العنوان مستقبل اللغة العربية بين أدب العامية.. والالتباس الثقافي
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 22-أغسطس-2000
مشاهدات 63
نشر في العدد 1414
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 22-أغسطس-2000
لغتنا في خطر؟!
من الصعب تصور أن أدب العامية هو التطور المستقبلي للفصحى وآدابها في لغة حية مثل العربية لأن مرجعيتها ثابتة ومحفوظة
لا شك في أن أدب العامية بفطرته وعفويته أكثر قربًا للوجدان الشعبي وتعبيرًا عنه وهو يوفر للبسطاء فنًا قريبًا من وجدانهم وحارسًا قويًا لقيمهم الثابتة.. لكن تعميم العامية في بلد عربي تتفاوت لهجاته هو ضرب من التعسف
إذا كان اليهود قد بعثوا لغة ميتة بلا تراث عظيم بعد 4 آلاف سنة وهي أكثر صعوبة نطقًا ونحوًا من العربية.. فما بالنا نتطوع لإهدار لغتنا العظمى.. ولحساب من؟!
يجب الفصل بين موقفين.. أدب العامية الذي يسعى للاقتراب من الفصحى ويستلهم لغة الشعب وروحه.. وأدب العامية الذي يناقض أدب الفصحى ويحاول أن يكون بديلًا له ولا يخضع لتقاليد أدبية أو قيم فنية
بقلم د. حلمي محمود القاعود (*)
لغتنا العربية واقعة بين شقي رحى دعاة التغريب والعلمنة..
فبينما الصهاينة «يعبرنون» الحياة في فلسطين، ويضعون العرب هناك في أتون التذويب الثقافي.. يقف التغريبيون عندنا بالمرصاد لأي خطوة نحو تعريب العلوم، وبالتالي تعريب الثقافة.. وفي الوقت نفسه وعلى خط متوازٍ تتصاعد موجة الترويج للعامية على حساب الفصحى!
ما المطلوب بالضبط أكاديميًا وثقافيًا ورسميا تجاه الحفاظ على لغتنا قوية؟ وهل هناك خصومة حقيقية بين العامية والفصحى؟ وهل يمكن أن تكون العامية رديفاً للفصحى في تشكيل الوعي والثقافة والتعبير عن الواقع الاجتماعي والسياسي؟ ما دور مجمع اللغة العربية والمؤسسات العلمية الأخرى؟
الإجابة في الصفحات التالية..
ينشأ الالتباس الثقافي حول أدب العامية لبعض الأسباب، أهمها أن هناك من يتصور أن أدب العامية بديل لأدب العربية الفصحى أو بوصفه التطور المستقبلي لها، وهو ما يفرض السير قدمًا في طرح الشعر العامي والقصة العامية والرواية العامية والدراما العامية، والمقالة العامية.. بديلًا لما عرفه العرب على امتداد ستة عشر قرنًا من الزمان، وتذوقوه بصيغ مختلفة.
وهناك من يتصور أن أدب العامية يمثل حلقة من حلقات إحكام السيطرة والهيمنة على الأمة العربية بعد أن تتخلى عن الفصحى وتختار العامية حيث تتباين الأقاليم العربية على أساسها وتتمايز، وتشكل هويات جديدة مختلفة.
وهناك من يرى أن أدب العامية ليس بديلاً لأدب الفصحى بقدر ما يعد تجسيماً له ومتمماً، على أساس أن الوجدان الشعبي تصنعه عوامل عديدة وتشكله من خلال تفاعل خلاق.
ومن الصعب تصور أن يكون أدب العامية هو التطور المستقبلي للفصحى وآدابها، في لغة حية مثل اللغة العربية، لأن مرجعيتها ثابتة ومحفوظة، وهذه المرجعية ترتبط أساساً بالدين والحضارة من خلال القرآن الكريم، الذي هو كتاب المسلمين الأول، يرجعون إليه في عباداتهم ومعاملاتهم، وهو جزء من شعائر صلواتهم وأدعيتهم، ثم إنه أساس حضارتهم وثقافتهم التي تشملهم مع غيرهم من أصحاب العقائد الأخرى المقيمين معهم.
إن العامية تبدو بديلاً متطورًا غير مقبول، وغير ممكن في الحاضر وفي المستقبل، صحيح قد تتغلب لهجات محلية، بل لغات أجنبية على الناطقين بالعربية في بعض البلدان الإسلامية، كما حدث في الدول الإسلامية التي كان يحتلها الروس في نطاق ما كان يعرف بالاتحاد السوفييتي، وطغت لغات جديدة حلَّت محل العربية الفصحى، أو حلَّت محل لغات كانت العربية الفصحى تهيمن على معظم معجمها كما جرى بالنسبة للغة العثمانية في تركيا إبان حكم «مصطفى كمال».. ولكن هذا البديل لم يصلح، ومع أن هناك من حاول الاقتداء بالأتاتوركية، وإحلال لهجة عربية محلية محل العربية الفصحى، إلا أن هذه المحاولة باءت بالفشل، كما جرى في لبنان على سبيل المثال، لقد بدأت الدعوة إلى اتخاذ اللهجات العامية، منذ بدايات الاحتلال البريطاني لمصر عام ١٨٨١م، ولم تتوقف حتى اليوم - ووجدت من يؤازرها ويدعمها من الأجانب والعرب، على النحو الذي فصلته دراسات عديدة معروفة، ولكنها لم تنجح لخصوصية اللغة العربية وطبيعتها.
ولعل من المناسب أن أورد هنا إشارة سريعة إلى محاولة راهنة يقوم بها أحد الكتاب اعتقاداً منه أن العامية هي الطور الرابع من أطوار اللغة المصرية الأم كما يسميها، يقول ما نصه: «لو حد سأل ليه باكتب اللغة دي؟ ح أقول له باختصار: باكتب اللغة المصري الحديثة ع شان هي لغة الأم بالنسبة لي، اللغة اللي بافكر بها وباحلم بها وما باغلط ش فيها أبدن لا في نحوها ولا صرفها ولا في نطقها، اللغة اللي سيطرتي عليها ما حدش يقدر يضاهي ني فيها، اللغة اللي ما احتاج معها لمصحح لغوي يمشي بقلمه وراي، اللغة اللي هي المرحلة الرابعة في تطور لسان المصريين بعد الهيروغليفي والديموتيكي والقبطي» (١)
كلام غير علمي
وهذا كلام غريب وعجيب، وغير علمي، لأنه لا يقوم على أسس صحيحة ولا أدلة واضحة، فما يكتبه صاحب الكلام، لا يمثل مرحلة رابعة كما يدعي، ولكنها عامية تحورت عن فصحى، ولا علاقة لها بالقبطي أو الديموتيكي أو الهيروغليفي، والمفارقة أن صاحبنا يعلل كتابته بالعامية بأسباب واهية. فهو يعدَها اللغة الأم، واللغة التي يفكر بها ولا يغلط فيها، واللغة التي تتحقق سيطرته عليها، ولا يحتاج معها لمصحح لغوي، وهذا تعبير عن ضحالة فكرية وسطحية في الوعي، واستسهال رخيص في التعامل مع اللغة.
إن العامية الراهنة ليست لغة أماً، وستة عشر قرناً من الزمان عاشتها العربية، وأنتجت تراثاً ضخماً وعظيماً شكل جزءاً رئيساً من الحضارة الإنسانية، كفيلة بإفحام أي شخص يدعي صعوبة في النحو والصرف، أو عدم قدرة في السيطرة على اللغة العربية، وإذا كان اليهود قد بعثوا لغة ميتة. بلا تراث عظيم - بعد أربعة آلاف عام، وهي أكثر صعوبة في الكتابة والنطق والنحو والصرف عن العربية، فما بالنا نتطوع بإهدار لغتنا العربية الفصحى؟ ولحساب من؟
إن البعض يدعي أننا نفكر بالعامية ونكتب الفصحى، وهي ازدواجية تسبب قصوراً ومشكلات كما يتصورون، وهذه حجة مردود عليها، كما يقول الدكتور عز الدين إسماعيل، فاللغة الإنجليزية في الشارع تختلف عن لغة الكتابة، وعندما يكتب الشخص بالإنجليزية لا يستخدم هذه اللغة المختلفة.. الأكثر من ذلك أن التفكير والكتابة بالفصحى أيسر، لأن العامية مساحتها قليلة لا تستوعب ما تستوعبه من أفكار. (٢)
إن الفصحى بمرجعيتها في العالم العربي لن تتغير، وإن اعترتها حالات من الضعف والجمود، وقد مرت الفصحى بمثل هذه الحالات تحت ظلال الحكم العثماني والنظام الاستعماري، ولكنها عادت مرة أخرى تنهض وتنمو وتعيش مرحلة جديدة من الازدهار في بعض جوانبها.
ويلاحظ أنه رافق حالة الازدهار هذه، انتشار أدب العامية ممثلاً في الأغنية الشعبية والموال والزجل بأنواعه والمسرح والأوبريت والتمثيليات الإذاعية والتلفازية، دون أن يطغى هذا الأدب على اللغة الفصحى أو يحل مكانها، بل كان في معظم الأحيان طريقاً إليها، عندما ارتقى بالعامية إلى مستوى آخر من التعبير يعتمد الألفاظ الفصيحة السهلة التي يفهمها العامة في أنحاء العالم العربي، وصارت هذه الألفاظ جزءاً من المعجم العام المشترك بين المواطنين.
2
تتباين العامية من جيل إلى جيل، ومن مكان إلى مكان، ويصعب فهما في أحيان كثيرة، خارج الزمان وخارج المكان، لأن النطق من بلد يختلف عنه في بلد آخر، فالعامية الجزائرية مثلاً يصعب فهمها خارج الجزائر، والعامية الخليجية قد تستغلق على بعض أبناء الجزيرة العربية أنفسهم، وقد رأيت في بعض بلدان الخليج ولعاً ملحوظاً بما يسمى «الشعر النبطي»، وحاولت جاهداً أن أستوعبه أو أفهم دلالته، ولكني أخفقت إخفاقاً ذريعاً. وقد سألت صديقاً أن يعينني على فهم هذا الشعر، فأخبرني أنه لا يفهم كثيراً من مفرداته.
ومن ثم، فإن أدب العامية في كل الأحوال هو أدب مرحلي ومحلي، يخاطب زمناً بعينه، ودائرة بذاتها، وهو بهذه الصيغة يتكامل مع أدب الفصحى، ولا يصنع من نفسه بديلاً له، ويؤدي دوراً مفيداً، وخاصة على المستوى الشعبي العام.
إن تعميم العامية في بلد عربي مع التفاوت اللهجي في مناطقه المختلفة، يبدو ضربًا من العسف والتكلف، ولا يخدم أدب العامية بحال، والأولى أن يظل هذا الأدب في إطاره المحدود زمانًا ومكانًا مع إفادته من الفصحى وارتقائه بمعطياتها، ولنا في بيرم التونسي، وبديع خيري، وفؤاد حداد، وغيرهم، نماذج دالة على ترقية العامية، والاقتراب بها إلى دائرة الفصحى.
فطرية.. العامية
ولا شكَّ أن أدب العامية بفطريته وعفويته أكثر قرباً من الوجدان الشعبي وتأثيراً فيه، كما أنه أكثر قدرة على التماس مع هموم البسطاء وعامة الناس، وإذا كان الأدب الفصيح القائم على المذهب الواقعي بألوانه المختلفة قد حاول أن يقوم بهذا الدور بطريقة ما، فإن أدب العامية بحكم انطلاقه من أرضية شعبية بعيدة عن التفلسف المذهبي والتعقيد الفكري، يملك القدرة على التعبير المباشر عن الوجدان الشعبي بما يمتع هذا الوجدان، ويحافظ على قيمه الأصيلة ومشاعره الدقيقة، وفي الوقت الذي يذوب فيه بعض النخب مع قيم وافدة لا يتقبلها الوجدان العام، أو يرفضها، لكونها مغايرة أو معاكسة لأمانيه وطموحاته. فإن أدب العامية يوفر للبسطاء والعامة فناً قريباً من وجدانهم، وحارسًا أصيلًا وقويًا على قيمهم الثابتة وتقاليدهم الأساسية.
إن ديوان الأدب العامي بما يضمه من موروث قديم أو حديث، سواء في المنظوم أو المنثور، يلتصق بهموم العامة وأحلامها، ويميّزه في هذا السياق أداء فني يتسم بالصدق والعفوية والتلقائية، ولأنه كان يعتمد غالباً على المشافهة، فقد حفظته الأجيال ورددته في مناسباتها المختلفة، وأماسيها المتتالية، ومسامراتها المتعددة دون أن تمله أو تلفظه.. ولعل المشافهة يسرت لهذا الأدب استمراره وانتقاله من جيل إلى جيل، فضلاً عن صياغته المحكمة من خلال التشويق والموسيقى وتقديمه للجمهور في صورة محبوبة ومرغوبة.
حقق أدب العامية من خلال ارتباطه بالواقع الشعبي، وقيامه على أساس اجتماعي ماثل، وحرصه على التقاليد الأدبية الأصيلة والذائقة الشعبية النقية، حقق شيوعًا واضحًا وانتشارًا كبيراً، وخاصة في فترات الضعف والجمود وانحسار التعليم. ويمكن القول إن أدب العامية قد حقق ما نستطيع أن نسميه بالحفاظ على الهوية، والصمود في وجه عوامل الانهيار والتردي، والتحريض على التماسك الجماعي، والنهوض الإنساني.. ولعل المرحلة الاستعمارية في مصر والدول العربية من أوضح الأمثلة على ذلك، حيث كان القصص الشعبي والموال من عناصر التعبير عن رغبة شعبية عارمة في مواجهة الواقع البائس، والمستعمر القاهر، والمستبد الظالم.. كما كان وسيلة للحلم بعالم يسود فيه العدل والحق والبناء والتعمير، وتنتفي منه قيم الظلم والخوف والفقر والجهل.. ثم إن هذا الأدب كان وسيلة من وسائل الإلحاح على ما يمكن تسميته بالآداب العامة والأخلاق الرفيعة والتقاليد المرعية، وهو ما يسهم في إعادة الأمور الاجتماعية أو السلوك الاجتماعي العام إلى مرحلة الاعتدال والانضباط، وهي مرحلة ينشدها المجتمع دائمًا لتحقيق استقراره وأمانه.
ولعل هذا ما جعل بعض الجهات تسعى إلى الاستعانة بأدب العامية لمحاولة تغيير القيم الثابتة والترويج لقيم جديدة وخاصة في القرن العشرين، وللأسف فإن هذه القيم الجديدة لم تكن كلها إيجابية أو مفيدة، ولكنها صبت في خانة الحض على تقليد الآخر المغاير والمخالف، أو ممارسة الهجاء والتشهير بأسلوب لا يتماشى مع طبيعة هذا الأدب، وكانت فنون الدراما المسرحية والتمثيلية «الإذاعة والتلفاز» مجالًا حيويًا لهذه الممارسة، بل إن الأمر وصل إلى الهبوط بالمستوى التعبيري والتعامل مع معجم سوقي رديء، وخاصة بعد انتشار ما يعرف بالمسرح التجاري.
لقد صار لأدب العامية الآن كتاب وشعراء يرفعون رايته، في ظل رواج المسلسلات الإذاعية والتلفازية، وبعد أن كان من يكتبون أدب العامية هم في الأصل من يجهلون القراءة والكتابة ولا يعلمون شيئاً عن الإعراب، أو النحو والصرف، فقد صار الآن يكتبه متخصصون على قدر كبير من الثقافة والمعرفة، وإذا كان هناك في نهاية القرن التاسع عشر ومطالع القرن العشرين من يكتب أدب العامية على سبيل التبسط والمطارحات من كبار الأدباء والشعراء في ذلك الحين «حفني ناصف، أحمد شوقي مثلاً»، فقد عرفنا بعدئذ والآن، من يتفرغ لكتابة أدب العامية ويتخصص فيه.. ويجعله مجال إبداعه الرئيس، دون أن يزعم أن العامية بديل للفصحى، أو أن العامية هي اللغة المصرية الأم التي تطورت إليها الفصحى، بوصفها لغة المستقبل، ولعل هذا هو ما جعل بيرم التونسي مثلاً، مع شهرته الواسعة في مجال النظم بالعامية، ينظم بالفصحى قصائد مهمة ومؤثرة، وما ذلك إلا ليقينه أن الفصحى هي الأساس الذي لا بديل له، ولا يمكن الاستغناء عنه، وهي المستقبل لأدب الأمة وتطورها.. ولعل هذا أيضاً ما جعله يصنع من العامية مجالاً لاستعراض موهبته في ترقيتها إلى مستوى الفصحى، وهو ما دفع أحمد شوقي إلى إعلان إعجابه ببيرم، وخوفه على الفصحى منه.
٣
إن بيرم التونسي ومن سار على نهجه يرون لأدب العامية رسالة اجتماعية مهمّة، وفي الوقت نفسه يؤمنون بالحرص على ترقية العامية لتقترب من الفصحى؛ بحيث تمتد قيمة أدبهم في الزمان والمكان إلى أبعد وقت أو مدى ممكن، أما بعض من يتعاطون الكتابة بالعامية فيرون المسألة من منظور آخر؛ حيث يعتقدون أنها بديل الفصحى، أو أنها التطور الطبيعي لها، مع عدم اكتراث بالتقاليد الفنيّة التي تميز أدب العامية، وخاصة في النظم، وقد تكلّم بعض النقاد عن فنون النظم كلاماً مهماً يجعل العامية ليست هيئة أمام بعض الشباب الذين يتصورون أن افتقاد القدرة على الإعراب والتركيب الصحيح يجعل الأمر مباحاً لكل من يريد أن يكون «أديب عامية» وهذا وهم كبير، فالشيخ «حسين المرصفي» في كتابه المهم «الوسيلة الأدبية إلى العلوم العربية» يتحدث عن فنون النظم العامية مثلاً، فيشير إلى فن الموالي الذي تكلم به بعض أتباع البرامكة عقب نكبتهم الشهيرة.
وفن الرجل وهو فن العامة الذين لا يعرفون الإعراب، وفن كان وكان، وفن القومة، وهما فرعان من الزجل، وفن الزجل، ولكل فن أصوله وقواعده.
لذا فإن كتابة كلام غير منظوم وغير مقفى مثلاً بوصفه قصيدة عامية، مع صياغته بلغة مثقفين «غير شعبية» يجعلنا نقف وقفة متسائلة، عن طبيعة هذا الكلام، وتصنيفه وعلاقته بأدب العامية من عدمه.
إن العامية ليست مجرد لهجة، ولكنها روح ووجدان وإحسان، واللفظة العامية وخاصة حين تترقى إلى الفصحى أو ما يقرب منها ليست مجرد لفظة عادية، ولكنها تتحول إلى لفظة شعرية إذا كان من يستخدمها أديباً موهوباً بحق، ولعل هذا يقودنا إلى التمثيل بنموذجين يتضح من خلالهما الفارق بين استخدام فني واستخدام آخر غريب للغة العامية.
٤
ويُعدّ بيرم التونسي من أفضل من تتحقق لديهم معادلة الشكل والمضمون، والتعبير الدقيق عن روح الشعب واستلهام اللهجة العامية ومعالمها المتميزة، ويمكن لنا أن نتناول بطريقة عشوائية نموذجًا واحدًا من أعماله الكاملة، يشمل خصائص فنية وموضوعية متكاملة ومتناغمة وفي الوقت ذاته ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالواقع وحركته، وتعبّر عن معاناة الأمة وأفرادها في بعض جوانب الحياة.
لبيرم زجلية بعنوان: «ناظر الوقف» (٣)، وفي هذه الزجلية يرصد بيرم موقف هذا الناظر الذي يخون الأمانة، ولا يؤدي واجبه كما يقضي الشرع والدين والقانون، وبدلاً من أن يتحلى بالعدل والإنصاف يتحوَّل إلى لص مختلس وخائن، ومع ذلك يدّعي الشرف والعفة، والإخلاص.
يا ناظر الوقف! من رب العباد ما تخاف
ولا المحاكم بتملك منك الإنصاف
وإن كنت أجازف وأقول إن البعيد خطَاف
أطلع أنا المعتدي وأنت من الأشراف
الوقف لك مملكة والعدل عنها غاب
لا برلمان يخضعك فيها ولا نواب
عشر سنين ونت تبلع لم حسبت حساب
والمستحقين وراك ما يلقوا عيش حاف
قد يكون الجيل الجديد من الشباب لا دراية له بقيمة «الوقف» وأهميته في مجال التكافل الاجتماعي من منظور إسلامي ولكنه في جيل بيرم ومن سبقه من أجيال على امتداد التاريخ الإسلامي وسيلة فعّالة يستخدمها القادرون لخدمة المجتمع عن طريق وقف الأراضي أو البيوت أو المؤسسات التي تخصص عائدها للإنفاق على الفقراء والمحتاجين والضعفاء والمرضى، وفي العادة يقوم على «الوقف» مسؤول يسمى ناظر الوقف، ويتولَّى الإنفاق بالعدل والإخلاص على الوجوه المخصصة للصرف ولكنه في غيبة الضمير والرقابة يستبيح لنفسه أن يفعل ما يشاء فيخالف ضميره، وينفق على من لا يستحقون، لذا فإن بيرم حين يهجوه، يقدم الأسباب التي تنطلق من مفاهيم عامة سائدة تفترض في «ناظر الوقف» أن يكون عنواناً على العدل والخوف من الله:
الوقف لك مملكة والعدل عنها غاب
لا برلمان يخضعك فيها ولا نواب
عشر سنين ونت تبلع لم حسبت حساب
والمستحقين وراك ما يلقوا عيش حاف
أول سنة رحت لك قلت أنا أوفي الدين
ثاني سنة قلت لي جاري صلاح العين
تالت سنة رحت أنا حجيت وزرت الزين
رابع سنة رحت لك كنت أنت في الأرياف
خامس سنة خمست عالمحكمة خشيت
لحد قاضى الشريعة عالبساط وبكيت
طوّل لتاسع سنة حبل القضية يا ريت
سلمت أمري لربي، خافي الألطاف
إن لغة بيرم محكمة ودقيقة، وتعتمد على الانتقاء الدقيق للمفردات بما يرتفع بقيمتها إلى مستوى الفصحى أو ما يقرب منها، مع العرض الدرامي الذي يبدو فيه ناظر الوقف بطلاً لقصة أو حدث يكشف عن معالمه بالتدريج كلما أوغلنا في متابعة قراءة الزجلية أو الاستماع إليها، مما يغرينا ويشوقنا للتعرف على نهاية القصة أو الحدث، أو بمعنى أدق التعرّف على ما ستسفر عنه مواقف ناظر الوقف الذي يدَعي كل عام ادعاءُ مخالفاً لادعاء العام السابق، بما يمنعه من الإنفاق وتسليم الحقوق إلى أصحابها.. ففي السنة الأولى يدعي أنه يريد الوفاء بدين الوقف، وفي العام الثاني يتحدث أو يدعي أنه يقوم بإصلاح العين «الوقف»، لتكون صالحة للعمل والربح، وفي العام الثالث يزعم أنه كان في الحج وزيارة الرسول ﷺ، وفى السنة الرابعة كان جنابه قد غادر المدينة وذهب إلى الأرياف، وفي السنة الخامسة اضطر المستفيد من الوقف الذي يتحدث على لسان بيرم إلى رفع الأمر للقضاء، واستمرت القضية إلى السنة التاسعة، وهنا لم يجد مفرّاً من تسليم الأمر لله عالم الأسرار.
هكذا تبدو المأساة في تصاعدها بين هروب الناظر، وعذاب الموقوف لأجله حتى وصل الأمر للقضاء الذي لم يحسم المسألة، ونجد بيرم يصورها من خلال ألفاظ دالة، بل لفظة واحدة تكثف مدى جور الناظر وعدوانه على حقوق الآخرين، بدلالة عميقة للفظة في الوجدان الشعبي، وهي لفظة «تبلع» في قوله «عشر سنين ونت تبلع لم حسبت حساب»، ونستطيع أن نقرأ في الزجلية كلمات أخرى دالة تكثّف رؤية الشعب لبعض أفراده والحكم عليهم، والتعبير عنهم بمجاز له مذاق خاص.
انظر مثلاً إلى لفظة «البعيد» في قوله: «إن البعيد خطاف» في المقطوعة الثالثة من الزجلية، فهو يكني بـ«البعيد» عن ناظر الوقف، والبعيد في المفهوم الشعبي ليس البعيد مكاناً، ولكنه البعيد مكانة، وهو ليس بعدًا إلى أعلى، ولكنه بُعد إلى أسفل لأنه مكروه وغير مقبول، ثم إنه بعد ذلك «خطّاف» كما جاء وصفه في الجملة.
إن بيرم يعتمد أيضاً على المفارقة للتعبير عن واقع يترنح فيه العدل، فهو إذا جازف واتهم ناظر الوقف بالخطف والعدوان على حقوق الغير، فإن المظلوم يصبح معتدياً، والخطاف يصبح من الأشراف:
ون كنت أجازف وأقول إن البعيد خطاف
أطلع أنا المعتدي وأنت من الأشراف!
ومع أن بيرم يبدو يائساً من ناظر الوقف، ومن القضاء الذي بكى على بساطه، ومن ردّ الحقوق إلى أصحابها، فإنه يحلم في النهاية -بعد أن يعاود هجاء الناظر- أن يملك الفقراء مالا ينفقونه لقضاء حاجاتهم وزيادة:
يا ناظر الوقف خليت العبارة خلٌ
ونت اللي صبحت وقف المسلمين ينحلّ
بكره الأيادي الجديبة بالفلوس تنبل
ويسرسبوها على أروام وبنسيونات
ولا شك أن «بيرم» في زجليته حقق المعادلة التي يفترض أن يمثلها أدب العامية، وهي الانطلاق من روح الشعب ووجدانه، والتعبير بلغته في سياق دقيق يرتقي إلى مستوى الفصحى أو يقترب منها، ولعل هذا هو ما يجعل لأدب العامية عند بيرم، ومن سار على نهجه، تراثاً له قيمته وتأثيره مع تقادم الزمن وتحوّرات العامية في لهجتها وحراكها من مستوى إلى مستوى، ومن دلالات إلى دلالات، قد لا تكون في الغالب ذات قيمة معنوية أو لغوية.
5
ما نراه عند بيرم نفتقده في معظم النتاج العامي الراهن الذي يعتقد أنه بديل للأدب الفصيح، ولا يحرص على قيم فنية أو تقاليد أدبية، فضلاً عن مخاصمته لروح الشعب ووجدانه تحت دعاوى غير فنيّة، وغير موضوعية، وها هو نموذج عشوائي أيضاً وقعت عليه في أحد الكتب المنشورة مؤخراً، وعنوانه «قصيدة بجد» (٤) مطلعه كما يلي:
«حاكتب قصيدة
أركب لها إيدين
وشفايف وعنين
وفيونكة وفستان
وسنان ولسان
واسرّح لها شعرها
اخطف كلمة مصر من قلبها
وأرميها تحت الصندل
اللي لبساه رجلها...»
صاحب النص يريد أن يكتب قصيدة -يبدو أنه يخجل من مصطلح زجلية- فيقدم لنا طريقة إنشائها مثل العروسة الدمية، وفجأة يفجر قنبلة خطيرة -دون أسباب طبعًا- تتمثل في أنه سيخطف كلمة مصر من قلبها، ويرميها تحت الصندل الذي ترتديه في قدميها، لماذا يا صاحب النص تريد أن ترمي الاسم العزيز الغالي تحت صندل القصيدة أو العروسة؟ وما الشاعرية في ذلك؟ وأين الموسيقى الناضجة فيما كتبت؟ هل يشعر القارئ أو المستمع بموسيقى حقيقية في هذا النص؟ وهل رمي مصر تحت الصندل تعبير عن روح شعبي ووجدان قومي؟ وهل هذا الكلام يُنبئ حقاً عن قصيدة جادة؟
إن صاحب النص يخبرنا بعد المطلع السابق، أنه سيأتي بقطار طويل جدًا يجعله يطير على سكة حديد مثل صاروخ أمريكي منطلق ينزل على طفلين يختبئان في دولاب به قمصان نوم وإيشاربات وعطر بنتين تمشيان في الشارع تبحثان عن شاب نحيف أو رجل شاذ يبحث عن غلام ينام في زبالة تحت رصيف!
مشكلة هذا الكلام المشوش أنه يتوسَل بمزج الحديث عن الجنس بذكر الأمريكان واليهود والمثقفين الذين يجلسون في الجريون وزهرة البستان، ثم يفاجئنا بالحديث عن «عفيفي مطر»، يقصد الشاعر «محمد عفيفي مطر» في زهرة البستان، ولا أدري هل تعرف العامة صديقنا محمد عفيفي مطر، أم لا؟ مع تقديرنا الكامل لمكانته الأدبية والشعرية، قد يريد صاحب النص أن يشير إلى معاناة محمد عفيفي مطر، مع بعض الأجهزة وعدم تقدير دوره الأدبي، وجهده الثقافي، ولكن السياق أخطأه، فالكلام المفكك الذي يتحدث عن صناعة قصيدة على هيئة عروسة دمية، والإشارة إلى الأمريكان والباحثين عن الجنس والشواذ والخمر والذين يمضغون لحم الحمام وصدور الفراخ والحمير والماعز الميتة.. إلخ، كل هذا لا علاقة له بمحمد عفيفي مطر، وأرى أنه لا يمثَّل تقديراً له بقدر ما يسيء إليه، وأحسب أن «محمد عفيفي مطر» وهو خبير بالكلام نثراً وشعراً لن يرى فيه أثارة من فن أو فضلة من أدب، وإن كان بالطبع سيوجه لصاحبه الشكر على حسن الاهتمام بشخصه.
على كل فإن اللغة هنا تبدو لغة جافّة تقريرية، لا تنتقي لغة الشعب ولا تقع على دلالتها الدقيقة، ولا تحمل روح العامة ووجداتهم، فضلاً عن مخاصمتها للموسيقى الأصلية وزناً وقافية، وهي أهم ما يميّز الزجل أو أدب العامية المنظوم.
٦
قد يرى بعض الناس أن هذا أدب مغاير يختلف عن أدب العامية، وأن هناك معايير أخرى جديدة لم أسمع بها، بدليل أن القوم يسموّنه شعر العامية، وقصيدة العامية، ونحو ذلك مما يعني أن أدب العامية الذي عرفه العرب على امتداد أجبال ليس هو أدب العامية الذي يكتبه بعض الناس، مما يجعل الالتباس حالة تتطلب الإيضاح، وتوجب فض الاشتباك، ومن ثم فإن واجب النقاد والدارسين أن يفصلوا بين موقفين.
الأول: أدب العامية الذي يجاور أدب الفصحى ويكتمل معه، ويسعى إلى الاقتراب منه، والتقريب إليه في إطار تقاليد أدبية وقيم فنيّة صنعها التراكم الزمني، والخبرات الموروثة فضلاً عن استلهام لغة الشعب وروحه والتعبير عن همومه واماله.
الآخر: أدب العامية الذي يناقض أدب الفصحى وينفيه، ويجعل من نفسه بديلاً له، ولا يخضع لتقاليد أدبية أو قيم فنية، وينشئ لنفسه سياقاً خاصاً تختلف معالمه وملامحه، عما هو معروف، ولا يعبأ بالواقع الاجتماعي ولا الجمهور الذي يتوجه إليه، ولا اللهجة التي يعبر بها.
وأتصور أن إزالة الالتباس بالنسبة لأدب العامية ستحسم أموراً مهمّة، منها:
١- التقاليد الفنية وارتباطها بأدب العامية.
٢- أدب العامية وارتباطه بالواقع الاجتماعي.
٣- لغة أدب العامية وعلاقتها بالفصحى.
وأظن أن هذا الحسم سيخدم الأجيال الجديدة في بيان طبيعة الفنون الأدبية التي يكتبون من خلالها، ومدى ارتباطها بهموم الأمة ومصالحها.
الهوامش
(١) أخبار الأدب، 5/3/2000م. ص ٣٨.
(٢) الأهرام، 5/3/2000م، «حديث معه بمناسبة فوزه بجائزة الملك فيصل العالمية».
(٣) بيرم التونسي - الأعمال الكاملة، جـ ٣، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة. ١٩٨٤م. ص١٤٤-١٤٥
(٤) سعدني السلاموني، عضم خفيف، سلسلة أصوات أدبية. القاهرة، ديسمبر ١٩٩٩م. ص ٢٥ وما بعدها.
هل يمكن إقامة «شرطة» لغوية لضبط المخالفات؟
د. عبد الكريم خليفة -رئيس مجمع اللغة العربية الأردني-: ليست هناك خطة لغوية ملزمة.. وسائل الإعلام لعبت دورًا خطيرًا في تشتيت الفصحى.
د. شوقي ضيف: العامية ليست لغة تقابل الفصحى إنما هي لهجات مولدة شأنها شأن الكثير من الظواهر الاجتماعية التي يجب أن تخضع للملاحظة والتحليل
القاهرة: محمود خليل
في القاهرة عقد مجمع اللغة العربية مؤخراً مؤتمره السادس والستين لدراسة قضية «الفصحى والعامية» بعد أن أصبحت اللغة العربية غارقة في بحر العاميات، وفرضت سطوتها على مجالات الحياة بصورة أصبحت تمثل خطورة داهمة على الفصحى.. إلى جانب ما تعانيه لغتنا في هذا النزال الحضاري من عوامل الحصار والمطاردة، واستلاب الهوية وفرض التبعية.
استمرت أعمال هذا المؤتمر خمسة عشر يوماً، نوقش فيها أكثر من ثمانين بحثاً، تقدم بها أعضاء المجمع من كل من: مصر، وسورية، والسعودية، والأردن، وفلسطين، والجزائر، والكويت، واليمن، والسودان، وليبيا، والمغرب، وإنجلترا، وهولندا، ورومانيا.
ورأس جلسات المؤتمر د. شوقي ضيف رئيس المجمع الذي تحدث عن «الفصحى والعامية في لغة الإعلام» مبيناً أن الفصحى تجمع العرب في أمة واحدة، ودين واحد، وتاريخ واحد، وأدب عربي وإسلامي واحد، وثقافة وتراث واحد.. وتعجب من سياسة أجهزة الإعلام التي تعتمد بصورة أساسية على العامية بإصرار شعوبي. وقال: إن العامية ليست لغة تقابل الفصحى، إنما هي لهجات مولدة، شأنها شأن كثير من الظواهر الاجتماعية الأخرى، التي يجب أن تخضع للملاحظة، والمراقبة والتحليل والمعالجة.
ورد الدكتور ضيف على الداعين إلى إقرار الواقع اللغوي المعيب، والقبول بفرضية «العاميات» المختلفة، وتحويلها إلى لغات مستقلة.. شأنها في هذا شأن «اللاتينية» التي تعددت لهجاتها وتنوعت، حتى أصبحت فيما بعد لغات مستقلة.. فقال: إن الأمر عندنا لن يكون كذلك أبداً، لأن لغتنا أصبحت مصونة بكتاب الله العزيز، فلولا القرآن الكريم، وحديث الرسول ﷺ، ولولا ثروة عربية فصيحة في شعرنا ونثرنا وتراثنا الواسع العريض، لولا هذا وذاك.. لكان مصير عربيتنا مصير «اللاتينية».
الدكتور عبد الكريم خليفة رئيس مجمع اللغة العربية الأردني، أشار إلى أن الصراع في جميع الحقب لم يكن بين العربية الفصحى والعاميات العربية، وإنما كان الصراع بين القوة، والضعف، وبين الوحدة والتشتت، وبين العلم والجهل.
ولا شك أن محاصرة اللغة، وإقصاءها عن مجالاتها الحيوية في مختلف مناحي الحياة العلمية والإدارية، كان من أهم أهداف المخططات الاستعمارية، فبدأ الاهتمام المنظم باللهجات العامية المعاصرة.
ولعدم وجود خطط لغوية ملزمة، من المفروض أن تتضافر حولها الجهود، لعبت وسائل الإعلام الحديثة -سيما الإذاعة والتلفاز- دورها الخطير في تشتيت الفصحى، والتوجه نحو العاميات الإقليمية، بصورة تبعث على الخوف، وتثير الريبة في هذا الاهتمام بالعاميات.. في هذا العصر الذي تبحث فيه الأمة عن هويتها، وتحاول استعادة عافيتها.
وعلى سبيل المثال، فإن اللغة العربية الفصيحة تمثل ٥٤٪ فقط من البث الإذاعي الأردني و١٨,٢٪ من البث التلفازي، والمتتبع لوسائل الإذاعة والتلفزة العربية، يستطيع بسهولة أن يدرك أن السياسات الإعلامية العربية تعمل على الانعزالية، وتوطيد دعائم الإقليمية المحلية، وفي الوقت نفسه تمارس سياسة واقعية مشبوهة» في الانفتاح على الثقافات الأوروبية والأمريكية، وعلى لغاتها، بل وعلى أنماطها السلوكية وأساليب الحياة فيها.
وهذا تعبير عن حالة مرضية طارئة، قد تطول مدتها أو تقصر لكنها تؤذن بأخطار جمة.
الإقراض والاقتراض
وحذر الدكتور كمال بشر في بحثه «حول سيطرة العاميات» من خطورة هذه الشعوبية الجديدة.. واستعرض الآراء والاتجاهات المطروحة في هذا الصدد من الحداثيين والشعوبيين الذين يقولون بتطور اللغة.. ومن ثم فإن تحولها إلى لهجات عدة يعتبر أمرًا طبيعيًا لا يمكن لأحد أن يقف في وجهه ويصورون «الفصحى» على أنها لغة غريبة غارقة في بحر العاميات!
وثمة طرح آخر لهؤلاء.. حيث يرون المزج بين العامية والفصحى.. واطّراح نحوها وصرفها.. والخروج علينا بلغة «ثالثة» «لغة خنثى» ولهم في ذلك تجارب فاشلة.
وانتهى المؤتمر إلى عدد من التوصيات تحث وزراء الإعلام في البلاد العربية على أن تكون الفصحى لغة جميع وسائل الإعلام، وخاصة في الإذاعتين المسموعة والمرئية، مع تعميمها في المسلسلات والمسارح، وضرورة قيام مجامع اللغة العربية والهيئات العلمية بوضع معجمات لعلوم العصر الحديث كعلوم التكنولوجيا والإلكترونيات وعلوم البيئة وعلوم المحيط الجوي والهندسة الوراثية وعلوم الحاسب الآلي.
وضرورة ضبط كتب التعليم جميعًا بالشكل الدقيق حتى ترسخ الفصحى بالنطق السليم، والعمل على تعريب التعليم الجامعي والعالي، وإنشاء مؤسسة كبرى للترجمة، توضع لها خطة تحدد الأولويات لترجمة العلوم المعاصرة وملاحقة تطورها، للخروج من هذا التيه اللغوي والحضاري.. ووقوف علماء اللغة رجال شرطة لغوية، حتى تحترم أمتنا علامات المرور في شتى مساراتها.
الجمعية المصرية لتعريب العلوم:
معركة حضارية ضد دعاة العولمة
خطر احتلال العقول أشد من استعمار الجيوش.. "إسرائيل" «تُعبرن» الحياة كلها في فلسطين وتضع العرب تحت وطأة التذويب الثقافي.
القاهرة: حمدي عبد العزيز
في توقيت متقارب ولبحث القضية نفسها عقدت الجمعية المصرية لتعريب العلوم مؤتمرها السادس للتعريب تحت رعاية الدكتور عاطف عبيد -رئيس مجلس الوزراء، والدكتور مفيد شهاب- وزير الدولة للتعليم العالي والبحث العلمي.
وقد حضرها نخبة من الأساتذة في العلوم الإنسانية والكونية المهتمين بتعريب العلوم من جامعات مصر، كما ضم المؤتمر لفيفًا من الأساتذة الجامعيين والإعلاميين العرب.
وقد هدف المؤتمر إلى تجميع الجهود المخلصة والخبرة في خدمة تعريب العلوم في البلاد العربية، وتقديم الدراسات والحلول، وسبل العمل المجدية لدعم نشر لغة القرآن الكريم، وانتشالها من وهدة التعثر وحالة التقهقر والعزلة التي فرضت عليها.
ركزت الدكتورة هدى جمال عبد الناصر -أستاذة العلوم السياسية- في كلمتها أمام المؤتمر على الجهود الصهيونية في «عبرنة، كل مظاهر الحياة في فلسطين، في الوقت ذاته الذي يعيش فيه العرب تحت وطأة ثقافة عولمية تعمل على تذويب الثقافات والخصوصيات.
وأكّدت أن اللغة العربية تعاني من نكران أهلها، وأن هناك مظاهر لأزمتها تدعو إلى سرعة الحركة.. منها: تزايد انخفاض نسبة تعليم العربية في المدارس، وتراجع الاعتزاز باللغة العربية في جميع مظاهر حياتنا، وقالت: إنه لا توجد دولة في العالم تدرس العلوم الإنسانية بغير لغتها، ومن واقع تجربتي في تدريس مادة النظم السياسية المقارنة باللغة الإنجليزية أرى ضرورة مراجعة هذه التجربة؛ حيث إنني لم أجد تحسنًا في تعليم اللغة الأجنبية أو زيادة في التحصيل بها.
واقترحت الدكتورة هدى إرسال خطاب احتجاج إلى الحكومة الفرنسية بسبب موقفها الأخير من اللغة العربية، ففي ٧ من يناير عام ٢٠٠٠م أصدرت الخارجية الفرنسية قرارًا بالتوقف عن تدريس اللغة العربية الفصحى واستبدال اللهجات الثلاث البربرية والشامية والمغاربية بها، وأن تكون اختبارات اللغة العربية بالحروف الفرنسية.
وأكد الدكتور سعيد إسماعيل علي -الأستاذ بكلية التربية جامعة عين شمس- أنه إذا انقطعت علاقة الجيل الجديد بلغته العربية، فهذا يعني انقطاع الحبل السري الذي يربطه بهويته العربية الإسلامية.
وقال: إن خطر الجيوش الاستعمارية أقل من تسرب الاحتلال إلى العقول والأرواح: لأننا في الحالة الثانية سنفاجأ بأناس من بيننا يدافعون عن هذا الاحتلال العقلي والفكري.
وقال الدكتور محمود كامل الناقة -أستاذ التربية بجامعة عين شمس-: إنه وجد أربع تحديات تواجه التعليم في العالم العربي هي: الولاء والانتماء والوحدة القومية، والقيم الخلقية لدى التلاميذ، والتقدم العلمي والتكنولوجي، واللغة العربية في مناهج التعليم.
وأكد أنه وصل إلى نتيجة مؤداها أن التحدي الرئيس هو اللغة العربية على اعتبار أنها المقوم الرئيس للولاء والانتماء، وأنها طريق تكوين القيم الخلقية. كذلك فإن التقدم العلمي يعتمد على اللغة القومية التي يفكر بها الإنسان.
وأضاف قائلًا: أجريت دراسة على مجموعة تلاميذ تونسيين حول موقفهم من اللغتين الفرنسية والعربية، قسموا إلى ثلاث مجموعات حسب المستوى الاقتصادي «مستوى عال، ومتوسط، وضعيف»، وأثبتت النتائج تمسك أصحاب المستويين المتوسط والضعيف باللغة العربية، وشغف المستوى الرفيع باللغة الفرنسية، ويفضل أصحاب المستويين الضعيف والمتوسط الفرنسية على العربية في مجال الفعل ويرون أن الفرنسية لغة الذكاء.
وأشار الدكتور أسامة رسلان -الأستاذ بكلية الطب جامعة عين شمس- إلى أن معوقات التعريب يمكن إيجازها في المعوقات النفسية والمعرفية والتعليمية والإعلامية والسياسية، واعتبر أن أهم هذه المعوقات هي النفسية؛ لأن التعليم باللغات الأجنبية وإهمال لغة القرآن الكريم يعبر عن هزيمة نفسية، وأكد أن جميع هذه المعوقات تحتاج إلى نقاش مستفيض حتى يمكن التغلب عليها وصولًا إلى ما نرجوه جميعًا، وهو تعريب العلوم الكونية.
وناقش الدكتور رؤوف سلام - أستاذ بكلية الطب بنين جامعة الأزهر- بعض المخاوف التي تطرح نفسها عند الحديث عن تعريب العلوم مؤكدًا أن تعريب العلوم والتعليم في العالم العربي لن يؤدي إلى عزلة عن باقي العالم، بل إنه يتوقع أن يوسع دائرة الاتصال لتشمل المدارس العلمية في مختلف اللغات في العالم بدلًا من حصر الاتصال في المدارس العلمية التي تستخدم اللغة الإنجليزية فقط.
وقال الأستاذ سامي خشبة -الصحفي بصحيفة الأهرام-: إن هناك نوعين رئيسين من المعوقات هما: المعوقات الخارجية والمعوقات الداخلية.
وتتلخص المعوقات الخارجية في: طول عهدنا بالتغريب، واستخدام المفاهيم باللغة الأجنبية منذ بداية القرن العشرين.
أما المعوقات الداخلية -حسب رأي الأستاذ سامي- فإن أهمها: ترسيخ العقلية الكامنة التي شاعت واستقرت على مدى عدة أجيال، وتعتقد بديمومة أو أبدية الوضع القائم، ويعبر عن هذا عقلية التبعية والاستسهال.
تعريب السياسة
وجّه الدكتور أحمد مصطفى أبو الخير -الأستاذ بجامعة المنصورة- حديثه إلى المترددين في طريق التعريب قائلاً: إن صمويل هنتنجتون صاحب كتاب «صدام الحضارات» يقول: «والأرقام العربية هي وسيلة العالم للحساب»، ومن ناحية أخرى فإن تراث العرب في شتى العلوم مما تصعب الإحاطة به، وحسبنا أمثلة «وصف أفريقية للحسن الوزان -مفاتيح العلوم للخوارزمي- رسالة بن فضلان».
وأكد الدكتور أحمد أن اللغة العربية لا تتغير بالسرعة نفسها التي نجدها في غيرها من اللغات، ومن ثم فإن كتابة معجم تاريخي لهذه اللغات ألزم لها من لغتنا التي عصمها القرآن الكريم والسنة المطهرة.
وتحدث الدكتور حمدي علي عمر -الأستاذ بكلية الحقوق جامعة الزقازيق- عن موضوع «استخدام اللغة العربية في تدريس العلوم المختلفة، قائلًا: إن التقدم العلمي للدول التي استخدمت لغتها الوطنية في التعليم والبحث كان نتيجة لاهتمامات القائمين والمسؤولين في تلك الدول بالاستعانة باستخدام اللغة القومية في التعليم والبحث، وفي جميع المؤتمرات والمجلات والنشرات التي تصدرها.
وتحدث الدكتور عبد الصبور شاهين -أستاذ اللغة العربية بكلية دار العلوم- عن «تعريب العلوم وتعريب السياسة»، قائلاً: إن تعريب العلوم هدف يرتبط بثلاثة أبعاد: البعد الأول تعريب المصطلحات التي يقوم عليها كل علم أو فن من علوم الحضارة المعاصرة وفنونها، البعد الثاني تعريب الألسنة التي من خلالها سوف يتم الأداء العلمي للحقائق والمناهج والعلوم بعامة، البعد الثالث فيحتاج إلى نجدة إلهية وتدخل سماوي وعلم ذلك عند الله عز وجل.
وتحدث اللواء دكتور مهندس عبد المقصود حجو عن علاقة التعريب بالتقدم الحضاري قائلًا: إن العالم بأسره أتى عليه حين من الدهر كانت اللغة العربية هي أم اللغات وعمدة الحديث، لما لها من تميز وازدهار بما تشمله من العديد من العلوم والثقافة في شتى ميادين المعرفة والمعلومات مثل: علوم الدين والإنسانيات، والعلوم النظرية والأساسية والتطبيقية.
وحذر الدكتور محمد عبد الفتاح دهيم -الأستاذ بكلية الهندسة جامعة أسيوط- من الخطورة الفائقة على هوية الأمة من استخدام غير العربية، وشدد على ضرورة تجفيف منابع التغريب ووسائل الاعتداء على اللغة العربية.
العربية والسواء النفسي
وتحدّث الدكتور سعد الدين صالح -الأستاذ بكلية العلوم الإنسانية جامعة الإمارات- عن خطورة العولمة على اللغة العربية باعتبارها وعاء الثقافة الإسلامية والحامل لها، وأكد أن الأهداف الثقافية للعولمة تشكل أحد أخطر الأهداف، إذ تستهدف العولمة هضم سائر الثقافات، والاختلاف بين الثقافات والأمم، وبما أن اللغة هي العنصر الأساسي في ثقافة الأمة فإن العولمة تشكل خطورة لغوية ربما يعبر عنها هذا الصراع اللغوي الدائر في العالم الآن بين الفرانكفونية والإنجليزية من جهة، وبين اللغة العربية من جهة ثانية.
وأشارت الدكتورة كريمات محمود السيد -الأستاذة بكلية التربية جامعة عين شمس- إلى المجهودات الصادقة في الدعوة إلى تعريب العلوم حتى يستطيع متلقي العلم أن يبدع، وأن يبتكر بلغته القومية، وحتى لا يكون هناك انفصال بين المبتكر والواقع المعيش.
وتحدث الدكتور نبيل عبد الفتاح حافظ -أستاذ التربية بجامعة عين شمس- عن موضوع «اللغة العربية والسواء النفسي» قائلًا: إن اللغة هي وعاء الثقافة ومناط الاعتزاز بالطابع القومي لأي أمة من الأمم، ولذا كانت اللغة العربية -لغة القرآن الكريم- سلاح العرب والمسلمين حين انطلقوا من جزيرتهم إلى ربوع المعمورة لنشر دين الله، حيث تلقوا ثقافات وعلوم الشعوب الأخرى، وعربوا وألفوا بها ثم صدروها إليهم وبذلك وضعوا أساس النهضة الأوروبية الحديثة بشهادة كبار علماء الغرب.
وتحدثت الدكتورة هيام أبو الحسين -الأستاذة بكلية الآداب- عن مكانة اللغة العربية في المحافل الدولية قائلة إن اللغة العربية دخلت هذه المحافل مع استقلال البلاد العربية في الستينيات من القرن الماضي، وتوجت لغة عالمية بقرار اتخذته الجمعية العامة للأمم المتحدة في ديسمبر عام ١٩٧٦م بعد تجربة لمدة ثلاث سنوات أثبت فيها المترجمون العرب أن العربية قادرة على التعبير عن مختلف الموضوعات المطروحة على الساحة الدولية، وليست لغة جامدة كما يدعي أعداؤها.
وتأسفت الدكتورة هيام من أن المحافل الدولية تنعقد في مصر باللغة الإنجليزية، وبخاصة في مجالات الطب والهندسة، وتظل نتائج هذه المؤتمرات محصورة في فئة قليلة!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل