العنوان مستقبل الوجود الإسلامي في أوروبا
الكاتب د. محمد الغمقي
تاريخ النشر الجمعة 24-سبتمبر-2004
مشاهدات 79
نشر في العدد 1619
نشر في الصفحة 40
الجمعة 24-سبتمبر-2004
بعد تطبيق قانون حظر الحجاب في فرنسا
• واقع مسلمي أوروبا نتاج تراكمات من العلاقات التاريخية بين العالمين الغربي والإسلامي، وكذا الأحداث والتطورات المعاصرة
• تأثير قرار فرنسا حظر الحجاب لن يمتد إلى باقي أوروبا ما يحكم ذلك طبيعة تعامل المسلمين مع هذا الملف الحساس
• نص قانون حظر الرموز الدينية بالمدارس الحكومية الفرنسية «يحظر على التلاميذ في المدارس والمعاهد الحكومية ارتداء رموز تدل بوضوح على انتمائهم الديني». «إن القواعد المعمول بها تذكر بأن حوارًا مع التلاميذ ضروري قبل اتخاذ أي إجراء تأديبي». «ستصبح المواد الواردة في مشروع القانون سارية اعتبارا من السنة المدرسية الجديدة بعد نشره». «سيعاد النظر في مواد القانون بعد سنة من بدء تطبيقه» |
مع بدء تطبيق قانون منع الحجاب والرموز الدينية البارزة في المدارس الحكومية الفرنسية في بداية العام الدراسي الجديد، يتزايد اهتمام الباحثين وصانعي القرار بمستقبل الوجود الإسلامي في الغرب عمومًا وفي أوروبا خصوصًا.
وعلى ذكر المستقبل، فإنه مرتبط بالحاضر الذي يرتبط بدوره بالماضي، ومتابعة هذه السلسلة تساعد على فهم تطور هذا الحضور بين الأمس واليوم، من أجل استشراف آفاقه المستقبلية.
وأول ما يجب التنبيه إليه أن مسلمي أوروبا ليسوا كتلة واحدة، وإنما يمثلون تركيبة معقدة يمكن تصنيفها إلى «مسلمون من أصل أوروبي: من آثار الفتوحات الإسلامية في الأندلس وفي منطقة البلقان وفي شرق أوروبا، ومسلمون «جدد» اعتنقوا الإسلام ووافدون ومواطنون «جدد» أصولهم إسلامية».
وبالنسبة للوافدين، فيمكن تقسيمهم إلى ثلاث شرائح وهي شريحة العمال وشريحة الكفاءات العلمية والطلبة.
وشريحة الأجيال الناشئة، ولم يكن الجيل الأول من الوافدين المسلمين -عدا حالات خاصة- يفكر في الاستقرار، ولهذا اهتم فقط بإقامة المساجد للحفاظ على هويته الدينية خوفًا من ضغوط المجتمعات المادية، ثم نشأت فكرة الاستقرار مع وجود الأبناء في المهجر، وهكذا تحولت الإقامة المؤقتة إلى إقامة دائمة علماً بأن الاستقرار والتحول من الهجرة إلى المواطنة لم يتم التخطيط لهما منذ البداية سواء من المسلمين أو المجتمعات الأوروبية.
هذا الوضع فرض على المسلمين تحديات مثل الحفاظ على الهوية الدينية للأجيال الناشئة والتعامل والانسجام مع المجتمعات الأوروبية التي تحمل فكرة مشوهة وسلبية عن الإسلام، وتأهيل الكفاءات المسلمة في كل المجالات، وأخيرًا التفكير في مستقبل الإسلام الذي أصبح الديانة الثانية في أوروبا.
سلبيات وإيجابيات:
منذ أحداث سبتمبر ۲۰۰۱م، بدأ البعض ينظر إلى وضع المسلمين في أوروبا من المنظور السلبي فقط وإن كان هذا صحيحًا إلى حد ما، فإن الواقع لا ينفي وجود إيجابيات واضحة للعيان، أما عن السلبيات فتتمثل بشكل إجمال يفي التعامل الأمني الأوروبي وليس السياسي مع قضايا المسلمين وعرقلة بعض السلطات لمساعي انتخاب هيئة تمثل المسلمين بل وعدم الاعتراف بالدين الإسلامي في عدد الأقطار الأوروبية والتخويف المبالغ فيه من الإسلام أو ما يطلق عليه مصطلح «إسلاموفوبيا»، بالتركيز على مزاعم من قبيل اعتبار العنف واضطهاد المرأة من جوهر الدين الإسلامي وإلصاق صفة التخلف بالمسلمين وغيرها من المزاعم المعروفة.
أيضًا الوضع لا يخلو من إيجابيات كما ذكرنا ومنها تطور واقع الوجود الإسلامي في أوروبا وتحوله التدريجي من البحث عن الكم إلى التركيز على الكيف والحرية الممنوحة حتى الآن لأنشطة المسلمين الدينية واعتراف بعض البلدان الأوروبية بالدين الإسلامي أو بهيئات تمثل المسلمين ونجاح بعض المسلمين ومؤسساتهم في المشاركة الفاعلة في مؤسسات مجتمعاتهم.
خبرة تاريخية
والمتأمل في واقع مسلمي الغرب وأوروبا خصوصًا، يجد أنه نتاج تراكمات من العلاقات التاريخية السلبية والإيجابية بين العالمين الغربي والإسلامي، ونتاج الأحداث والتطورات المعاصرة التي أثرت على الوجود الإسلامي في أوروبا ومن بينها نكسة ١٩٦٧م، وأزمة النفط سنة ١٩٧٤م، والثورة الإيرانية وقيام الدولة الإسلامية في إيران على أنقاض نظام الشاه سنة ۱۹۷۹م، والاحتلال السوفييتي لأفغانستان عام ۱۹۸۰، وحربا الخليج الأولى والثانية والصراع الدامي في الجزائر، والحرب في البلقان، وحملة التطهير العرقي في البوسنة وكوسوفا ما بين ۱۹۹۱- ١٩٩٥م، والحرب في الشيشان، وتدهور الأوضاع الأمنية في القرن الأفريقي والانتفاضة الفلسطينية التي انطلقت في سبتمبر ۲۰۰۰م، وقضية سلمان رشدي وتسليمة نسرين، وأحداث الحادي عشر من سبتمبر ۲۰۰۱م، والعدوان على أفغانستان والعراق عام ۲۰۰۳م، وتفجيرات مدريد ٢٠٠٤.
الحجاب والخصوصية الفرنسية: ومن أكثر القضايا التي دار بشأنها الجدل قضية الحجاب التي أثيرت في فرنسا. وقد عرف هذا الملف تطورات كبيرة منذ عام ۱۹۸۹م وهو تاريخ أول قضية حجاب في فرنسا، ويمكن تفسير هذا الأمر بالخصوصية الفرنسية العلمانية «القالب» الرافضة للتعددية الثقافية المنافسة، نتيجة خلفية علاقة الصراع مع الكنيسة «قانون ۱۹۰٥» لأسباب عدة، منها مخلفات الحروب الدينية والثورة الفرنسية ۱۷۸۹م، والحقبة الاستعمارية خاصة استعمار الجزائر، والآثار السلبية للاستشراق، واحتضان فرنسا لأكبر أقليتين مسلمة ويهودية في أوروبا، وموقع فرنسا المؤثر على المستوى الأوروبي ومحاولتها البحث عن دور رئيس في صنع القرار في العالم في ظل القطبية الأمريكية والتنافس الدولي.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل النموذج الفرنسي قابل للتصدير؟ يمكن القول إن هذا ما تسعى إليه عدة جهات فرنسية سياسية وفكرية وإعلامية، مع محاولة توظيف توسع الاتحاد الأوروبي من ١٥ إلى ٢٥ دولة للإقناع بالتجربة الفرنسية، وكذلك الاستفادة من الوضع الدولي، حيث إن العالم منشغل بقضية الحرب على الإرهاب، لكن التأثير الفرنسي سيبقى- على ما يبدو- محدودًا في المجال التعليمي بالمناطق التي تستعمل اللغة الفرنسية «بلجيكا، سويسرا الفرنسية» وفي بعض المقاطعات الألمانية مع الإشارة إلى أن قوة التأثير أو ضعفه مرتبطة بطبيعة تعامل المسلمين مع هذا الملف الحساس.
وبقراءة عامة، يمكن وصف أسلوب تعاطي مسلمي فرنسا مع ملف الحجاب «بالحكمة» والالتزام بقرار المؤسسات الإسلامية وانضباط أغلبية المسلمين عدا نشاز أقلية من المسلمين العلمانيين الذين عبروا عن فرحهم بصدور قرار منع الرموز البارزة في المدارس الحكومية والاستعداد للتداعيات السلبية لتطبيق القرار «السعي لتكوين المدارس الحرة لحل مشكل الفتيات المحجبات اللاتي سيطردن من المدارس».
الدروس
أما الدروس التي يمكن استخلاصها من التجربة الفرنسية فهي تتمثل في وجود:
- ثغرات في معرفة الإسلام وتطبيقه.
- خلل في العلاقات بين المسلمين.
- ضعف في العلاقة مع المجتمع.
وعليه فإن المطلوب من المسلمين هو التحرك في اتجاهين ترتيب البيت الداخلي داخل الصف الإسلامي، والتفاعل مع المجتمعات الأوروبية.
أولًا: ترتيب البيت الداخلي
أما بالنسبة للعمل داخل الصف الإسلامي فهو على ثلاثة مستويات:
- مستوى الفرد والأسرة، وذلك بالتربية على ثقافة الصبر على الابتلاءات والمحن وتحصين الشباب بالثقافة الإسلامية الصحيحة بعيدًا عن كل أنواع التشدد أو التسيب والتفريق بين العادات الموروثة والمبادئ الإسلامية والاعتناء بالأسرة في ظل مجتمعات غير مسلمة، والاعتناء بدور المرأة في البيت وفي المجتمع، وإعادة الاعتبار للمرأة الإنسان والتصدي لظاهرة المرأة- الجسد.
على مستوى المؤسسات: توحيد الصف الإسلامي وتجنب الصراعات، والتفريق بين الاختلاف المثري والخلاف المدمر، واعتماد الشورى والقبول بالرأي الآخر، والنقد الذاتي ومراجعة المواقف والموازنة بين الثبات على المبادئ وتقديم التنازلات، وبعد النظر والفهم العميق للخلفيات والأبعاد، وفقه الأولويات والمآلات، وبذل جهد كبير في تقديم الإسلام بمنهجه الوسطي المعتدل عن طريق مراجعة الخطاب الإسلامي، وتكييف الفقه الإسلامي مع الواقع الجديد للأقليات المسلمة وبناء المؤسسات التعليمية والفكرية.
على المستوى الجماعي: بدعم العلاقة بين المواطنين من أصل أوروبي «المسلمون الجدد- شعوب مسلمة» والمواطنين الوافدين والمستقرين من أصل مسلم والاستفادة من تجارب المسلمين في بقية الأقطار الأوروبية وفي الولايات المتحدة الأمريكية وحيثما توجد أقليات مسلمة.
ثانيًا: التفاعل مع المجتمعات الأوروبية:
أما عن الدروس والعبر من التجربة الفرنسية على مستوى العلاقة مع المجتمعات الأوروبية، فإنها تتمحور حول الانفتاح على هذه المجتمعات عبر التعريف بالإسلام وبخصائص هذه الرسالة الإنسانية الواقعية، ورفع الشبهات ومواطن الالتباس والتذكير بالعطاء الحضاري الإسلامي ومساهمته في التقدم العلمي والحضاري لأوروبا والعالم الغربي عمومًا، وكذا التأكيد على أن المسلمين في الغرب هم سفراء للإسلام في هذه الديار، والعمل على مشاركة المجتمع الأوروبي همومه وآلامه وآماله عملًا بمقتضيات المواطنة والانخراط في المجتمع المدني «جمعيات خيرية وحقوقية واجتماعية» ومؤسسات التأثير في المجتمع، وضرورة التعاون مع المؤسسات الدينية غير المسلمة «الحوار الإسلامي- المسيحي» في القضايا المشتركة، انطلاقًا من القيم الإنسانية والتواصل مع المؤسسات الإعلامية والجهات السياسية والنخب الفكرية والاستفادة من التجربة الأوروبية- الغربية في العديد من النواحي مثل «الإدارة- التطور العلمي والتكنولوجي- العقلية المؤسساتية- العقلية النقدية الحوارية- عقلية التجاوز والمصالحة- احترام البيئة- حب المطالعة- احترام العلماء».
واجبات إسلامية
وأخيرًا فمن واقع تجربة معايشة المسلمين والمجتمعات الغربية، فإن مسلمي الغرب مدعوون إلى تعلم الفطنة حتى لا يستدرجوا إلى العنف أو إلى ما يهدد الوجود الإسلامي في هذه الديار، وتعلم فن تحويل المحن والسلبيات إلى إيجابيات ومنافع وتعلم أساليب الدفاع عن حقوقهم وقضاياهم في إطار القانون واحترام القوانين لا يعني بحال القبول بالظلم.
ويبقى الحل في البدء بتغيير ما بالنفس عملا بالآية الكريمة: ﴿إِنَّ الله لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ﴾ ( الرعد: ۱۱) وأن التغيير يبدأ بالفهم الصحيح ثم الإصلاح، وذلك بفهم الدين الإسلامي الحنيف وفهم الواقع الجديد في ظل مجتمعات غير مسلمة، وإصلاح ما بالنفس وإصلاح الأقرب فالأقرب، والبناء والتأهيل للمستقبل، والفعل والتأثير في الواقع، ونبذ أسلوب الانكماش والتقوقع.