحة ضد الأهداف الإسرائيلية وحدها الممنوعة
فقط، وإنما سيكون مجرد التحريض ضد الاحتلال جريمة يعاقب عليها القانون، فقد نص
الاتفاق على أن الطرفين (إسرائيل والسلطة الفلسطينية) سيسعيان إلى تعزيز التفاهم
المتبادل والتسامح والامتناع عن أي تحريض ضد الآخر، وأنهما سيتخذان الإجراءات
القانونية اللازمة لمنع التحريض من جانب أي منظمات أو مجموعات أو أشخاص خاضعين
لولايتها القانونية، لذلك فإن أية دعوات للجهاد ضد الاحتلال ومقاومته ستصبح جرماً
تطالب السلطة الفلسطينية بملاحقته ومعاقبة مرتكبيه، وهو ما يلقي بظلال سوداء على
صورة العلاقات المتوقعة بين السلطة والمعارضة.
12- ولضمان أعلى مستوى من التنسيق في محاربة الإرهاب الفلسطيني فإن
الاتفاق ينص على تشكيل لجنة أمنية مشتركة، يتفرع عنها ثلاثة مكاتب تنسيق في غزة
وخان يونس وأريحا، وكذلك تسيير دوريات مشتركة على الشوارع الرئيسية، ومن خلال هذه
اللجنة الأمنية والمكاتب المتفرعة عنها سيتم وفق ما نص الاتفاق تبادل المعلومات
بين الجانبين من أجل حل المشاكل الأمنية ومنع الأعمال الإرهابية والتسلل عبر
الحدود، أي أن السلطة الفلسطينية ستكون مطالبة بتقديم معلومات استخبارية عن أية
هجمات محتملة ضد الأهداف الإسرائيلية.
13- وينص الملحق الأمني للاتفاق على حق السلطات الإسرائيلية في مراقبة
كافة الأمور المتعلقة بتشكيل الشرطة الفلسطينية، من حيث أعدادها ومهامها وهيكلها
التنظيمي والإداري، وكذلك سيكون من حقها الموافقة على أسماء جميع رجال الشرطة
الذين سيدخلون غزة – أريحا، ورفض أي منهم والتدخل لفصل أي شرطي تثبت إدانته
بالقيام بعمل إرهابي، حتى بعد أن يكون قد تولى مهامه.
14- وفيما يتعلق بموضوع العملاء الفلسطينيين المتعاونين مع سلطات
الاحتلال، فقد تعهد الجانب الفلسطيني في الاتفاق بحل مشكلتهم وعدم ملاحقتهم
قضائياً أو إيذاءهم بأي شكل إلى حين التوصل لحل متفق عليه بخصوصهم بين الجانبين،
وتشير المعلومات المتوفرة عن اجتماعات القاهرة التي سبقت توقيع الاتفاق إلى أن
الجانب الفلسطيني مستعد لإصدار عفو عام عن العملاء، ولكن الإسرائيليين يطالبون بما
هو أكثر من ذلك، إذ أنهم يريدون تبرئتهم وإعطاءهم جميع حقوق المواطنة دون تمييز.
والملاحظات السابقة التي تطرقنا إليها تقتصر على الاتفاق الأساسي الذي
يشكل جزءاً من الاتفاق الكلي الذي يشمل عدداً من الملاحق، ومن بينها الملحق
الاقتصادي الذي تم توقيعه بين الجانبين قبل الاتفاق الأخير بيومين، والذي ربط
الاقتصاد الفلسطيني الهزيل بصورة اندماجية بالاقتصاد الإسرائيلي القوي.
لقد ارتكبت قيادة المنظمة بتوقيعها على الاتفاقات المذلة والاستسلامية
جريمة لا تغتفر بحق شعبها وقضيتها بل وبحق نفسها أيضاً، وهو ما سيحملها في مستقبل
الأيام القادمة المسؤولية كاملة أمام الشعب الفلسطيني الذي بدأ يدرك خطورة وحجم
المؤامرة التي تحاك ضده وضد مستقبله، فهل سيغفر الشعب الفلسطيني للذين تاجروا
بقضيته وحقوقه وجعلوها نهباً للأطماع الصهيونية؟!
ردود الأفعال على اتفاق القاهرة
فلسطين المحتلة: عمان خاص بمجلة «المجتمع»
عقب الناطق الرسمي لحركة المقاومة الإسلامية «حماس» المهندس إبراهيم
غوشة على الاتفاق النهائي لتطبيق مشروع الحكم الذاتي في قطاع غزة ومدينة أريحا
بالقول: إن «الاتفاق لا يحقق للشعب الفلسطيني أياً من طموحاته ومطالبه في التحرير
والعودة وتقرير المصير وإقامة دولته العربية الإسلامية على كامل التراب
الفلسطيني»، وأضاف أن «الاتفاق زاد من تمزيق الشعب الفلسطيني وقسمه إلى عدة شعوب،
هي الشعب الفلسطيني في المناطق المحتلة عام 1948 م، والشعب الفلسطيني في بقية
الضفة الغربية وأخيراً الشعب الفلسطيني في الشتات».
وأعرب غوشة عن اعتقاده بأن الاتفاقية فتحت الأبواب على مصراعيها لصراع
محتمل بين مجموعات (رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات) البيروقراطية في
الخارج وبين الداخل، الذي يمارس نوعاً ما من الديمقراطية والتعددية في إشارة إلى
احتمالات اندلاع صراع داخلي بين أنصار منظمة التحرير، وأكد غوشة أن «أخطر الآليات
التي ستؤدي إليها هذه الاتفاقية هي صرف الأنظار من التركيز على الاحتلال الصهيوني
إلى افتعال تناقضات داخلية هائلة يصعب حصرها في الوقت الحاضر، وهو ما يرمي إليه
(وزير الخارجية الإسرائيلي شمعون بيريز) و(رئيس وزراء إسرائيل إسحق رابين) من
تسريعه في توقيع الاتفاقية».
أما الدكتور محمود الزهار- الذي يوصف بأنه أحد زعماء حركة المقاومة
الإسلامية «حماس» في قطاع غزة- فقد أكد أن «حركة حماس لا ترى أن الاتفاقية ستؤدي
للشعب الفلسطيني الحد الأدنى مما يرغب فيه»، وأضاف أن الاتفاقية جعلت إسرائيل تعيش
في وضع آمن «فهي حافظت على الاحتلال إذ ما زالت تمثل أكثر من 40 في المئة من مساحة
القطاع، كما تحتل المعابر بين مصر وقطاع غزة وبين أريحا والأردن»، مشيراً إلى أن
إسرائيل حسب الاتفاقية تستطيع أن تدخل الأرض المحتلة في أي وقت وتحت عنوان «ظروف
أمنية»، وإسرائيل تستطيع أن تعتقل من تشاء، إضافة إلى ذلك تخلصت إسرائيل من
الاحتكاكات اليومية بينها وبين المواطنين الفلسطينيين، وبالتالي أصبحت في وضع آمن
وفي وضع مريح، وأكد الزهار «أنه في الوقت الذي أصبح فيه الاحتلال مباركاً بالنسبة
للعالم بسبب التوقيع على الاتفاقية فإن الوضع كما هو لم يتغير في الأراضي العربية
المحتلة».
وقال الزهار لوكالة «قدس برس»: إن «حماس» لن تعترف بسلطة الحكم الذاتي
ولن تشارك فيها، ولكنها (حماس) ستبقى خدماتها للفلسطينيين في الأراضي المحتلة عبر
المؤسسات الشعبية، وأضاف أن الحركة الفلسطينية «لن تشارك في سلطة الحكم الذاتي»
التي قال إنها: «ليست سلطة وطنية، وإنما عبارة عن إدارة أو موظفين أو وظائف جهات
تديرها جهات فلسطينية كلها من حركة «فتح»، بينما إسرائيل تتحكم في كل شيء».
وقالت يسرى البربري- رئيسة الاتحاد النسائي الفلسطيني في قطاع غزة: أن
الاتفاق أسبغ الشرعية على الاحتلال الإسرائيلي الذي بدأ باتفاق أوسلو وثبت
بالاتفاق الاقتصادي والسياسي»، وأضافت أن الرابع من أيار (مايو) يتميز بأنه اليوم
الأشد حلكة وسواداً في تاريخ الشعب الفلسطيني، وقالت: «أتمنى أن يكون هذا آخر
النفق المظلم لمسيرتنا ويتبعه الفجر المنير»، وأكدت البربري أن «الشعب الفلسطيني
سيرفض الخضوع والخنوع وسيستمر في النضال ومقاومة هذا الاتفاق بكل السبل والطرق
المشروعة حتى تحقيق آماله وطموحاته».
من ناحيته قال المعلق العسكري المعروف زئيف شيف بأن الاتفاق الذي تم
التوقيع عليه في القاهرة يعتبر أفضل اتفاق يمكن لإسرائيل الحصول عليه، وأضاف شيف
في تعليق له نشرته صحيفة هآرتس الصادرة في اليوم التالي للاتفاق: إن الاتفاق
بملاحقه المختلفة هو الأفضل الذي استطاعت إسرائيل الحصول عليه في الظروف الحالية
وتحت ضغط عامل الزمن، مشيراً إلى أن «نشوب خلافات في وجهات نظر الطرفين مستقبلاً
يعتبر أمراً لا مناص منه، غير أنه قال إن الاتفاق يتيح لإسرائيل التدخل العسكري في
حال انتهاك فظ له، كما يتيح الملحق الأمني في الاتفاق للجيش الإسرائيلي حماية
مستوطنات غوش قطيف إلا أن منع الإرهاب من قطاع غزة سيكون منوطاً أكثر بالسلطة
الفلسطينية».
وأعرب صالح رأفت عضو المكتب التنفيذي للاتحاد الديمقراطي الفلسطيني
«فدا» الشريك الثالث لحركة «فتح» في قيادة المنظمة عن اعتقاده أن نصوص الاتفاق
الأخير خفضت سقف اتفاق أوسلو بالنسبة للحقوق الفلسطينية، وقزمت سلطات وصلاحيات
السلطة الفلسطينية في قطاع غزة ومنطقة أريحا»، وأضاف «لقد استطاعت هذه الاتفاقية
أن تفرض قيوداً وشروطاً مذلة مجحفة على السلطة الفلسطينية القادمة».
الإخوان المسلمون يعلنون معارضتهم توقيع اتفاق
القاهرة
ويؤكدون أن قضية فلسطين وتحريرها مسؤولية كل
المسلمين
أصدر الإخوان المسلمون بياناً أعلنوا فيه أنه قد سبق لهم أن عارضوا
مقدمات هذا الاتفاق في بيان صدر عنهم في 18 من ربيع الأول 1414 هـ الموافق
5/9/1993 م، وبينوا الأخطار الجسيمة التي تحيق بالأمة من جرائه، وقد وضح الآن بما
لا يدع مجالاً للشك انحياز منظمة التحرير إلى الجانب الصهيوني، فقد ربطت نفسها به
في إطار الحكم الذاتي، ورضيت بأن تكون أداة للهيمنة الصهيونية في فلسطين، وفي كل
المنطقة العربية والإسلامية، واليوم وبعد أن تم التوقيع على الاتفاق فإن الإخوان
المسلمين يعلنون للعالم أجمع أن هذا الاتفاق لا يلزمهم بشيء، وأن قضية فلسطين - كل
فلسطين - هي مسؤولية جميع المسلمين وتحرير أرضها فريضة على كل مسلم.
هذا الاتفاق لم يحقق الحد الأدنى المقبول من المطالب العادلة للشعب
الفلسطيني، المتمثلة في عودة اللاجئين واستعادة القدس وإقامة الدولة الفلسطينية
على كل التراب الفلسطيني وإزالة المستوطنات، هذا والإخوان المسلمون يطالبون
الحكومات والشعوب العربية والإسلامية بدعم جهاد الشعب الفلسطيني، وأن تستمر
المقاطعة الكاملة للكيان الصهيوني المغتصب لأرض فلسطين وإحياء جذوة الجهاد في نفوس
أبناء الأمة.