العنوان مستقبل الإسلام في السودان تحدده معركة الانتخابات في رجب
الكاتب محمد اليقظان
تاريخ النشر الثلاثاء 04-مارس-1986
مشاهدات 60
نشر في العدد 757
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 04-مارس-1986
ظلت قضية الإسلام في السودان مطروحة منذ الاستقلال وجاهدت الحركة الإسلامية جهادًا مقدرًا لتوجيه الأمة بعد رحيل المستعمر إلى قبلتها الأصلية حتى لا يتقلب وجهها ذات اليمين وذات الشمال فيكون التيه، ولكن الذين تسلموا مقاليد الأمور من المستعمر الصليبي ساروا على النهج الذي تركه الإنجليز وما كان لهؤلاء قدرة على الانفكاك من أسار ذلك النهج الضال لأن الغزو الفكري المدمر قد أخذ بالألباب وحولهم إلى قبلة لا ترضاها الأمة فكانت سنوات التيه وكان النفق المظلم الذي ما إلى خروج منه من سبيل إلا بالنور الرباني الذي يبدد تلك الظلمات.
لقد جاهدت الحركة الإسلامية العلمانيين اللادينيين الذين ساروا على النهج الغربي جهادًا كبيرًا وفجروا ثورة أكتوبر عام ١٩٦٤ وحاول لصوص الثورات من الماركسية وأشياعهم سرقة تلك الثورة وإقامة نظام استبدادي فردي، ولكن الإسلاميين بقيادة د. حسن الخرابي وممثلهم في الوزارة الشهيد محمد صالح عمر وإخوانهم وقفوا بحزم وعزم ضد تلك المحاولات ونبهوا الغافلين من رجال الأحزاب التقليدية خطورة ما يقوم به الشيوعيون فكان أن تدارك الجميع الأمر وأسقط في يد الشيوعيين.
ثم إنهم -أي الإسلاميين- قادوا حملة تطهير المجتمع السوداني من دنس وجود حزب شيوعي إلحادي عميل لموسكو وعملوا على حل هذا الحزب وحظر نشاطه وطرد نوابه من البرلمان لما قام سفيه من سفهائهم بالتطاول على شرف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في قذاعة مؤلمة مما أدى إلى تدفق الجماهير المؤمنة إلى الشوارع لسحق الشيوعين.
بعد ذلك تفرغت الحركة الإسلامية لمعركة الدستور الإسلامي التي بدأت منذ الاستقلال وأعدت مشروعًا قيمًا، لدستور إسلامي كامل لو أخذ به السودان لكان اليوم من الدول المعتبرة في العالم ولأعاد مجد الإسلام وعزه، ولكن اللادينيين ممن تربوا على أكتاف المستعمر أبوا إلا الصدود رغم التحذير بأن الله لن يترك رفض شرعه بلا عقاب صارم وما زادهم التحذير إلا نفورًا.
وفعلًا نزل العقاب وحلت الكارثة فقد تآمر الحلف الثلاثي القذر- الناصرية والشيوعية والشعوبية- وكلها أركان الجاهلية الحديثة على السودان وأهله ووقع الانقلاب العسكري صباح ٢٨ مايو ٦٩ واتجه الانقلابيون إلى الانتقام من الإخوان المسلمين أولًا فقادوهم إلى السجون والمعتقلات حتى قبل رئيس وأعضاء النظام الذي انقلبوا عليه وكان الاتجاه السائد بين الحاقدين أعضاء مجلس قيادة الانقلاب تصفية حركة الإسلام ليخلو لهم الجو ولكن مكر الله أشد من مكرهم.
من أول يوم للانقلاب أعلنت الحركة الإسلامية الجهاد ضد النظام الجديد على أساس أنه نظام ماركسي في مجمل توجهه ونظام استبدادي لا يقوم على نظام المشاركة الشورى الذي أمر به الإسلام، وكانت أول مواجهة مسلحة بين القوى المعادية للإسلام وبين الجبهة الوطنية التي تضم الأنصار والإخوان والشريف الهندي هي المعركة التي دارت في الجزيرة أيا بوسط السودان في مارس ١٩٧٠، وكان آنذاك في الخرطوم السادات والتربكي ممثلين لعبد الناصر والقذافي لمراقبة سير المعركة عن كثب وقد فقدت الحركة في تلك المعركة أحد أبرز قادتها ألا وهو الشهيد محمد صالح عمر الأستاذ بجامعة الخرطوم والقائد الحربي، المجاهد الذي ضرب مثلًا رائعًا للمجاهد المسلم.
وقادت الحركة الإسلامية المتمثلة في الإخوان المسلمين انتفاضة شعبان عام ١٩٧٣ تلك الانتفاضة التي استمرت شهرًا وأجهضت بسبب تخاذل القيادات الوراثية من أرباب الطوائف التي وعدت فجنيت وأخلفت فكانت آية في النفاق.
وكان هناك الجهاد المسلح عام ٧٦ وفي شهر يوليو إذ دخلت الجبهة الوطنية في صدام دام مع النظام وكانت الجبهة تتكون من الإخوان والأمة والاتحادي وروت دماء الإخوان شجرة الحرية فاستشهد خيرة الشباب المسلم في تلك المعارك معلنين أن حياة الذل والهوان لا تليقان بمسلم.
بعد كل هذه المعارك والمجاهدات طرأ تحول كبير في تفكير ووجهة النظام حيث تحول رأس النظام إلى الدين عن طريق الصوفية ورفع شعار الإسلام، وأعلن عزمه على تطبيق قوانين الشرع ومد يده للمجتمع فتصالحت معه بدءا قيادات الزعامة الطائفية لأمور دنيوية بحتة ثم تصالحت الحركة الإسلامية لدفع أطر النظام نحو الإسلام إلى أن كانت قوانين الشريعة الإسلامية والتوجه الإسلامي الذي يعرفه الجميع. لما استقام النظام على عهده استقامت الحركة الإسلامية له تنفيذًا لقوله تعالي: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (التوبة:7). ولما رأوا فيه، اعوجاجًا وقفوا له بالمرصاد وأبانوا له انحرافه فضاق بهم ذرعًا وأعلن الحرب عليهم معتمدًا في ذلك على قوة أمريكا فنسى الله فأنساه نفسه وكانت نهايته المعروفة للجميع، وإن في ذلك لعبرة لمن يعتبر ولمن لا يعتبر، ولكن أكثر الحكام لا يعتبرون.
وعادت الحركة الإسلامية بعد انتفاضة رجب المباركة أقوى مما كانت ومما توقع المعادون للإسلام فأذهبهم الواقع وفقدوا صوابهم وصاروا ينبحون ليل نهار يطالبون بإلغاء قوانين الشريعة الإسلامية فتصدت لهم الحركة وأوقفتهم عند حدهم فما استطاعوا مضيًا وما استطاعوا لها نقبا.
وتكونت الجبهة الإسلامية القومية لتكون الوعاء لكل المسلمين في الجنوب والشمال والشرق والغرب في شبه القارة السودانية وذلك لكي يشارك المسلمون كلهم في الدفاع عن المكتسبات الإسلامية ثم المضي قدمًا ليصار الأمر إلى استكمال التطبيق الإسلامي حتى يتم تكيف الدولة ونظمها وسياساتها الداخلية والخارجية وفق منهج الإسلام وذلك باعتماد دستور اسلامي كامل للبلاد.
والجبهة الإسلامية بوضعها هذه وأهدافها التي تصبو إليها تخوض معركة من أشرس المعارك ضد القوى المعادية للإسلام، فقد شاء الله أن يتقرر مستقل الإسلام في السودان ومن بعده في إفريقيا والعالم الإسلامي عن طريق الانتخابات البرلمانية التي ستجرى في السودان في الشهر القادم وقد تنادت كل أحزاب الشرك والنفاق وتناصرت الأحزاب بأمر من قادة الشرك والضلال خارج البلاد.
وأعلنت الحرب على الإسلام صراحة تارة ومداورة تارة أخرى، وجند أطفال الحجارة لرشق الحضور في ندوات الجهة وهؤلاء، الكبار الأطفال هم صبية البعث وغلمان الشيوعية ودراويش الزعيم الطائفي المهدي غير المنتظر الذي يريد أن يظهر.
تدفقت الأموال على الحلف الجاهلي الجديد من كل مكان فاشتريت دور الحزب بالملايين وامتلأت الشوارع بالسيارات وظهرت الإمكانات المالية فجأة وامتلأت الساحة بالصحف الصفراء والحمراء وبدأ تلميع البديل القادم المرضي عنه شرقيًا وغربيًا وعربيًا، والجبهة تصارع كل هذه القوى وحدها لا تعتمد إلا على الله الواحد القهار.
المعركة الدائرة الآن في السودان معركة حزبية وإن شابها بعض العنف الذي عرف به الشيوعيون وحلفاؤهم الطائفيون من قديم، ولكن الملامح الأخرى للمعركة هي هي، المنافقون هم المنافقون والمشركون هم المشركون والكفار هم الكفار.
فالمعركة إذن واضحة، الشقة بعيدة وفي الزمان شدة والعدو كثير متضامن والمعركة تحتاج إلى الأموال فكل مرشح من مرشحي القوي العادية للإسلام غني بتدفق الأموال عليه من الشرق والغرب. ومرشحو الجبهة الإسلامية لا يجدون ما ينفقون وجهدهم في هذا جهد المقل فهل نترك السودان يمشي وحده، ويقف في وجه الباطل وحده؟
هل نرضى لأنفسنا أن نكون في الظلال والأطعمة والنساء وأتباع النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- في الجهاد واللواء؟ هل نشارك في واجبات الجهاد وننهض بأعبائه فيساهم كل قدر طاقته وكل على قدر جهده عن طواعية نفس ورضا قلب، واطمئنان ضمير؟
إن كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رفع شعارًا واضحًا يومذاك وهو «جهز غازيًا» فتدفقت الأموال، لتجهيز جيش العسرة فإننا هنا نرفع شعار «جهز مرشحًا» ونأمل أن تتدقق الأموال لتجهيز مرشحي العسرة لعل الله بهم ينصر الإسلام ويعز المسلمين ويعيد مجدهم المفقود.