العنوان مستقبل العالم: على ضوء مقال صموئيل هننغتون صراع الحضارات... ودور الإسلام
الكاتب د. عبدالله الشيخ
تاريخ النشر الثلاثاء 08-فبراير-1994
مشاهدات 99
نشر في العدد 1087
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 08-فبراير-1994
صراع الحضارات.. ومصير الإنسان
بعد الحرب الباردة
أثارت نهاية الحرب الباردة (١٩٤٥ - ١٩٩١م)
جدلًا فكريًّا ونقاشًا أكاديميًّا مستمرًّا بين قادة الفكر وأساتذة العلوم
السياسية والاجتماعية والعلاقات الدولية هنا في الولايات المتحدة. فحواه مصير
العالم الذي نعيش فيه بعد انتهاء الصراع «الديمقراطي- الشيوعي» على المستوى
العسكري «البارد» وما تبع ذلك على المستويات النظرية والفكرية والاقتصادية
والسياسية والاجتماعية.. بل ومصير الإنسان نفسه..
هذا وقد بدأ النقاش والجدل الفكري المذكور
«فرانسيس فوكاياما» في بداية التسعينيات.. عندما كتب عددًا من المقالات صدرت بعد
ذلك في كتاب عنوانه نهاية التاريخ ومصير الإنسان The End
of History and the Last Man قال في خلاصته أن التاريخ الإنساني انتهى
بانتصار القيم الغربية ممثلة في الديمقراطية والسوق الحر.. وذلك في معركة شرسة مع
الشيوعية ممثلة في الدكتاتورية والاقتصاد المركزي.. بقيادة الاتحاد السوفيتي.. تلك
هي نهاية رحلة الإنسان وتطور تجربته السياسية والاقتصادية والاجتماعية.. وعليه فإن
مصير العالم الذي نعيش فيه قد تحدد بانتصار القيم الغربية وهذا هو منتهى الأمر بعد
الحرب الباردة.. وذلك يعني أن العلاقات الدولية في عالم ما بعد الحرب الباردة..
سوف تدور حول القيم الغربية الديمقراطية.. واقتصاديات السوق الحر.
ولكن يبدو أن بروفيسور «صموئيل هننغتون» أستاذ
الدراسات الاستراتيجية وعلوم الدولة بجامعة هارفارد لا يوافق «فوكاياما» في
أطروحاته حول مصير الإنسانية.. بعد الحرب الباردة.. ففي مقال له مشهور نشر في
دورية الشؤون الخارجية Foreign Affairs التي صدرت في الصيف الماضي تحت عنوان: The
Clash of Civilizations «صراع الحضارات» يذهب الأستاذ المذكور إلى
أن عالم ما بعد الحرب الباردة سوف يشهد صراعًا ضاريًا بين الحضارات التي تسود
عالمنا.. ولن تسلم الحضارات الأخرى للحضارة الغربية، كما ذهب فوكاياما، هذا ولم
يقف الجدل الفكري عند هذا الحد فقد انبرت مجموعة أخرى من المفكرين وأساتذة
الجامعات لتخالف فكرة بروفيسور هننغتون.. ففي آخر عدد من مجلة الشؤون الخارجية Foreign
Affairs والتي صدرت في فصل الربيع سبتمبر/ أكتوبر
١٩٩٣م.. كتب كيشور محبوباتي عميد كلية الخدمة المدنية بسنغافورة.. والبروفيسور جين
كيركباتريك السفيرة السابقة للولايات المتحدة في الأمم المتحدة وبروفيسور فؤاد
عجمي في جامعة جون هوبكنز.. كتبت هذه النخبة لتقول إن عالم ما بعد الحرب الباردة
ليس بالضرورة عالم صراع بين الحضارات الإنسانية كالمسيحية.. والحضارة الإسلامية
والتراث الفكري للصين والهند القائم على الكونفوشيوسية.. والهندوسية على التوالي..
ولا على غيرها من الثقافات والحضارات.. وهكذا يحتد وينشط الجدال حول مصير
الإنسانية بعد التغيير الهيكلي الذي حدث في نظام العالم السياسي The
world structural change.
الصراع بين الحضارات
تذهب أطروحة بروفيسور هننغتون إلى أن نهاية
الصراع بين الديمقراطية والشيوعية فتحت بابًا جديدًا للصراع في العالم.. هذا
الصراع يقوم هذه المرة على الثوابت الحضارية.. الأصولية الإسلامية مثلًا تأخذ
شكلها وتتبلور محاورها كل يوم جديد.. وهي تشكل تحديًا كبيرًا للولايات المتحدة
وحلفائها في الغرب المسيحي.. فقد انتصر الإسلام في إيران والسودان وهو يقاتل بعنف
وضراوة في شمال إفريقيا ومصر.. وفي شبه الجزيرة الهندية.. تظهر الأصولية
الهندوسية.. وهي تشكل بهذا تحديًا للحضارة الغربية.. وفي الصين تعيد الكونفوشيوسية
ترتيب بيتها.. وكذلك الحال في أمريكا اللاتينية.. وفي مناطق سكن العناصر السلافية
في البلقان.. كل هذا الزخم من انبعاث الحضارات القديمة سوف يشكل عالمًا يعيش
صراعًا حادًا.
ليس ذلك فحسب.. فقد ذهب بروفيسور هننغتون إلى
أن الحرب العالمية الثالثة إذا اندلعت فستكون بين دول من حضارات مختلفة.. كما أن
سببها أو أسبابها سوف تتركز حول خلافات في المصالح بين دول من حضارات مختلفة..
فالحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية كانت حروبًا أهلية أوروبية داخل
إطار الحضارة المسيحية نفسها.. رغم التسمية التي منحت لهذه الحروب والتي عكست
عالميتها غير الحقيقية.. وهكذا فإن الحرب العالمية الحقيقية «الثالثة» ستكون بين
الحضارات وليس داخل الحضارات.
لماذا صراع الحضارات بعد الحرب
الباردة؟
يجيب بروفيسور هننغتون على هذا السؤال بالقول
إن الحضارة والتي تشمل الدين والثقافة.. والعادات والتاريخ المشترك تشكل أقوى
الهويات «The strongest identity» وهي
بذلك تشكل قاعدة الاختلاف الجوهرية بين البشر في النظر إلى الأشياء.. والحكم عليها..
مثلًا تختلف الحضارات في النظر إلى علاقة الإنسان بالله.. وعلاقة الإنسان بالإنسان..
فما يراه أهل حضارات معينة أنه «أساسي» يراه الناس في حضارة أخرى بأنه أمر «هامشي»
وخير مثال لذلك ما كتبه أحد المثقفين الغربيين قائلًا: «إن ما يسود في الغرب بأنه
قيم أساسية.. لا يحفل به ولا يعتبر أمرًا ذا بال في باقي أرجاء العالم».. هذا وفي
الاختلافات الأيديولوجية يطرح السؤال بصيغة تقول: «مع أي طرف أنت؟» «Which
side are you on» وهكذا للناس الخيار في اختيار مكان
الانحياز.. ويمكنهم تغيير المواقف.. أما بالنسبة للصراع بين الحضارات فإن السؤال
يطرح بصيغة «ما أنت؟» «What are you» أي أن الأمر هنا مقرر مسبقًا.. وليس للإنسان القدرة على تغييره..
وأردف بروفيسور هننغتون قائلًا: وكما نعلم فمن البوسنة.. إلى القوقاز.. مرورًا
بالسودان.. فإن الإجابة الخطأ عن هذا السؤال قد تعني رصاصة في الدماغ».
هذا ويرى هننغتون أن الدين يفرق بين الناس
أكثر من العنصرية.. فحسب ما يرى فقد يكون الإنسان نصف فرنسي ونصف عربي وفي نفس
الوقت يحمل جنسيتين مختلفتين من قطرين مختلفين.. ولكن من الصعوبة أن يكون الإنسان
نصف كاثوليكي ونصف مسلم.
بالإضافة إلى هذه الاختلافات يصعد الاختلاف
الاقتصادي القائم على أساس حضاري إقليمي لينشط من الاختلافات بين الحضارات.. فنسبة
التبادل التجاري زادت على المستوى الإقليمي في الأقاليم نفسها مقارنة ما بين
الأقاليم.. ففي أوروبا المسيحية زادت حركة التبادل التجاري ما بين ١٩٨٠ - ١٩٨٩ من
٥١% إلى ٥٩% وفي آسيا البوذية - الكونفوشيوسية زادت نسبة التبادل التجاري في نفس
الفترة من ٣٣% إلى ٣٧%.. وفي أمريكا الشمالية المسيحية زادت نسبة التبادل التجاري
في الكتلة من ٣٢% إلى ٣٦% في نفس الفترة.. وهكذا ينقسم العالم إلى كتل تقوم في
نشاطها الاقتصادي والتجاري على أساس ديني - حضاري - ثقافي.
الحضارات والتحديث
كي تقوم الحضارات «الأديان» من نفسها.. تسعى
للتحديث The process of Modernization وذلك كي تجمع ما بين عناصر القوة Power والثروة Wealth وهي
العناصر الهامة الأساسية التي تشكل لعبة العلاقات الدولية.. هذا وقد فاقت الحضارة
الغربية المسيحية غيرها في ذلك.. فهي الحضارة الغربية المتقدمة علميًا..
وتكنولوجيًا.. واقتصاديًا.. وعسكريًّا.. والحضارات الأخرى «الأديان» متأخرة كثيرًا
بهذه المقاييس.. فالإسلام.. متأخر في الجانب الاقتصادي.. والعلمي.. والتقني..
ويسعى سعيًا حثيثًا لاكتساب القوة العسكرية.
والحضارة الوحيدة المنافسة للحضارة الغربية
المسيحية هي الحضارة البوذية- اليابانية.. والتي أحدثت معجزة اقتصادية في أعقاب
الحرب العالمية الثانية.. ولكن هذه الحضارة تقف بعيدة عن تهديد الغرب بسبب ضعفها
العسكري واعتمادها الأمني على الحضارة الغربية.. أما الحضارة الصاعدة الآن فهي
الحضارة الإسلامية ممثلة في الأصولية «Islamic Fundamentalism» يضاف إلى الحضارة الإسلامية في الصعود فهي الحضارة الصينية-
الكونفوشيوسية The Confucian فقد
برعت الحضارة الأخيرة في دخول النادي النووي.. وقد تشكل محور الاقتصاد الآسيوي
المقبل لما لها من سوق ضخم محاط بشريط من رأس المال.. والتصنيع واقتصاديات الخدمات
في سنغافورة وتايوان وغيرها..
مبدأ الغرب والآخرين.. وتحالفات
الآخرين
إن الحضارات الأخرى: الإسلامية والبوذية
والهندوسية والكونفوشيوسية وغيرها.. تشكل محورًا يقف ضد الغرب.. فالنظرة الآن في
الغرب هي الغرب في مقابل الآخرين The West and the Rest مما يعني أن المواجهة المقبلة ستكون بين الغرب من جهة ومجموع
الحضارات الأخرى من الجهة الأخرى بل إن أكثر الحضارات تهديدًا للغرب هي الرابط
«الإسلامي- الكونفوشيوسي» أي محور (الصين - الشرق الأوسط) حيث إن الحضارتين
تزاولان نوعًا من التعاون في اكتساب القوة والثروة.. وهكذا المحور الصيني - الشرق
أوسطي هو الذي سوف يرسم الصراع المستقبلي بينه وبين الغرب المسيحي..
هذا ويشكل المحور الإسلامي - الكونفوشيوسي The
Confucian Islamic connection ضد الغرب.. أساس الصراع المقبل في العلاقات
الدولية.. وهذا التوجه يأتي من فروض المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية.. والتي
تقول بأن نظرية توازن القوى تحتم عدم قبول سيطرة دولة واحدة على النظام العالمي..
ما هو أساس هذا التحالف الإسلامي - الصيني؟
المحور الإسلامي - الصيني ضد
الحضارة الغربية
الصراع القادم في العلاقات الدولية بعد زوال
الحرب الباردة -كما يذهب بروفيسور صموئيل هننغتون- هو صراع بين الحضارات
«الأديان».. وبالذات الحضارات «الأخرى» ضد الغرب «We the
West and the Rest» ولكن احتمالات وقوف الحضارات الأخرى ضد
الغرب يتفاوت.. وذلك بسبب تفاوت قوة كل حضارة.. ووضعها ودرجة قربها أو بعدها من
الحضارة الغربية.. فهناك مشكلات كثيرة تقف في وجه الأقطار غير الغربية التي تريد
أن تدخل ضمن النادي الغربي «Bandwagoning» وأقل هذه الأقطار مواجهة للمشكلات للانضمام للنادي الغربي هي
أقطار أمريكا اللاتينية وأقطار شرق أوروبا.. تليها الأقطار الأرثوذكسية التي كانت
تعرف بالاتحاد السوفيتي، علمًا بأن أكثر المشكلات تقف في وجه الأقطار الإسلامية..
والكونفوشيوسية.. والحضارة الهندوسية.. والمجتمعات البوذية.. هذا وقد استطاعت
اليابان أن تؤسس موقعًا فريدًا لنفسها كعضو مشارك في التحرك الغربي، فهي منغمسة مع
الغرب في بعض الجوانب ولكنها أيضًا تقف خارج الغرب في جوانب هامة..
أما الأقطار التي لا تريد أو لا تستطيع اتباع
الغرب لأسباب ثقافية.. أو أسباب تتعلق بالقوة.. فهي تعد منافسة للغرب وذلك عن طريق
تطوير قدراتها الاقتصادية والعسكرية والسياسية.. وهي تقوم بهذا عن طريق تنمية
قدراتها المحلية.. وعن طريق التعاون مع الأقطار الأخرى غير الغربية. ويعتبر المحور
الإسلامي الكونفوشيوسي أهم هذه المحاور التعاونية.. وهو محور ثقافي انبثق ليتحدى
المصالح الغربية والقيم.. والقوة الغربية.. هذا المحور محصور في محور الصين -
الشرق الأوسط.
مفهوم ميزان القوى.. والحد من
التسلح.. بعد الحرب الباردة
إن الأقطار الغربية دون استثناء تقوم بخفض
لقوتها العسكرية.. كما تقوم بذلك روسيا تحت حكم الرئيس يلتسن.. هذا من ناحية ومن
ناحية أخرى تقوم الصين وكوريا الشمالية والعديد من دول الشرق الأوسط بزيادة وتوسيع
إمكاناتها العسكرية بصورة ضخمة.. وتقوم هذه الدول بدعم وتوسيع قدراتها العسكرية عن
طريق استيراد السلاح من الغرب.. وكذلك مصادر أخرى غير غربية.. هذا بالإضافة إلى
تطوير صناعتها العسكرية المحلية.. أحد نتائج هذا الاتجاه كما قال «شارلز كروثامر»
ظهور ما أسماه «بدول التسلح» Weapon States.. ودول التسلح المعنية هي دول غير غربية..
ومن النتائج الأخرى لهذا الاتجاه هو إعادة
تعريف «الحد من التسلح».. Arms Control والذي هو مفهوم غربي.. كما هو هدف غربي.. ففي فترة الحرب الباردة
كان الهدف الرئيسي من الحد من التسلح.. هو المحافظة على ميزان للقوى العسكرية بين
الولايات المتحدة وحلفائها من جهة.. والاتحاد السوفيتي وحلفائه من جهة أخرى.. أما
في فترة ما بعد الحرب الباردة فإن الهدف الأساسي من الحد من التسلح هو منع البلاد
غير الغربية من تحقيق قدرات عسكرية تشكل تهديدًا للمصالح الغربية.. ويقوم الغرب
بتحقيق هذه الأهداف عن طريق إبرام اتفاقيات دولية.. ومزاولة ضغوط اقتصادية.. والحد
من تدفق السلاح وانسياب التكنولوجيا العسكرية.. لهذه البلاد.
الصراع بين الغرب والدول
الإسلامية- الكونفوشيوسية
إن الصراع بين الغرب والدول الإسلامية-
الكونفوشيوسية يتركز بصورة كبيرة ولكن ليست أساسية على الأسلحة النووية والكيماوية
والبيولوجية.. والصواريخ الباليستية والوسائل الأخرى المعقدة التي تدفع بها.. هذا
بالإضافة إلى وسائل التوجيه والمخابرات والأدوات الإلكترونية التي تصب نحو تحقيق
هذا الهدف. فالغرب يسعى لتطوير مفهوم عدم انتشار الأسلحة كمفهوم عالمي.. كما يسعى
لتطوير اتفاقيات عدم انتشار الأسلحة.. ووسائل التفتيش كأساليب لتحقيق ذلك المفهوم
على أرض الواقع.. يقوم الغرب أيضًا بالتهديد بمختلف أنواع المقاطعة ضد أولئك الذين
يسعون لتطوير ونشر الأسلحة المتقدمة المعقدة.. ويقترح مجموعة من المنافع والمصالح
لأولئك الذين لا يقومون بذلك.. ويركز الغرب اهتمامه على الدول التي تشكل عداء
حقيقيًا أو محتملًا للغرب.
هذا وتقوم الأمم غير الغربية من جانبها
بالتأكيد على حقها في امتلاك ونشر أي نوع من أنواع السلاح الذي تراه ضروريًا
لتأمين أمنها وسلامها القومي. كما أن هذه الأمم استوعبت لأقصى مدي حقيقة رد فعل
وزير الدفاع الهندي عندما سئل عن الدرس الذي تعلمه من «حرب الخليج» حيث أجاب «لا
تحارب الولايات المتحدة إذا لم يكن لديك سلاح نووي»، فقد اعتقد الآخرون -خطأ- أن
تملك الأسلحة الكيماوية.. والصواريخ.. والأسلحة الذرية.. من شأنه أن يساوي ما بين
ما يملكون من قوة والإمكانات العسكرية التقليدية الغربية المتفوقة.. فالصين تملك
من قبل أسلحة ذرية وتملك باكستان والهند القدرات على نشرها.. أما كوريا الشمالية
وإيران والعراق وليبيا والجزائر فيبدو أنها تحاول امتلاك السلاح النووي. فقد أعلن
مسؤول إيراني على مستوى عال أن على جميع الدول الإسلامية امتلاك الأسلحة النووية..
وكان الرئيس الإيراني قد أصدر أمرًا عام ١٩٨٨م وجه فيه بتطوير أسلحة كيماوية
وبيولوجية وإشعاعية Radiological على
المستويين الدفاعي والهجومي.
إن التوسع الصيني الدؤوب في مجال التسلح يمثل
اهتمامًا مركزيًا بالنسبة للغرب في اتجاه بناء قوة مناهضة للقوى العسكرية الغربية Counter
West military capabilities فالصين مسنودة بنمو اقتصادي عجيب تتحرك
بسرعة وبقوة.. نحو تحديث قواتها المسلحة، فهي -أي الصين- تشتري أسلحة من دول
الاتحاد السوفيتي السابق.. كما أنها تقوم بتطوير صواريخ بعيدة المدى.. كما يفعل
الغرب الآن.. وذلك عن طريق امتلاك قدرات تكنولوجية في مجال إعادة التزويد بالطاقة..
وهي على أبواب الحصول على حاملات الطائرات.
وهكذا أدى التوسع العسكري الصيني.. وتأكيد
سيادتها على بحر الصين الجنوبي إلى نوع من سباق التسلح في شرق آسيا.. وهي مصدر
معتبر للسلاح والتكنولوجيا.. فقد قامت الصين بتصدير مواد إلى ليبيا والعراق وهي
مواد يمكن استخدامها لإنتاج الأسلحة الذرية وغازات الأعصاب.. ساعدت الصين الجزائر
لبناء مفاعل مناسب لإجراء بحوث وتجارب نووية.. وكذلك للإنتاج.. قامت الصين أيضًا
ببيع التكنولوجيا النووية لإيران.. ويذهب المسؤولون الأمريكيون إلى أن هذا النوع
من التكنولوجيا يمكن أن تستخدم لإنتاج السلاح النووي.. ويبدو أن الصين قد قامت
بشحن صواريخ لباكستان.. أما كوريا الشمالية فتملك برنامجًا نوويًّا استمر بعض
الوقت.. وقد قامت ببيع أسلحة متقدمة لسوريا وهي نوع من الصواريخ المتقدمة..
وتكنولوجيا الصواريخ.. وهكذا فإن انسياب السلاح الآن.. وتكنولوجيا التسلح.. تذهب
من شرق آسيا إلى الشرق الأوسط.. علمًا بأن هناك تحركًا آخر.. فقد تسلمت الصين
صواريخ ماركة ستينجر Stinger من
باكستان.
المحور الإسلامي - الكونفوشيوسي
العسكري
وهكذا، كما يقول هننغتون، ولد المحور الإسلامي
- الكونفوشيوسي العسكري.. وقد أخذ هذا المحور على عاتقه تملك السلاح بواسطة أعضائه..
وكذلك تكنولوجيا السلاح المطلوبة للوقوف ضد القوة الغربية.. هذا التحالف قد يستمر
وقد لا يستمر.. وهو في الوقت الحالي.. يمثل اتفاقًا يدار بواسطة ناشري الأسلحة
ومسانديهم»..
وهكذا فإن نوعًا من أنواع المنافسة الجديدة في
مجال التسلح تأخذ شكلها بين البلاد الإسلامية - الكونفوشيوسية والغرب.. وذلك في
إطار قديم من سباق التسلح حيث يسعى كل جانب لتطوير ميزان القوى الخاص به.. وذلك
بغرض التوصل إلى التفوق ضد الطرف الآخر.. وفي هذا المحتوى الجديد من سباق التسلح..
يقوم أحد الأطراف بتطوير أسلحته بينما يسعى الطرف الآخر ويحاول ليس لتحقيق توازن
ما ولكن للحد من وضع هذا البناء العسكري.. في الوقت الذي عمل فيه لخفض قدراته
العسكرية.
هذا هو الأساس الذي توصل إليه بروفيسور صموئيل
هننغتون.. من مقالته المشهورة والتي ستكون مرجعًا مهمًا للفكر الغربي في العلاقات
الدولية في عالم ما بعد الحرب الباردة.. مثلها مثل المقال المشهور لجورج كنان
والتي نشرها في نفس المجلة في عدد أبريل عام ١٩٤٧م تحت اسم «Mr.
X» «السيد إكس».. والتي تنبأ فيها بسياسة
التمدد السوفيتية واقترح على الولايات المتحدة سياسة الاحتواء - Policy
of Containment وقد شكل ذلك المقال والمقترحات التي تضمنتها
سياسة الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى نهاية الحرب
الباردة عام ١٩٩١م.. بل تعتبر هذه المقالة هي الأساس الفكري لنجاح سياسة الاحتواء
الغربية ضد الشيوعية التي أدت إلى انهيار الاتحاد السوفيتي.. وفي تقديري أن مقال
«هننغتون» صراع الحضارات.. يرسم بنفس القدر سياسة الاحتواء الغربي للمحور الإسلامي-
الصيني. وهو الأساس الذي سوف يشكل السياسة الأمريكية والغربية فيما بعد الحرب
الباردة.
ماذا يعني صراع الحضارات بالنسبة
للسياسات الغربية؟
ذكر بروفيسور هننغتون أن مقاله سالف الذكر لا
يقول بأن الحضارات «الأديان» سوف تأخذ مكان «الهويات الأخرى» - The
other identities.. وأن الدولة الحديثة سوف تختفي وأن كل
حضارة «دين» سوف تكون وحدة متماسكة على المستوى السياسي.. وأن الجماعات المختلفة
داخل كل حضارة سوف لن تتصارع مع بعضها.. وتحارب بعضها.. هذه الدراسة تضع أمام
القراء الفرضية التي تقول إن الاختلاف بين الحضارات خلاف حقيقي.. وموجود.. ومهم
«فالشعور الحضاري» «Civilization Consciousness» يتزايد والصراع بين الحضارات سوف يحل محل الصراع الأيديولوجي
والصراعات الأخرى.. كشكل مهيمن عالميًا من أشكال الصراع.. فالعلاقات الدولية والتي
كانت -من ناحية تاريخية- لعبة تلعب داخل الحضارة الغربية المسيحية سوف تتخلص بصورة
متزايدة من غربيتها وتتحول إلى لعبة يلعبها أو بالأحرى يشارك فيها لاعبون غير
غربيين.. وليسوا فقط «أهدافًا» للاعبين آخرين.. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن
مؤسسات دولية ناجحة في المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية سوف تتبلور داخل
الحضارات أكثر منها عبر الحضارات المختلفة سوف يتزايد.. وتتنامى درجة دفعه وسوف
يتخذ طابعًا عنيفًا مقارنًا بالصراع داخل الحضارات..
وهكذا فإن الصراع العنيف بين المجموعات ذات
الحضارات المختلفة هو أكثر احتمالًا.. ويشكل أخطر المصادر التي تقول أو تفضي إلى
حرب عالمية.. وعلى ذلك فإن محور السياسة الدولية المقبل هو العلاقات بين «الغرب..
والآخرين» The West and the Rest.
وتأسيسًا على ذلك فإن «الصفوة» في بعض الدول
الممزقة -والدول الممزقة في تعريف بروفيسور هننغتون هي الدول ذات الثقافة أو
الحضارة الإسلامية- ورغم ذلك يسعى بها قادتها لربطها بالغرب وإدخالها ضمن الحضارة
الغربية.. مثل تركيا ذات الهوية الإسلامية، ولكن قادتها يحاولون إدخالها ضمن
النادي الحضاري الغربي- هذه الصفوة من الدول الممزقة.. The Torn
States سوف تسعى لإدخال بلادها كجزء من الغرب ولكن
في أغلب الأوقات سيواجهون صعوبات كثيرة ورئيسية.. لإنجاز ذلك.
إن التركيز الأساسي للصراع في المدى القريب
سيكون بين الغرب والعديد من الدول الإسلامية - الكونفوشيوسية هذا لا يعني أننا
نساند الرغبة في الصراع بين الحضارات.. بل يعني أننا نضع أمام الجميع فرضية وصفية
لما سيكون عليه المستقبل.. وإذا كانت مثل هذه الفرضيات محتملة الحدوث، فلابد من
النظر في ما ستتضمنه هذه الفرضيات بالنسبة للغرب.. ما الذي تدلل عليه هذه الفرضيات
بالنسبة للغرب والسياسات الغربية.. وهذه المتضمنات.. أو التدليلات بالنسبة
للسياسات الغربية يمكن تقسيمها إلى قسمين:
١- المصالح قريبة المدى.
٢- الاستيعاب على المدى البعيد.
وفي العرض أدناه سوف نتناول كل قسم من هذه
الأقسام لنتعرف على طرح بروفيسور هننغتون.. والأسلوب الذي يقترحه للغرب كي يتحرك
في مقابل التحرك الإسلامي - الكونفوشيوسي المقترح.
الإجراءات الغربية على المدى
القريب
من الواضح أن المصالح الغربية تستدعي تطوير
تعاون أكبر ووحدة في داخل حضارته المسيحية تستدعي المصالح الغربية إدخال دول
ومجتمعات شرق أوروبا وأمريكا اللاتينية داخل المجتمعات الغربية.. هذا بجانب تطوير
وإبقاء العلاقات التعاونية مع روسيا واليابان.. هذا النسق من التخطيط يستدعي منع
تطور الصراع داخل الحضارة الغربية إلى حروب داخل الحضارة المسيحية.
هذا ومن الإجراءات التي يجب على الغرب اتخاذها
هو منع ازدياد وتطور القوة العسكرية في الدول الكونفوشيوسية.. والدول الإسلامية..
بجانب ذلك على الغرب التخفيف من شدة الخفض في القدرات والقوة العسكرية الغربية..
والمحافظة على التفوق العسكري الغربي في شرق وجنوب شرقي آسيا.. ويستدعي الأمر
أيضًا إذكاء الخلافات واستغلال الجوانب الخلافية وإذكاء الصراع بين الدول
الكونفوشيوسية والدول الإسلامية وعلى الغرب سيرًا على هذا النسق أن يساند
المجموعات الموالية للغرب في الحضارات الأخرى.. أي تلك التي تستهويها القيم
والمصالح الغربية.. يدعم التواصل معها ويشجعها ويساندها حتى تقوى ويكون لها شأن
داخل حضاراتها فتشكل بذلك وجودًا صديقًا للغرب.. على الغرب أيضًا يقع عبء تقوية
المؤسسات الدولية التي تعكس وتعطي الغطاء القانوني الشرعي للمصالح الغربية..
والقيم الغربية وتطوير اشتراك الدول غير الغربية في هذه المؤسسات.
الإجراءات الغربية على المدى
البعيد
أما على المدى البعيد فهناك إجراءات أخرى
ينبغي على الغرب اتخاذها.. فالحضارة الغربية هي حضارة غربية وحضارة حديثة «Both
Western & Modern» فالحضارات غير الغربية قامت بمحاولات للتحديث، أي تحديث نفسها
دون أن تكون غربية.. وحتى الآن فإن اليابان وحدها نجحت في هذا المسعى.. وبذلك تشكل
اليابان أنموذجًا للتحديث غير الغربي.. أو بالأحرى أثبتت اليابان أو الأنموذج
الياباني إمكانية «التحديث» دون التغريب.. كما أن الحضارات الأخرى سوف تحاول
وتواصل السعي لاكتساب القوة والثروة.. Power & Wealth مثل
التكنولوجيا.. المهارات.. الآلات والأسلحة والتي تشكل جزءًا من عملية التحديث..
الحضارات غير الغربية ستحاول الجمع بين عملية التحديث المذكورة وعاداتها وتقاليدها
وثقافاتها.
إذ إن قوتها الاقتصادية والعسكرية بالنسبة
للغرب سوف تتزايد.. هذا وسوف يحاول الغرب بصورة متزايدة استيعاب تلك الحضارات التي
تقترب قدراتها في القوة من قوة الغرب.. وفي نفس الوقت تختلف قيمها ومصالحها بصورة
كبيرة عن القيم الغربية والمصالح الغربية.
هذا يستدعي أن يحافظ الغرب على قوته العسكرية
والاقتصادية الضرورية لحماية مصالحه في مواجهة الحضارات الأخرى.. كما أن التطور
يتطلب من الغرب أن يطور فهمًا أكثر عمقًا للفروض الدينية والفلسفية الأساسية التي
تشكل المحاور التي تستند عليها الحضارات الأخرى.. والمنظور الذي ترى من خلاله شعوب
الحضارات الأخرى مصالحها.. بجانب ذلك من الضروري معرفة العوامل المشتركة بين
الحضارة الغربية والحضارات الأخرى..
وبالتأكيد فإنه على المدى القريب لن تكون هناك
حضارة عالمية واحدة، وبدلًا عن ذلك سيكون عالمنا عالمًا ذا حضارات مختلفة.. كل
منها عليه أن يتعلم كيف يعيش ويتعايش مع الحضارات الأخرى.. وهكذا يتوصل هننغتون
إلى أطروحة أو رؤية مختلفة عن رؤية فوكاياما والذي يقول بانتصار الحضارة الغربية
في أعقاب الحرب الباردة وأن على الحضارات الأخرى أن تترك فروضها الأساسية وتتبع
فروض الحضارة الغربية.. وهكذا يرى الباحث أن طرح بروفيسور هننغتون هو الطرح الأقرب
إلى الطرح الإسلامي في أحد جوانبه.. والذي يرى أن عالمنا هو عالم التنوع مع
التعايش Diversity and Co-existence عالم تسود فيه حضارات مختلفة.. مسيحية.. وإسلامية.. وغيرها..
ولكنه عالم يمكن أن تتعايش فيه هذه الحضارات بدلًا عن أن تحاول كل منها أن تسيطر
على الآخرين.. أو تحاول شطب الآخرين من على خارطة العالم بقوة السلاح.. والبقاء
والانتشار في النهاية للأصلح وفق الاختيار الفردي لبني الإنسان.. وهذا هو رأي
الإسلام.
- (دورية
الشؤون الخارجية صيف عام ١٩٩٣م).
- المؤسسة
المتحدة للدراسات والبحوث.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل