العنوان مستقبل العلاقة بين الإسلام والمسيحية خلال القرن الحادي والعشرين
الكاتب مراسلو المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 13-يونيو-1995
مشاهدات 56
نشر في العدد 1153
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 13-يونيو-1995
تصحيح صورة الإسلام وتقديمه للأمريكيين مهمة يتربص بها اليهود
واشنطن: مراسل المجتمع
في ظلٍ صراع غير معلن مع الإسلام والمسلمين في الولايات المتحدة، تغذيه وتنفخ فيه مزيدًا من النيران الصهيونية العالمية، يصبح ظهور مؤسسة تعنى بالحوار والتفاهم بين الإسلام والمسيحية حدثًا مهمًا يستحق الإشارة إليه ومتابعته.
أما المؤسسة فهي مركز التفاهم الإسلامي - المسيحي الذي تأسس في عام ١٩٩٣م في رحاب جامعة جورج تاون العريقة- وهي جامعة يسوعية كاثوليكية تأسست قبل قرنين من الزمان - في واشنطن واستقر أخيرًا في مقر رسمي خاص به بالجامعة، وكانت أحدث أنشطته ندوة عقدها الشهر الماضي بمناسبة افتتاح المقر الجديد، وخصصت لبحث التحديات التي ستواجه المسلمين والمسيحيين في القرن القادم.
ولعل السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: ما الجديد الذي يقدمه هذا المركز في ظل فقدان العديد من المراكز المشابهة له في جامعات أمريكية أخرى فاعليتها؟ وتقتضي الإجابة المنصفة عن هذا السؤال الإشارة إلى عدد من الاعتبارات:
الأول: أن المركز الجديد هو الأول من نوعه في الجامعات الأمريكية في تركيزه على التفاهم والحوار بين المسلمين والمسيحيين.
الثاني: أنه على خلاف المراكز الأخرى يشمل برنامجًا تدريسيًّا داخل الجامعة المعروفة باهتمامها بالأديان والعلاقات بينها.
وتنظر إلى الإسلام نظرة مختلفة كدين وقوة روحية واجتماعية كبيرة في العالم المعاصر، وأنه سيكون له أثر كبير على مجرى السياسة الدولية في القرن القادم، وعلى هذا تتجه إلى دراسته كمحتوى روحي وقيمي وثقافي، وقد انعكست هذه النظرة على البرامج التدريسية التي يعدها المركز، ومنها: مادة أبناء إبراهيم، وهي عن العلاقات بين المسلمين والمسيحيين واليهود، ومادة حول الإسلام والديمقراطية والتعددية السياسية، وثالثة حول القدس ومستقبل المسيحيين العرب.
الثالث: أن تأسيس المركز في هذا الوقت يأتي في إطار تيار عام داخل الإدارة الأمريكية للانفتاح على العالم الإسلامي، وفهم الصورة الحقيقية للدين الإسلامي بعيدًا عن التشويه الذي لحقها من جانب وسائل الإعلام، ويؤكد أصحاب هذا التيار من المسئولين الحكوميين أن الولايات المتحدة لا تعتبر الإسلام هو العقيدة الجديدة التي تواجه الغرب أو تهدد السلام العالمي، يضاف إلى هذا ظهور تيار وليد داخل بعض الصحف ووسائل الإعلام الإلكترونية يعمل أصحابه على نشر حقيقة الإسلام كدين وعقيدة، ودوره في السياسات الداخلية والخارجية. كما تزايدت الكتب والبحوث العلمية التي تتناول الإسلام كثقافة مقارنًا بالثقافات الدينية الأخرى وذلك في إطار تيار علمي جاد يسعي إلى تعميق التفاهم بين الثقافات الدينية، وخاصة بين الثقافتين الإسلامية والمسيحية، وإرساء وتدعيم التفاهم بين المسلمين والمسيحيين، وبين الإسلام والغرب بصفة عامة.
في ظل هذه الاعتبارات يمكن القول: إن مركز التفاهم الإسلامي - المسيحي قد جاء في ظروف تاريخية وثقافية مواتية تساعد على نجاحه واستمراره وفاعليته في الحياة الأكاديمية والعامة، خاصة إذا ما أضفنا إليها عاملين مهمين.
الأول: أن رئيس المركز هو البروفيسور الأمريكي «جون أسبوزيتو»، أستاذ الأديان والعلاقات الدولية بجامعة جورج تاون، وصاحب الاهتمام الواسع بدراسة الإسلام وصاحب المؤلفات العديدة التي أنصفت الإسلام والمسلمين بقدر كبير، وتعاملت معه بالاحترام والتقدير، وأبرزها «الإسلام والسياسة»، «الإسلام: الصراط المستقيم».
«الإسلام في آسيا: الدين والسياسة والمجتمع»، «المرأة في قانون الأسرة الإسلامية»، «الثورة الإيرانية وتأثيرها الدولي». بالإضافة إلى العديد من البحوث والدراسات العلمية في هذا المجال، كما يرأس تحرير دائرة معارف العالم الإسلامي التي تنشرها جامعة أكسفورد، والتي تركز على أوضاع العالم الإسلامي في القرنين التاسع عشر والعشرين وتشمل موضوعات مهمة مثل الحركات الاجتماعية والسياسية، وحقوق الإنسان، ودور المرأة، والأقليات المسلمة، والإسلام في الغرب. ويملك «اسبوزيتو» معرفة وخبرة طويلة بالإسلام وأوضاع المسلمين في العالم حيث عمل من قبل رئيسًا لرابطة شمال أمريكا لدراسات الشرق الأوسط ورئيسًا للمجلس الأمريكي لدراسات المجتمعات الإسلامية بالإضافة إلى عمله السابق كمستشار لوزارة الخارجية الأمريكية.
أما العامل الثاني: فيتمثل في ذلك الدعم المادي والمعنوي الذي تلقاه المركز منذ تأسيسه من كثير من المؤسسات والمراكز الدولية، وعلى رأسها مركز التفاعل الإسلامي – المسيحي ومقره جنيف، أما الدعم المادي فقد تلقاه المركز في صورة تبرع من «حسيب صباغ» رجل الأعمال الفلسطيني بمبلغ ٦ ملايين دولار أمريكي لإقامة المركز بعد أن قرأ كتاب «جون أسبوزيتو» «الخطر الإسلامي خرافة أم حقيقة»؛ مما دفعه إلى البحث عن وسيلة لتقوية العلاقات الإسلامية – المسيحية، فكانت فكرة المركز بالإضافة إلى تبرع آخر من حكومة ماليزيا لإنشاء فرع للمركز في جنوب شرق آسيا.
وبالإضافة إلى الندوة الأخيرة للمركز التي أشرنا إليها، ونعود إلى أهم ما جاء فيها فيما بعد، فإن من المفيد الإشارة إلى الفاعلية الفكرية التي ميزت عمله رغم حداثة تأسيسه، والحراك الذي أحدثه في التناول الأكاديمي الموضوعي للإسلام من خلال أنشطته التي شملت إلى جانب إدخال وتدريس مقررات حول الإسلام بجامعة جورج تاون على مستوى المرحلة الجامعية الأولى ومستوى الدراسات العليا، عقد بعض الندوات ذات الطبيعة الخاصة مثل ندوة «القدس ومستقبل المسيحية العربية» التي كانت باكورة أعمال المركز، وشارك فيها عدد من رجال الدين والباحثين العرب والأمريكيين.
وتتمثل مهام المركز كما يقول «أسبوزيتو» في تدريس حاضر وتاريخ الإسلام والمسيحية، وعلاقتهما بالشئون العامة الأمريكية والدولية، انطلاقًا من إدراك حقيقة أن الدين - خاصة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي - يشكل عاملًا مهمًا في تطور الشئون الدولية، وأنه لا يمكن تناول وتحليل القضايا الدولية إذا تم تجاهل أو استبعاد دور الدين، ولعل ما يميز المركز عن المراكز الشبيهة هو أنه لا يحصر نفسه في محيط معالجة الإسلام أو المسيحية كديانة، ويركز على تناول إمكانية تحقيق التفاهم الإسلامي - المسيحي كقضية خارجية دولية، كما أنه لا يتوجه برسالته إلى المجتمع الأكاديمي فقط، ويستهدف الوصول إلى المسلم العادي والمسيحي العادي، وذلك - كما يقول رئيس المركز - لإقناع المسلمين بضرورة فهم الثراء الثقافي الغربي، وإقناع المسيحيين أن المسلمين ليسوا غرباء أو على عداء معهم، وأن الثقافة العالمية ليست ثقافة مسيحية فقط، وأنه يجب التخلي عن الصور النمطية، والنظر إلى الإسلام كدين عالمي متعدد الأبعاد، ويمتد من آسيا إلى إفريقيا، فالغرب يحكم على الإسلام من أعمال أقلية من المسلمين المتشددين لا يمثلون المليار مسلم، وهذا ما يجب تغييره.
ويعمل المركز على تقديم الصورة الصحيحة عن الإسلام والمسلمين إلى مراكز صناعة القرار في الإدارة والكونجرس الأمريكي عن طريق طرح ما يتناوله من قضايا أمام الكونجرس ووزارة الخارجية، وهو أمر لا شك في فائدته في التعريف الصحيح بالإسلام والثقافة العربية، ومناهضة فكرة أن الإسلام هو العدو الجديد للغرب بعد سقوط الماركسية، ويمكن أن يدعم هذا الأمر على المدى الطويل قوة المسلمين كجماعة ضغط مؤثرة في السياسة الأمريكية، ففي العالم الآن - كما يقول «أسبوزيتو» أكثر من مليار مسلم، وفي الولايات المتحدة ما يقرب من ستة ملايين مسلم بما يفوق عدد اليهود فيها.. وربما لا تؤثر الجالية المسلمة الآن في صنع القرار كما هو الحال بالنسبة للجالية اليهودية.. ولكنها قد تؤثر مستقبلًا.
ندوة الحوار
نعود إلى الندوة التي شهدت حضورًا مكثفًا وفاعلًا من الأكاديميين المسلمين والمسيحيين، والتي وضعت ما يمكن تسميته أجندة التفاهم والحوار حول القضايا التي تباعد بين الطرفين، ويستهدف المركز من خلال بحثها بدراسات متعمقة الوصول إلى توافق فيها مثل: وضع المرأة في المجتمع، والديمقراطية، والقومية، وحقوق الإنسان، وهي أجندة يمثل مجرد تناولها تحديًا حقيقيًّا للمركز والقائمين عليه وهيئته التعليمية التي تضم عددًا من أبرز المفكرين المسلمين والمسيحيين في الولايات المتحدة، مثل د. جون فول أستاذ التاريخ الإسلامي، ود. محمد فتحي عثمان، ود. سليمان نيانغ، ود. أيفون حداد. ود نسرين حكمي، بالإضافة إلى عدد آخر من أساتذة العالم الإسلامي يعتزم المركز الاستفادة بفكرهم في بحث هذه القضايا.
إن تجربة مركز التفاهم الإسلامي - المسيحي بكل طموحاتها تبعث على الأمل في غد تتلاشى فيه النظرة الغربية العدائية للإسلام، ويسمح فيه للمواطن الغربي في الحصول على معلومات صحيحة غير مشوهة عن هذا الدين الخاتم الذي أرسله الله – عز وجل - للناس كافة.. ولكن هل تقف الصهيونية العالمية مكتوفة الأيدي أمام هذا الأمل وهي التي بنت ولا زالت تبني سلطتها المتزايدة في الغرب على رهان الخلاف والتنافر بين الإسلام والمسيحية؟ سؤال قد تنسف إجابته كل الأمل على المدى القصير.. ومع هذا فليس لدينا – في هذه المرحلة - سواه.. أعنى الأمل!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل