; مستقبل حكومة حماس في ضوء الضغوط المتواصلة | مجلة المجتمع

العنوان مستقبل حكومة حماس في ضوء الضغوط المتواصلة

الكاتب نبيل شبيب

تاريخ النشر السبت 14-أكتوبر-2006

مشاهدات 69

نشر في العدد 1723

نشر في الصفحة 22

السبت 14-أكتوبر-2006

*حکم حماس دليل على قناعة الشعب الفلسطيني بخيار المقاومة طريقًا للتحرير بعد بوار أوسلو.

     منذ فوز «حماس» في الانتخابات لم ينقطع مسلسل العمل على تفريغ حصيلة الفوز من مضمونه ومغزاه، فإلى جانب الحصار العدائي دوليًا، ودعمه المخزي عربيًا كانت الممارسات المضادة من جانب حركة فتح والتي تتناقض مع متطلبات المرحلة والشعور بالمسؤولية تجاه خطورتها، وأخطرها الإعلان المباشر من قبل محمود عباس على منبر الأمم عن مطالبة حماس بما يسمونه شروط المجتمع الدولي، أي الاعتراف بالكيان الصهيوني والتخلي عن المقاومة، وهو نفس ما أكده عباس خلال زيارة كونداليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية الأخيرة للمنطقة، ويقابل موقف عباس بدعم أمريكي غير محدود عبرت عنه رايس خلال مؤتمرها الصحفي معه.

نبيل شبیب:

    وارتكز الانتقال إلى العلنية والمطالبة المباشرة على ما سبق من استغلال للاحتياجات المعيشية للفلسطينيين عبر «مسلسل الإضراب» والعمل لتوجيهه ضد سياسة «حماس»، وليس ضد الحصار الدولي والإقليمي، ولتوجيهه ضد حصيلة، بضعة شهور لوجودها في السلطة وليس ضد حصيلة سنوات عديدة مضت على ولادة تلك السلطة نفسها ولادة مشوهة في رحم مشروع «أوسلو».

العودة إلى جذور القضية: إن المرحلة الراهنة بالغة الخطورة والتعقيد، وتوجب الرجوع مجددًا إلى تأكيد جوهر قضية فلسطين، فهي الأصل، وهي أكبر بما لا يُقاس من إشكالية حماس مع الحكومة، ومع فتح، ومع منظمة التحرير الفلسطينية، كما أنها أكبر من مشكلة انحراف هذه المنظمة أو تلك أو عدم انحرافها عن طريق التحرير والمقاومة مع التضحيات إلى طريق الاعتراف والتفاوض مع التنازلات.

    ومن أبرز معالم هذه المرحلة فلسطينيًا أن القسط الضئيل من وجود السلطة الفلسطينية نفسها، الذي كان يمثل مكسبًا جزئيًا للفلسطينيين معيشيًا، لم يعد يوازي القدر الكبير مما يجري توظيفه ليكون مكسبًا للاحتلال، حتى أصبح استمرار وجود هذه السلطة أشبه بورقة التوت التغطية بشاعة العدوان على الشعب والأرض، بدعوى مكافحة هذا الطرف أو ذاك من الأطراف الفلسطينية.

    صحيح أن حماس لا تملك إلغاء وجود السلطة الفلسطينية، وأن منظمة فتح لا تبدو على استعداد لمثل تلك الخطوة الحاسمة، رغم أنها تعبر عن حقيقة نهاية نفق أوسلو وليس عن نهاية قضية فلسطين، ولكن حماس تملك -على الأقل- رفض الاستمرار في موقع حكومة ليست حكومة، ولا توجد في دولة لها مقومات دولة، ولا تتعامل الأطراف الأخرى معها، بدءًا بالفلسطينية الأخرى، مرورًا بالعربية وانتهاء بالدولية، بناء على حقيقة تمثيلها إرادة الغالبية الكبرى من شعب فلسطين في الضفة والقطاع سياسيًا، وفق اختيار حر نزيه، ولهذا كله يصبح التخلي عن الحكومة خطوة حاسمة وضرورية لوضع تلك الجهات جميعًا أمام واقع تمثيل الشعب سياسيًا عبر المقاومة ومنظماتها، وليس عبر حكومة مقيدة، لا سيما وأن استحالة الجمع بين هذا وذاك ظاهرة للعيان، ولا تحمل منظمات المقاومة مسؤولية عنها، والرجوع إلى أصل قضية فلسطين في هذه المرحلة يعني أيضًا تأكيد أن جميع المنظمات الفلسطينية المذكورة وسواها بسياساتها وممارساتها على ثوابت.. القضية وليست هي التي تصنع الثوابت وفق اختلافاتها وتبدل قناعاتها، ويكفي مثالًا على ذلك حق تقرير المصير، فلا يوجد في الأصل أي جهة لها حق أن تلغي حق تقرير المصير، أو أن تقص منه، أو تبطل مفعوله فهو حق أصيل ثابت ومبدأ من المبادئ التي تُقاس بها القرارات الدولية الصادرة عن الأجهزة الدولية  كمجلس الأمن الدولي وليس العكس، وممارسات السلطات الحاكمة أو المنظمات أيًا كانت وليس العكس، ولا توجد جهة دولية ذات شرعية دولية حقيقية، ناهيك عن أجهزة تنفيذية كمجلس الأمن الدولي ولا جهة تنفيذية محلية ذات شرعية مكتسبة عبر الانتخاب الحر النزيه، فضلًا عن جهة محلية غير منتخبة، أو افتقر انتخابها شروط الحرية والنزاهة، يمكن أن تزعم نفسها أو يزعم لها آخرون أنها تمثل الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات من أن يكون التزامها كاملًا، وقاطعًا على صعيد حق تقرير مصيره وهو حق يمارسه الشعب بنفسه.. وليس من خلال جهة ما تمثله، فأي جهة في نهاية مطاف أداة صالحة للتنفيذ أو غير صالحة  وبتعبير آخر لا يمكن تحويل الشعب ليكون هو المادة التي تصنع له منظمة أو هيئة دولية ما حق تقرير مصيره مشوهًا أو مقوضا أو مفصلًا على مقاس ظروف آنية تلك المنظمة أو الجهة الدولية، على وجه التحديد ينطوي التفويض الانتخابي على شروط تقيده بالتصرف في شؤون المعيشة وإدارتها مثلًا، ولا ينطوي في صلاحية التخلي عن حقوق أصيلة.على الثوابت ومنها تلك المستمدة من مبادئ القانون الدولي مثل حق تقرير المصير، ومثل عدم مشروعية اغتصاب الأراضي بالقوة، وتلك هي الثوابت المعتبرة عالميًا، ولا يمكن أن تنشأ «بدائل ما» عنها هكذا اعتباطًا من خلال قرارات سياسية دولية، أو عربية، أو محلية، وهذا هو القانون الدولي الأساسي العام أو «الشرعية الدولية» فهو المرجع والمقياس المشروعية القانون الدولي التطبيقي أو بطلانه، أو المعاهدات والقرارات التنفيذية التي يمكن التعامل معها بحكم الواقع فقط، وليس الاعتراف الذي يعطيها صبغة مشروعية زائفة؛ أي التعامل معها دون أن تصبح هي المصدر لتغيير الشرعية الدولية الحقيقية.

الشرعية الشعبية وثوابت القضية: 

     تحت مظلة ثوابت القضية وفق ما سبق تتساوى مواقع سائر المنظمات الفلسطينية دون تمييز.

إن منظمة التحرير الفلسطينية (وفتح مسيطرة عليها أو دون سيطرتها) منظمة وليست هي الشعب، وجودها مرتبط بالشعب وليس العكس، ومشروعية قراراتها مرتبطة بثوابت الشعب الشرعية وليس العكس، فوجودها وغيابها، وصعودها وسقوطها واستقامتها وانحرافها جميع ذلك يلحق بها كمنظمة، ولا يلحق بالشعب وكذلك قراراتها، إن بقيت في حدود الثوابت الأصيلة الشرعية يمكن القبول بها، ولا يمكن القبول بها دون ذلك، سيان من تضم في صفوفها، وسيان من يهيمن على صناعة القرار من خلالها، وسيان من يسميها ممثلًا شرعيًا وحيدًا، لشعب فلسطين أو لا يسميها.

وإن حركة المقاومة الإسلامية:

«حماس» منظمة وليست الشعب، وانتخابها مؤخرًا هو انتخابها لتكون سلطة تقنينية وحكومية إدارية، وليس لتقوم مقام الشعب في تأكيد ثوابته أو الانتقاص منها أو الانحراف بها أو التخلي عنها.يمكن القول إن انتخاب حماس بغالبية عالية بعد معاناة عشرات السنين، ناهيك عن أعوام الانتفاضة، وبعد كل ما كان من تجربة طويلة مع سواها، يعبر عن درجة عالية من الثقة الشعبية لدى الناخبين وليسوا هم كافة شعب فلسطين- بأنها الجهة الأقرب من سواها لتحقيق أهداف الشعب، ليس فقط في الأمور المعيشية في حياته اليومية مع عدم الاستهانة بها، فبهذا المقياس -وحده- كان يفترض أن تموت الانتفاضة مسبقًا، وأن يتم القبول برفع المعاناة وفق الشروط الموضوعة «إسرائيليًا» وأمريكيًا، وبمشاركة عربية ودولية، فينفسح المجال أمام الطعام والشراب، والعبودية، إنما أهداف الشعب التي عبرت عن نفسها في الانتخابات، وأعطت الثقة لحماس، هي أهداف التحرير للشعب والأرض، وفق حق تقرير المصير وعدم مشروعية اغتصاب الأراضي بالقوة، وهذه الثقة يمكن أن تزول إذا انحرفت حماس عن هذا الطريق، وهو ما لا يُرجى لها، رغم ما يعبر عنه الأعداء عن طريق الضغوط القصوى ونصائح كاذبة، ورغم ما يعبر عنه الأنصار والمؤيدون في صيغة مخاوف وتحذيرات.ولو حصل ذلك -لا سمح الله- فسوف يبدل موقع «حماس» المنظمة في تاريخ قضية فلسطين، وأن يزيح بعض العقبات والعراقيل أو يضيفها على طريق التحرير، ولكن لا يبدل تاريخ القضية وثوابتها، ولا يلغي المعادلة الوحيدة في القضية، وهي المقاومة المشروعة لباطل قائم غير مشروع وممارسات عدوانية غير مشروعة.

 

الرابط المختصر :