العنوان مستقبل المسلمين في المجتمعات الغربية «ألمانيا مثالًا» جسور التواصل والأسوار المعيقة
الكاتب رائدة شبيب
تاريخ النشر السبت 03-نوفمبر-2001
مشاهدات 102
نشر في العدد 1475
نشر في الصفحة 34
السبت 03-نوفمبر-2001
بعد أحداث نيويورك وواشنطن وتداعياتها أصبح من الضروري إعادة النظر في هيكلة السياسات والعلاقات المستقبلية بين المسلمين لا سيما المقيمين منهم في الغرب والعالم الغربي، وفي ظل التطورات الراهنة وعند تسليط الضوء على ألمانيا كإحدى الدول الأوروبية التي يعيش فيها عدد كبير من المسلمين في سلام مع جيرانهم يطرح السؤال نفسه حول مستقبل التعايش بين المسلمين وغير المسلمين في الغرب عمومًا كيف ينظر الرأي العام الألماني إلى المسلمين عقب توجيه أصابع الاتهام إلى جماعات إسلامية واتهامها بالإرهاب والتطرف وهل تغير شيء في التعامل مع المسلمين من جانب الأغلبية غير المسلمة داخل المجتمع الألماني وإلى أين تتجه العلاقات في المستقبل بين الطرفين؟
رغم حالة الرعب والخوف من الإرهاب ومما يوصف بالإرهاب الإسلامي، لم تحدث حتى الآن اعتداءات عنيفة جديدة من نوعها أو خطيرة ضد المسلمين في ألمانيا أو منشآتهم، ولكن يوجد بعض الشكوى من تهديدات وهجومات عدوانية فردية وإهانات تجاه من يُعرف بأنه مسلم مع ذلك يبقى رد فعل أغلبية غير المسلمين في ألمانيا رغم الوضع المتوتر، متوازنًا ومتعقلًا وليس عدوانيًا الهدوء النسبي داخل المجتمع الألماني لا ينتج عن إشارات تطمين أو تهدئة من جانب السياسيين أو الإعلام، بل على العكس تمامًا، فالمحطات الإعلامية والجرائد الرئيسة تتمسك في أخبارها وتعليقاتها- أو غالبها- بحبل واحد يتبنى من غير نقد أو العرض الرسمي الأمريكي لمجرى الأحداث وتفسيرها، فلا ينشر من الأصل تشكيك ما في أن الجهة الوحيدة المسؤولة عن تدبير وتنفيذ العملية، منظمة القاعدة بزعامة أسامة بن لادن، وبناء على ذلك تحذر وسائل الإعلام من خطر الإرهاب وعدوانيته وتؤكد ضرورة محاربته، وتشير إلى أصله الإسلامي أو الأصولي أو العربي، وبذلك توحي بوجود ارتباط قوي بين الإرهاب والإسلام.
ونظرًا إلى الانطلاق من مزاعم المحققين الأمريكيين أنه تم التخطيط للضربات من جانب طلاب عرب داخل ألمانيا، تزداد المخاوف داخل المجتمع الألماني من المسلمين إذ يركز الإعلام والمخابرات على السؤال عن نشأة ما يوصف بـخلايا إرهابية إسلامية داخل المدن، وعن تنظيمها وعملها، ثم التحذير ممن يطلق عليهم وصف « النائمين، أي أولئك الذين تصفهم المخابرات بأنهم أشخاص عاديون لا يلفتون الأنظار، ويعيشون بين السكان لسنوات طويلة بهدف تنفيذ عملية في يوم ما، وهذا النموذج من الإرهابيين، يمكن أن يكون في أي مكان فهو الجار المسلم اللطيف أو الطالب الطموح. وبذلك والشعور بعدم الارتياح داخل المجتمع حيال عدو معلن لا يمكن معرفة شيء آخر عن مواصفاته المميزة سوى أن شكله شرقي ودينه الإسلام.
على صعيد آخر يزيد الرعب داخل المجتمع بسبب تصريحات معينة لكثير من السياسيين في الحكومة أو المعارضة على السواء.
فالأحزاب تحتضن حاليًا جميع الموضوعات المطروحة للنقاش ووضع برامج المعركة الانتخابية المقبلة في العام القادم، وواضح أنها تستغل مشكلة الإرهاب والخوف من خطر محركات متطرفة لكسب النقاط عند الناخبين وذلك بسعيها للظهور في موقع تقديم الحل الأفضل للحفاظ على الأمن الداخلي.
وهنا تبدو مصلحة السياسيين في الاعتماد على ارتباكات معينة وعدم الشعور بالأمن واستغلال ذلك لكسب ثقة الناخبين، وهم يعتمدون في اصطياد الأصوات الإضافية على أساس القاعدة القائلة: كلما كانت الحلول الأمنية المطروحة أشد. تحسنت فرص النجاح في الانتخابات وهنا يأتي هذا الطموح لكسب ثقة عامة الناخبين وسط الأزمة الحالية على حساب المواطنين العرب والمسلمين. ورغم أن المستشار الألماني شرودر وأعضاء حكومته يؤكدون أن الحرب ضد الإرهاب ليست حربًا ضد الإسلام، فإن سلسلة الإجراءات الأمنية الجديدة التي أعدتها الحكومة لتدعيم الأمن الداخلي، تهدف إلى وضع بعض المجموعات والأشخاص تحت المراقبة المشددة، مع تسهيل إمكانية اعتقالهم بإضعاف العقبات القانونية التقليدية أمام ذلك، وغني عن القول إن الجماعات الموضوعة تحت طائلة الاتهام هنا هي العربية والإسلامية، مما أدى ببعض المسلمين لتقديم شكوى إلى المجلس الأعلى للمسلمين في ألمانيا يوضحون فيها آثار الإجراءات الأمنية التي طالتهم مثل مداهمة البيوت وتفتيشها واستجواب البعض منهم، حسب تصريحات المجلس.
وفي إطار التحقيقات الجماعية المنظمة، التي لجأت إليها السلطات المحاربة هيكلية الإرهاب، تتركز عمليات المتابعة والتحقيق على الطلاب العرب في الجامعات ومن ضمن هذه الإجراءات تقوم المخابرات بالاطلاع على المعلومات الشخصية المتعلقة بجميع هؤلاء، سواء كانوا موضع الشبهة أم لا، وهو ما يشكل انتهاكا صارخًا مباشرًا وغير مسبوق للحقوق الشخصية المضمونة في الدستور الألماني.
إن وسائل الإعلام والسياسة الرسمية العامة والإجراءات الأمنية أصبحت تحيط الألمان من جميع الجهات بتحذيرات متوالية من الإرهابيين المتعصبين من أسامة بن لادن ومنظمته التي تصل يدها إلى ألمانيا، كما يقال، ومن الطلاب العرب أو المسلمين، ومن يطلق عليهم وصف «النائمين»، ومن خطر المنظمات الإسلامية المتطرفة، التي تسعى إلى تحويل ألمانيا إلى دولة إسلامية والتي تضع الشريعة الإسلامية فوق الدستور على حد قول مراكز الاستخبارات وبعض السياسيين.. وجميع ذلك يسمعه الجمهور ويقرأه يوميًا، فمن الطبيعي أن تتضاعف التحفظات تجاه الإسلام والمسلمين منذ وقوع الهجمات في الولايات المتحدة، وهذا ما يشعر به كل مسلم مقيم في ألمانيا.
جسور بدلًا من الأسوار:
ولكن كيف يتعامل عامة الألمان مع تلك التحذيرات والمخاوف؟
يبدو أن الرعب المتزايد لديهم لم يفرغ شحناته حتى الآن في حملات عدوانية ضد العرب والمسلمين، ولا في «قذف» إجمالي في حق الإسلام وأتباعه، وبدلًا من ذلك فإن الأغلبية تحاول بعد الصدمة الأولى الامتناع عن اتخاذ موقف معاد للإسلام، وتبدي اهتماما متزايدًا بالإسلام وبأتباعه والاتصال بهم.
ومن الأصل ترفض أغلبية الألمان فكرة الصراع بين الحضارات، كما طرحها الأمريكي هانتنجتون مثلًا، ويوضح استفتاء للرأي أجرته مؤسسة إيمند، الاستطلاعية في بداية شهر أكتوبر، أن حوالي ٨٠% من الألمان يعتقدون- رغم الخوف والتحذيرات- أن التعايش السلمي بين الغرب والدول الإسلامية ممكن، فبدلًا من وضع الحواجز يبحثون عن جسور وينسجم ذلك مع قول الرئيس الألماني عن تهديد الإرهاب بأنه فرصة للمجتمع الدولي، وقد أشار أيضًا إلى ضرورة إجراء حوار حقيقي بين الغرب والحضارات الأخرى، وضرورة احترام تنوع الثقافات.
وبرز من صفوف المفكرين الألمان عالم الاجتماع والفلسفة المعروف هابرماس وحامل جائزة السلام للكتاب، في هذا العام، بكلمة يدعو فيها إلى الحوار مع الإسلام ويقول: يجب إجراء الحوار مع الدول الإسلامية بشكل آخر، ونحتاج في ذلك إلى صدق أكبر منذي قبل.. وتلحق بهذا النداء الذي يدعو إلى محاولات أكبر للتفاهم شخصيات مؤثرة أخرىداخل المجتمع الألماني، مثل الأسقف الكاثوليكي لمدينة فيورتسبورج الذي ينصح بحوار ديني بين المسلمين والنصارى، وجاء في تصريح أصدره مؤتمر الأساقفة الألمان في نهاية اللقاء الخريفي ما يلفت النظر إلى أن المسلمين في ألمانيا يتعرضون حاليًا للاتهامات والشبهات ومن الضروري متابعة الحوار معهم وتعزيزه.
في الوقت نفسه يزداد اهتمام كثير من الألمان بتصحيح تصوراتهم وسوء فهمهم للإسلام، وبدعوة التقارب بين الثقافات والمعتقدات. ويبدو أن تقديم الأخبار والتعليقات حول الإسلام والبلدان الإسلامية من قبل وسائل الإعلام لا يطفئ ظمأهم المتزايد للاطلاع والاستيعاب، واتضح ذلك مثلًا في يوم الباب المفتوح للمساجد في ألمانيا، وهو يوم سنوي مخصص لحملة التعريف بالإسلام بأسلوب الباب المفتوح أمام الزوار من غير المسلمين، إذ كان إقبال الناس على المساجد هذا العام كبيرًا، وكانت رغبتهم في التعارف والحوار أكبر أيضًا، من ناحية أخرى ذكرت دور النشر والمكتبات الألمانية على هامش معرض الكتاب الدولي في مدينة فرانكفورت أن حجم مبيعات الكتب حول الإسلام تزايد بشكل هائل وبنسبة أعلى من الكتب الأخرى وتفاعلًا مع ذلك حرص تجار الكتب على تقديم عروضهم مما يتعلق بالإسلام والعالم الإسلامي وإبرازها للعيان أكثر من في المعرض.
ومن الملاحظ أن كثيرًا من غير المسلمين في ألمانيا لم يعودوا يكتفون بمتابعة الأخبار والتقارير فحسب، فهم يحاولون أيضًا متابعة الأحداث الجارية والتطورات على الساحة الدولية بطرح أسئلة حول أسباب وجود الإرهاب وخلفيته، وتنتشر أيضًا محاولات التمحيص والنقد لنوعية الإجراءات الداخلية والخارجية، وتقدير ما إن كانت مناسبة أم مبالغًا فيها.
ولكن يبدو أن الشخص العادي لا يصل إلى فهم حقيقي وعميق للوضع، ويتضح ذلك في مسألتين: أولًا فيما يتعلق بتقدير ما إن كانت الضربات على أفغانستان ضرورية ومشروعة، وثانيًا: إن كان لتشديد القوانين الأمنية الداخلية مبرر فعلي.
بالنسبة إلى استخدام القوة في الحرب ضد الإرهاب، بما في ذلك شن هجمات عسكرية على أفغانستان، فإن حوالي ٤٠% من الألمان يؤيدون رد الفعل الأمريكي، ولكن تفضل الأكثرية استطلاعات الرأي أساليب الدبلوماسية والمحادثات وتعارض الهجمات الأمريكية، وليس مثل هذا الموقف الرافض لسياسة القوة بدهيًا، نظرًا إلى مواقف السياسيين، فباستثناء أصوات القليل منهم، ممن يرفض الرد المسلح، يؤيد سائر المسؤولين الهجمات على أفغانستان كوسيلة ضرورية ومشروعة لمحاربة الإرهاب وتثبت المظاهرات داخل المدن والتي شارك فيها الآلاف وجود كثيرين ممن يشكون في الحقائق الثابتة والمبررات التي يقدمها المسؤولون ووسائل الإعلام، ويشكون أيضًا في صلاحية العمليات العسكرية ومشروعيتها.
أما بالنسبة لتشديد القوانين الأمنية داخليًا فإن ٧٥% من الألمان يتقبلون الحد من مفعول قوانين حماية المعلومات الشخصية لصالح مكافحة الإرهاب مكافحة أفضل، أي يقبلون تحديد حقوقهم الشخصية وحرياتهم مقابل شعور أكبر بالأمن والاستقرار، ولكن توجد أيضًا تحذيرات واضحة من سياسة الحد من الحريات، وتصدر عن بعض الجهات المثقفة، كما كان في لقاء لأعضاء أكاديمية برلين للفنانين، حيث انتقد الكاتب الأدبي المعروف غراس رد الفعل المبالغ فيه، في سياسة وزير الداخلية شيلي، وأبرز خطر الحد من الحريات الأساسية المضمونة في الدستور كنتيجة تنجم عن تشديد القوانين الأمنية.
مستقبل المسلمين في ألمانيا:
من المؤكد أن حياة المسلمين في ألمانيا دخلت مرحلة جديدة بعد هجمات أمريكا، وبعد انطلاق حملتها المركزة والواسعة الإعلامية والسياسية- وليس العسكرية فقط تحت شعار الحرب ضد الإرهاب، بزعامتها، وتبن من الدول الأوروبية.
هذه الحملة تضع المسلمين في ألمانيا تحت ضغوط عديدة منها:
أولًا: الإهانات والاتهامات والصعوبات المتزايدة التي يواجهونها في حياتهم اليومية.
ثانيا: القلق من إمكانية توسع العمليات العسكرية الأمريكية تحت غطاء مكافحة الإرهاب على دول إسلامية أخرى.
ثالثًا: القلق من أبعاد الإجراءات الأمنية المشيدة ومدى تأثيرها على مجرى حياتهم وخصوصياتها وممارسة حرياتهم.
ولكن نرصد في الوقت نفسه بعض الإشارات الإيجابية داخل المجتمع الألماني، يمكن الاعتماد عليها في مواجهة الصعوبات واجتياز الأزمة الحالية، والسؤال المطروح هو كيف يتعامل المسلمون مع الأزمة في هذه المرحلة، وما المخرج الأفضل لهم من المشكلات المتراكمة؟
نشاهد ردود فعل مختلفة داخل صفوف المسلمين؛ إذ يوجد من اعتزل المجتمع وتقوقع في داره مترقبًا حذرًا، وهناك من يفكر بالهجرة إلى دولة إسلامية، ويوجد من يتخذ إجراءات وقائية لحماية نفسه من هجوم ما، ويوجد من يحاول أن يدلي بتصريحات توضح موقف المسلمين، ومن يعزز جهوده في الدعوة ومحاورة غير المسلمين داعيًا إلى التفكير وإلى تمحيص ما يحيط بهم من تحيز في نطاق تقديم المعلومات.
لكن رد فعل عامة المسلمين على الاتهامات يبقى دفاعيًا، يسعى للمسايرة ودفع الشكوك، وهو موقف لا يحقق المصلحة الإسلامية، ويوحي بالضعف والاستسلام للأمر الواقع الذي يسيء إلى مستقبل المسلمين.
ونلاحظ في ألمانيا أن الأصوات التي تعارض علنا الإباحة المطلقة لأمريكا لاستخدام العنف والتي تعارض الهجمات على أفغانستان هي أصوات الألمان من غير المسلمين، بما فيها الأصوات التي تحذر من خطر تشديد القوانين الأمنية التي تشكل ضررًا على المسلمين، فهي أصوات غير المسلمين في الدرجة الأولى، وعندما يبحث عامة الناس عن جهة ما في محاولة التعرف على الإسلام أو المسلمين بصورة أفضل من خلال قول خبير أو مضمون كتاب أو مقال لا يجدون أمامهم- مع بعض الاستثناءات- إلا خبراء مستشرقين أو كتبًا بأقلام غير المسلمين يتحدثون عن حقيقة هذا الدين وعن المؤسسات الإسلامية وعن العالم الإسلامي.
ويلاحظ على الجهود التي يبذلها ممثلو المؤسسات الإسلامية أنها محدودة، بسبب عدم وصول التعاون إلى المستوى الضروري واستمرار أثر اختلاف الآراء بالإضافة إلى خوف كثير من ممثلي تلك المؤسسات من توريطها وتوريط أنفسهم في المشكلات، والجدير بالذكر في هذا السياق، أن من يتحرك حاليًا بجدية وجرأة أكبر، هم الشبيبة الإسلامية في ألمانيا الذين يشاركون في ندوات ولقاءات للحوار وفي برامج تلفازية ويستغلون الاهتمام المتزايد بموضوع الإسلام والمسلمين لتقديم أنفسهم ودينهم ولمواجهة الاتهامات بأسلوب مقنع وفعال، إن المرحلة الحالية فرصة للمسلمين في ألمانيا وفي كل مكان في الغرب- لأنها تكشف عن مواطن الضعف وتدفع إلى العمل، لا سيما وأن الواجب المطروح كبير يجب أداؤه، وبالمقابل فإن فرص التأثير واسعة تجب الاستفادة منها، وهنا تبدو الأزمة الراهنة مرحلة على الطريق إلى مستقبل أفضل للمسلمين في ألمانيا، أو إلى مستقبل أسوأ.. وكلا الأمرين راجع إلينا، وإلى تلافي النقص الراهن الذي يؤدي إلى شلل الجهود في وقت نحتاج فيه إلى القوة والاقتناع والعلم والوعي مع الإيمان بالله تعالى وطلب عونه.
وماذا بعد الرعب في أمريكا؟
أوان المراجعات
د. عصام العريان
• لم تكشف النخبة الأمريكية عن حقيقة موقفها من أطروحة صدام الحضارات إلا أن الممارسات الأمريكية الأوروبية تشير لقناعة قطاعات كبيرة بها.
الولايات المتحدة أمة حديثة نسبيًا نشأت عقب حرب الاستقلال عن بريطانيا في القرن الثامن عشر، ثم انشغلت بحربها الأهلية وعكفت على بناء قدراتها، مما صرفها عن هموم العالم القديم، ومنها الحروب التي أنهكت أوروبا، وساعد ذلك على تشكل أمة تميزت بميزات عدة كتب حولها محمد حسنين هيكل في مجلة الكتب: وجهات نظر، عدد أغسطس الماضي حيث عدد اثني عشر مفتاحًا لفهم أمريكا.
ومع مقدم القرن العشرين بدأت أمريكا بالتقدم بحذر نحو العالم الجديد، حتى نشبت الحرب العالمية الأولى، ووقع أكبر تطور في الدبلوماسية الأمريكية نتيجة اعتداءات ألمانية متكررة بغواصاتها على السفن الأمريكية، فدخلت أمريكا الحرب الأولى إلى جانب الحلفاء واقترنت مشاركتها بفكرة أبعد مدى عبر عنها الرئيس «ولسون» في خطابه للكونجرس طالبًا إعلان الحرب حينما قال: «إن العالم يجب أن يكون ملاذًا آمنًا للديمقراطية.. وبذلك خرجت أمريكا على مبدأ مونرو الذي فرض عليها العزلة.
لكن سرعان ما عادت أمريكا إلى عزلتها بعد انتهاء الحرب الأولى، ولم تنضم إلى عصبة الأمم ولم تتورط في مشكلات أوروبا بعد الحرب وكانت تبدي النصح من بعيد حتى نشبت الحرب الثانية، ثم حدث الهجوم الياباني على ميناء بيرل هاربور فأعلنت أمريكا الحرب في ديسمبر ١٩٤١م.
لم يكن تدخل أمريكا هذه المرة مسألة عاطفية أو مثالية فقط، ولكنه يرجع إلى شعور عميق بأنها تدافع عن كيانها وسلامة نظمها، فنزلت إلى الميدان بكل قوتها ومواردها واشتركت قواتها في سائر الميادين ثم شاركت في غنائم الحرب، ثم اشتركت في صياغة النظام العالمي بعد الحرب شروط التسليم مؤتمر بوتسدام معاهدات الصلح، ثم توجت ذلك بميثاق الأمم المتحدة واستضافت مقرها في نيويورك.
كان نزول أمريكا إلى المعترك العالمي إيذانًا بعهد جديد، فهو يقوم على التنافس الاستعماري والسيادة العالمية، وكان شعارها الدفاع عن والديمقراطية ومقاومة الخطر الشيوعي بالوقوف ضد سياسة التوسع الروسي، وعملت على تطويق روسيا بأحلاف وقدمت من أجل ذلك معونات هائلة لأوروبا وغيرها، وخيمت الحرب الباردة على العالم وأخيرًا نجح الرئيس ريجان في اعتماد خطة لتحطيم الاتحاد السوفييتي الذي سماه إمبراطورية الشر، وحدث ذلك بالفعل بعدما غرق الروس في المستنقع الأفغاني، وكان أن تفكك المعسكر الاشتراكي بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وشعر الناس أن أمريكا قد انفردت بالعالم قطبًا وحيدًا ليس له منافس.
كانت تلك مقدمة ضرورية للإجابة عن الأسئلة حول أمريكا والعالم:
هل تغير أمريكا سياستها العالمية؟ هل تتجه إلى مزيد من الانفرادية أم تميل نحو المشاركة؟
هل العالم في حاجة إلى نظام بديل عن الأمم المتحدة؟
هل تظهر أقطاب جديدة في العالم أم تظل أمريكا القطب الوحيد؟
هل نحن في الطريق إلى صدام الحضارات؟
وهل يبدأ بصدام غربي مع العالم الإسلامي؟
أسئلة كثيرة حول تداعيات أحداث نيويورك وواشنطن نحاول الإجابة عن بعضها أو تقديم مفاتيح لحوار يتيح لنا مساحة أوسع للرؤية والنقاش، وبين يدي ذلك لا بد من ذكر بعض الأمور:
أولًا: أن أي تغيير وخاصة في سلوك الدول والحكومات لا يحدث فجأة، ولقد احتاجت الولايات المتحدة قرابة قرن ونصف القرن كي تخرج من عزلتها وفق مبدأ مونرو لتتحول إلى شريك فاعل ثم إلى قطب أوحد.
ثانيًا: إن اهتمام المواطن الأمريكي بالسياسات الخارجية منعدم تقريبًا، وأي تحول في هذا الصدد سيؤثر على القرار الأمريكي، فإرساء الاهتمام بالشؤون الخارجية ثم محاسبة الإدارات على سياستها الخارجية ومردود تلك السياسات على الداخل سيؤثر بدرجة كبيرة على التوجهات الخارجية.
ثالثًا: كل تحول ستكون له تبعات ضخمة خاصة إذا كان عكسيًا، وسيؤدي إلى فراغ دولي وقد يكون مطلب حلفاء وأصدقاء أمريكا هو بقاء دورها العالمي ولكن أي دور وفي أي اتجاه.
رابعًا: أي دور أمريكي لن يكون حاسمًا إذا لم تحدد الأطراف الأخرى مواقفها، وهذه المواقف إما أن تكون فردية أو في صورة تحالفات وتكتلات دولية، وهذه ستتشجع بالقطع بعدما رأت الأسد جريحًا، وهو الذي ظن أو ظن الجميع أن النيل منه صعب جدًا.
خامسًا: ما تسفر عنه التحقيقات وما تكشف عنه الأيام حول حقيقة ما حدث وكيف ولماذا حدث ومن الذي قام به هذه الأمور ستشكل اتجاه السياسة الأمريكية الخارجية للقرن الحالي كله.
الحاجة إلى نظام جديد:
أسفرت أحداث العقد الأخير التي توجها حادث 11/9 عن حقيقة باتت واضحة وهي حاجة العالم إلى نظام جديد:
فدور الأمم المتحدة الحالي خاصة في الأزمة الحالية ضعيف جدًا، وأبرز ما تقوم به الآن أمران:
توفير غطاء لما تريده وتقوم به الولايات المتحدة فعلت ذلك في قضية مراقبة الأموال لتجفيف منابع التمويل للجماعات الإرهابية وفق تعريف الولايات المتحدة.
السعي لدور إغاثي يعالج آثار الضربات الأمريكية.
وسينعكس ذلك في نقاش حول النظام العالمي الجديد وطبيعته وتوازن القوى داخله.
وهنا لا بد أن نسترجع حقيقة أن النظام الدولي القديم الذي أقترحه الغرب خلال القرن الماضي وانفرد بصياغته ورعايته قد فشل فشلًا ذريعًا فعصبة الأمم فشلت في منع نشوب الحرب العالمية الثانية والأمم المتحدة فشلت في تحقيق السلم والأمن الدوليين، ففي خلال نصف قرن زاد عدد الصراعات الإقليمية على مئة صراع- قتل فيها ما يزيد على مئة مليون نفس كما تقول بعض الدراسات- شملت كل أنحاء المعمورة عدا أوروبا التي مسها الصراع في العقد الأخير فقط في البلقان «وكان الضحايا من المسلمين».
وأخيرًا جاء الدور على أمريكا التي لم تشهد كارثة من قبل مثل التي أصابتها، ولاحظ شعور الأمريكيين الحساس تجاه ضحاياهم، بينما لم يتوافر الإحساس ذاته تجاه المذابح التي جرت للملايين في إفريقيا والبلقان وفلسطين والعراق.
ولكن هل نحن في حاجة إلى حرب عالمية جديدة لتشكيل النظام الجديد وهل مجرد الحاجة إلى نظام دولي مبرر لإخراجه إلى الوجود؟ ولماذا لا نهتم بداية بأوضاعنا الخاصة، وطنيًا وقوميًا وإسلاميًا لمدة عقد أو عقدين حتى نستطيع أن نساهم بقوة في نظام جديد؟!
لقد دعا بوش الأب إلى نظام عالمي جديد في أعقاب حرب الخليج الثانية، وعاش العالم حالة سيولة وفوضى ازدادت فيها الصراعات لمدة عقد كامل، وها نحن الآن نشعر بانعدام الوزن، فقد اعتدنا عالميًا على وجود مظلة دولية، ولكن إذا تمت صياغة نظام دولي جديد الآن فمن سيقرر شکله، ودوره وما يتعلق به؟
إن الدعوة الحالية إلى الاحتماء بالمظلة الدولية المقاومة الإرهاب تمثل رغبة في التخلص من أسر التبعية لأمريكا أكثر مما تمثل شعورًا حقيقيًا بأن الأمم المتحدة وأمينها الحالي قادران على إنجاز المهمة، ولعل مرد ذلك أن أمريكا قد فشلت حماية أمنها ومواطنيها فكيف تقوم بمهمة حماية العالم؟! إن الرؤية الأمريكية للأمم المتحدة حاكمة في هذا الصدد، وهذه الرؤية ستتشكل في ظل إدارة جمهورية جاءت في طور من تصاعد المد اليميني في الغرب كله وازدياد نفوذ الأصولية المسيحية- الصهيونية.
وها نحن نرى الولايات المتحدة في الأزمة الحالية حسمت أمرها في البداية حددت العدو، وقررت معاقبته وبدأت التنفيذ ثم دعت الآخرين إلى الانضمام إلى الحملة دون مراجعة حقيقية لجوهر هذه السياسة التي هي استمرار لسياسة قديمة، وذلك يعكس رغبة انفراد بالعالم تسعى لتحقيق المصالح الأمريكية وحدها حتى دون النظر المصالح الأصدقاء أو الحلفاء، ولنضرب مثلًا في الأزمة الحالية بباكستان التي أضيرت كل الضرر:
فحليفتها «طالبان» تقرر إزالتها من الوجود دون وجود بديل واضح.
وقضية كشمير، التي توحد الشعب الباكستاني كله باتت في مهب الريح.
وعدوتها التقليدية، الهند، حققت مكاسب هائلة حتى الآن على حسابها.
وبرنامجها النووي الذي تفخر به ويحقق لها توازن القوى أصبح مهددًا بالإلغاء.
كل ذلك دون تشاور أو تفاهم أو حتى مجرد العطف.
إن الأحداث الأخيرة تبين بجلاء أن الولايات المتحدة:
تتجه نحو مزيد من الانفرادية في اتخاذ القرار.
وتريد من الأمم المتحدة مجرد غطاء لسياستها.
وتتجاهل مصالح بقية الدول حتى الحلفاء والأصدقاء.
وتعتمد سياسة العقاب والتحذير بدلًا من التشاور والتفاهم.
وتعمل على بناء نظام جديد تقرر هي قواعده وتتحلل من الاتفاقيات القديمة.
وهي تشعر بعجز الآخرين وعدم قدرتهم على مساعدتها في أزماتها لأنهم غير قادرين على حل أزماتهم، ولذلك تنشر أفرادها في كل مناطق العالم لتقوم بالمهام الخاصة بنفسها لذلك نرى رجال التحقيقات الفيدرالية في أكثر من دولة يقومون بالتحقيقات أو يتابعونها عن كثب.
موقف بقية الأطراف:
الانفراد الأمريكي لا يعني غياب بقية الأطراف، وهناك إمكانية الآن بعد الجرح الأمريكي الكبير والانفعال الزائد في معالجة آثار الحدث هناك إمكانية لبروز دور الأطراف أخرى دول وتكتلات بل وإمكانية بناء أحلاف جديدة.
الآن جاء دور الصين وروسيا بل وأوروبا، وهناك إمكانية خلال نصف قرن لدور آخر للعالم الإسلامي وأول شرط لإمكانية بناء تحالفات جديدة والقيام بأدوار جديدة هو إعادة صياغة العلاقة مع الولايات المتحدة.
فأوروبا مثلًا تحتاج إلى جهد لفك الارتباط مع أمريكا والخروج من أسر التبعية والتخلص من الشعور بالإثم تجاه أحداث قرنين من الزمان الـ (١٩) أو الـ (۲۰) وتحرير الاقتصاد الأوروبي من أسر الاقتصاد الأمريكي: فهل يقوى «اليورو» على منافسة «الدولار» أعتقد أنه على الطريق خاصة أن آثار التفجيرات على الاقتصاد الأمريكي لم تظهر بعد، وأخطر هذه الآثار تلك الآثار النفسية التي تظهر بطيئة لكن تستمر طويلًا.
أما الصين فهي مؤهلة وبشدة لتكون القطب الآخر، فالكتلة البشرية الهائلة والنمو الاقتصادي المتسارع، والتحالفات الإقليمية التي تتشكل مع إيران وروسيا، ومحاولات مع باكستان، ثم إمكانية التوصل لمصالحة تاريخية مع عدوتها الشرقية اليابان، وربما تتزعم التكتل الإقليمي «أسيان» وقد نجحت حتى الآن في تحييد أمريكا تجاه الوضع السياسي داخل الصين، وهي- رغم عدم تطوير نظامها السياسي وبعض مشكلات الأقليات المسلمة والصينية- تحتفظ بتماسك اجتماعي كبير، وهي تحتاج إلى بناء علاقة جيدة مع العالم الإسلامي وأن تسمح للأقلية المسلمة الكبيرة (٧٠ مليونًا) بحريات دينية أكبر وحقوق مدنية متساوية حتى لا تثير عليها محيطًا هائلًا بجوارها، وهناك دول يمكن أن تنضم إلى تحالف جديد تقوده الصين، وقد ألم المسلمين بشدة توارد أنباء عن إقدام السلطات الصينية مؤخرًا على إعدام عشرات الدعاة المسلمين في غمار الأحداث الأخيرة.
أما الموقف الأمريكي فستحسمه قدرات الأطراف الأخرى على بناء تحالفاتها الخاصة وقطعًا ستسعى أمريكا لمنع هذه التحالفات من البداية ثم لإعاقتها بعد ذلك، وقد تعاديها وتحاربها، لذلك فإن الرؤية الأمريكية الحالية للعالم التي تمزج بين الانعزالية بمعنى الانفرادية والسيطرة لتحقيق المصالح الأمريكية فقط والغرور والشعور بالقوة رغم الجراح، هذه الرؤية التي ستشجع الآخرين على تشكيل تحالفاتهم الخاصة.
وهذه سنة إلهية ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ (البقرة : ٢٥١).
صدام الحضارات: لم تكشف النخبة الأمريكية عن حقيقة موقفها من أطروحة «صدام الحضارات»، إلا أن الممارسات الأمريكية وتابعتها الأوروبية تدلل بوضوح على أن هناك اقتناعا لدى قطاعات كبيرة بهذه الأطروحة.
فالإسراع باتهام أطراف عربية وإسلامية مع بداية الأحداث يؤكد ذلك.
وتصريحات الرئيس بوش حول الحرب الصليبية- رغم الاعتذار عنها بعد ذلك- تؤيد أن ذلك الاتجاه موجود في الفكر الباطن ويتسرب إلى التصريحات العلنية.
ومساهمات رئيس وزراء إيطاليا «بيرلسكوني»، صبت الزيت على النار ومسارعة وفد الاتحاد الأوروبي ووزير خارجية بريطانيا لزيارة عواصم عربية تبين ازدواجية السياسة ومحاولة التقليل من رد الفعل المتوقع عند العرب والمسلمين.
والخشية المتزايدة في الغرب، والتساؤلات الملحة حول رد فعل الشارع العربي والإسلامي لأي ضربات لا على أفغانستان فحسب، بل على دول عدة ظهرت في الخرائط التي سربتها دوائر البنتاجون وكلها عربية، كل ذلك يؤدي إلى استنتاج واضح أن الدوائر والنخب التي تشكل السياسة الخارجية الأمريكية اختارت عدوًا واضحًا وحددت سياسة صدامية وأنها تريد أن تجهض أي محاولة جادة لبناء أمة واحدة وحضارة مختلفة عن الحضارة الغربية.
لقد ساهمت السياسات الخارجية الأمريكية المنحازة على الدوام للجانب الصهيوني في خلق مستوى جديد من العداء على مستوى الفرد العادي الذي لم يستطع إخفاء مشاعره عندما وقع الحادث رغم البيان الشرعي والمواقف الرسمية والإضافات المتتالية من جانب المنظمات والهيئات.
وهذا يفرض علينا تحديًا جديدًا خطيرًا: فهل توسع دائرة الأمن القومي لتشمل الدائرة الإسلامية؟ وهل نوسع دائرة التعاون الاقتصادي لتشمل العالم الإسلامي؟ «لاحظ تجربة الدول الثماني المتعثرة التي تضم «۸۰۰ مليون نسمة»، وهل نبدأ في اهتمام ثقافي واجتماعي بدول إسلامية لم نكن نبالي بها وأصبحت أحداثها تؤثرعلينا مثل أفغانستان؟
باختصار: هل نتخلص من آثار فترة الاحتلال التي فرضت علينا أوضاعًا ونظمًا ودوائر وصراعات نحن في حاجة إلى مراجعتها كلها؟ هل نستطيع أن نقود أمة إسلامية بخطاب إسلامي معاصر للمساهمة في بناء نظام دولي جديد والتعاون من أجل حضارة إنسانية عالمية تحقق العدل والخير والمساواة فضلًا عن الأمن والسلام للبشرية كلها.
هذا هو التحدي الحقيقي.. والله المستعان.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل