العنوان مستقبل الحركة الإسلامية في ظل اتفاقية إسرائيل مع منظمة التحرير
الكاتب عبد الوارث مبروك سعيد
تاريخ النشر الثلاثاء 21-يونيو-1994
مشاهدات 65
نشر في العدد 1104
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 21-يونيو-1994
بقلم: ريتشارد و. بوليت
إن الصراع العربي - الإسرائيلي لم يوجد الحركة
الإسلامية، والسلام بين العرب والإسرائيليين لن يقضي عليها. منذ أيام حسن البنا -
مؤسس جماعة «الإخوان المسلمون» في مصر - فصاعدًا، والجماعات الساعية إلى إقامة
نظام سياسي اجتماعي أخلاقي إسلامي تستخدم الصراع مع إسرائيل أداةً لتعزيز أهدافها؛
لقد ركبوا على أكتاف الغضب على إسرائيل والتعاطف مع الفلسطينيين، وهو ما طبلت له
الحكومات القومية بلا توقف. وهذه الجماعات التي لا ترهقها أعباء الحكم، كثيرًا ما
تفوقت على الأنظمة القومية في تأييد استخدام القوة لاستعادة الأرض المسلمة ومدينة
القدس.
ولقد اكتسبت -ولا ريب- قدرًا من التأييد بهذه
الطريقة وبحد أدنى من التكاليف؛ لأن أكبر مؤيدي إسرائيل، وهي الولايات المتحدة،
ظلت عدوًا لما سمته «الأصولية الإسلامية»، لكن الأهداف الحقيقية للحركة الإسلامية
ليست في فلسطين فحسب، إنها في بلادها. لقد نجح تجنيد النشطين الإسلاميين في
المعاهد والجامعات نجاحًا كبيرًا؛ لأن الحركة عنيت بقضايا البطالة، والفجوة
الواسعة بين الأغنياء والفقراء، ونقص الخدمات الحكومية، والفساد السياسي، وما
يرونه في الحكومات من خضوع للمطالب الأمريكية وحياة المتعة الأوروبية لدى
الأغنياء. ويتناول الإسلاميون هذه القضايا من خلال انتقاد شامل للحياة الحديثة في
العالم الإسلامي، مؤكدين بشكل مقنع أن العودة إلى القيم الدينية الأساسية سوف يحقق
العدالة الاجتماعية والحكم الصالح ومستوى أرقى من الحياة الأخلاقية، واصلًا
المسلمين في الوقت ذاته بتاريخهم المجيد.
وقد اتخذت الاستجابة لهذه الرسالة صورًا عدة؛
فهناك الكثيرون الذين غيروا سلوكهم الشخصي وأصبحوا ذوي توجهات اجتماعية، لكنهم لم
يسعوا إلى تغيير نظام الحكم، وآخرون تنظموا سياسيًا حيثما كان ذلك ممكنًا دستوريًا،
وهم يرون في صندوق الانتخاب أداتهم لإحداث التغيير السياسي والاجتماعي، كما يرون
حلفاءهم الطبيعيين في الفقراء الطارئين على المدن الكبيرة والواجدين -بحكم أصولهم
الريفية- عزاءهم في التوجه إلى الدين. وهناك قلة من المتسرعين المحزونين اجتماعيًا
يقومون بقتل مسؤولين أو نسف أبنية انطلاقًا من مبدأ -لا جدوى من ورائه وإن طال
الزمن تقديره- يقول إن الإرهاب يمكن أن يثير الفوضى، ومن ثم يتيح الفرصة للاستيلاء
على السلطة.
إن الزيادات المفاجئة في الرخاء والحرية
السياسية وإعادة توزيع الثروة وتقشف الطبقة العليا قد تقلل من نمو الحركة
الإسلامية، لكن ليس إلى حد كبير؛ إن زخم النقد الإسلامي للعالم أصبح أقوى كثيرًا
من أن تسقطه اللكمات المادية. إن المسلمين العلمانيين(!) في قطاعهم الأجنبي
البهيج، سيصطدمون طويلًا بالمسلمين المتدينين(!)، بعد أن توجد الدولة الفلسطينية
المستقلة، ولن تصب الأموال الضخمة في جيوب العلمانيين.
فرض سلام
لنتدبر نقيض الفرض السابق: هل دفعت الحركة
الإسلامية إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية إلى الاتفاق؟ هل يمكن للحركة
الإسلامية إيقاف عملية السلام؟ يمكن أن يقال إنه لولا الضغط من الحركة الإسلامية
لاستمرت ورطة إراقة الدماء لعدة عقود؟ فعلى الجانب الفلسطيني، ظلت «حماس» تقلص من
دعوى «م.ت.ف» تمثيل الفلسطينيين في الأرض المحتلة.
كانت «حماس» هي القوة التي تقف وراء
الانتفاضة، وقد صعد المجاهدون الموالون لحماس ومليشيات حزب الله في لبنان من سفك
الدماء الإسرائيلية، الأمر الذي كان له تأثير عميق على الرأي العام الإسرائيلي.
وهو الوقت ذاته الذي بدأت «م.ت.ف» في زيادة عنفها طلبًا لاعتراف عالمي، وكان تأييد
حماس لرفض المصالحة أو التفاوض بمثابة اتهام صريح لعرفات بأنه يخون القضية
الفلسطينية، وتأكيدًا لذلك، وجهت مجموعات فلسطينية علمانية داخل منظمة التحرير
وخارجها الاتهام ذاته، لكن «حماس» كانت بالفعل تقاوم إسرائيل بإمكاناتها الذاتية البدائية،
بينما كانت المجموعات الفلسطينية الأخرى يقاتل بعضها بعضًا وتأكل من أيدي طواغيت
العراق وليبيا ودول أخرى.
ولولا أن سقوط الاتحاد السوفيتي قد حرم «م. ت.
ف.» من دعم عالمي دبلوماسي وعسكري، وأن هزيمة العراق في حرب الخليج الفارسي قد
جعلتها منبوذةً في أعين الخليجيين الذين كانوا يمولونها، لاستمرت منظمة عرفات
تجابه «حماس» من داخل الحركة الفلسطينية. وهكذا، حتى لو أن الحركة الإسلامية في
غزة والضفة الغربية لم تدفع بنفسها «م.ت.ف» إلى اتفاق السلام، فإن تهديدها
بإضعافها أدى دورًا مهمًا.
أما بالنسبة لإسرائيل، فإن توقعها وضعًا سيئًا
وسط بحر من أعدائها الإسلاميين النضاليين بدا أشد إرهابًا لها من شعورها بذلك وسط
بحر من الأعداء العلمانيين النضاليين، ويبقى هذا صحيحًا على الرغم من وضع الحرب
الباردة حدًا للعون السوفيتي. ولقد أسهمت عوامل كثيرة في خلق هذه النظرة كالتاريخ
الطويل الحزين من معاداة السامية، وهو نصراني أساسًا، والكابوس الجماعي الذي ورثته
أوروبا من الحكومة الدينية والذي يعود إلى الحروب الدينية، وتعصب بعض المجموعات
اليهودية المحافظة داخل الدولة الإسرائيلية العلمانية، والشعور الغريزي بأن
المتعصبين الدينيين الانتحاريين أخطر من المتعصبين العلمانيين الانتحاريين (معظم
تاريخ العنف في هذا القرن يناقض ذلك).
مثل هذا التفكير في تل أبيب -وكذلك في واشنطن-
عقلانيًا كان أم لا، جعل من الحركة الإسلامية عاملًا ذا وزن في دخول المفاوضات مع
«م. ت. ف».
إن إسرائيل والولايات المتحدة، وقد أنفقتا
سنوات لدفع أعدائها العرب بكل الوسائل من إكراه أو إغراء أو تهديد أو خداع
-بالتبادل أو الجمع بينها- إلى الدخول في محادثات سلام جادة، إلا أنهما لا ترغبان
أن تريا ثورة إسلامية في مصر، ولا انتصارًا انتخابيًا إسلاميًا في الأردن، ولا
فوضى سياسية إسلامية في لبنان، ولا انقلابًا إسلاميًا في سوريا؛ حتى لا يدمر كل ما
عملت تلك الحكومات من أجله. إن الحركة الإسلامية كانت سببًا في جعل وقت السلام
يحين.
تكاليف السلام وثماره
لقد أجبنا عن السؤال الأول بـ«نعم» مؤكدة،
فماذا عن فرضية أن الحركة الإسلامية يمكن أن تهدم عملية السلام؟ ينقسم هذا السؤال منطقيًا
إلى اثنين: هل تريد الحركة الإسلامية هدم السلام؟ وهل يمكنها أن تنجح؟
إن الاتجاه السائد الذي يرى «الأصولية
الإسلامية» شبحًا دينيًا يلقي بظلال الشؤم على العالم الإسلامي، بل على الحضارة
الغربية كلها، يبهم حقيقة أن الحركة الإسلامية ليست مؤامرة دولية تنطلق من
«كرملين» في قلب طهران؛ إنها بالأحرى حشد من مجموعات ذات أهداف عامة تقريبًا، لكن
لها إستراتيجيات مختلفة بشكل مثير اعتمادًا على الظروف المحلية، وليس هناك تنسيق
إسلامي عالمي لأعمال إرهاب ثورية وسفك دماء على مستوى العالم.
إن النشطين السياسيين من الإسلاميين أناس
عقلانيون على الرغم من ميلهم إلى العادة وإجلال التقاليد الإسلامية، والمحتمل أنهم
يضمون عددًا كبيرًا غير متجانس من أفضل الشباب تعليمًا وذكاءً بين شعوبهم:
العلميون والمهندسون والزراعيون والأطباء والمحامون على النمط الغربي يصلون جنبًا
إلى جنب، وربما يفوقون في العدد الأئمة المدربين والمتخصصين في القانون الإسلامي.
ومن هنا يجب ألا ندهش أن نجد مجموعات مختلفة تحسب موقفها تجاه عملية السلام بين
إسرائيل و«م. ت. ف»؛ فأعضاء «جبهة الإنقاذ الإسلامية» في الجزائر -ولدى الكثيرين
منهم في السجن فسحة من الوقت للتفكير- يمكن أن نتوقع منهم مناظرة حول ما إذا كان
رفض عملية السلام سوف يساعد في قيام الدولة الإسلامية، أو أن تأييد هذه العملية
يمكن أن يخفف من الدعم الأوروبي والأمريكي لعصبة العسكر الذين سرقوا منهم نصرًا انتخابيًا
مرتقبًا.
أما أعضاء «الإخوان المسلمون» في مصر، أو
المقاومة الشيعية لصدام حسين في العراق، فسوف يصلون إلى حساب مكاسبهم: هل هم في
وضع يربحون فيه بتأييدهم للسلام علنًا أكثر مما يخسرون لو تخلوا عن بغض إسرائيل أداةً
لكسب التأييد الشعبي ولانتقاد الحكومات التي أخفقت في استرجاع فلسطين والقدس؟ وعلى
الرغم من أن جمهورية إيران الإسلامية كثيرًا ما تُصور على أنها أشد الجماعات
الإسلامية تعصبًا، فإن طهران تتساءل عما إذا كان هناك معنى في تغذية البغض الأبدي
والعداء لإسرائيل التي ترغب قيادة (م. ت. ف) في مصافحتها، علمًا بأن إيران قد عقدت
سلامًا مع صدام حسين بعد إراقة طوفان من الدماء سعيًا وراء تحقيق أحلام آية الله
الخميني في الثأر.
ويجب ألا نصاب بالدهشة إذا ما تقلص تدريجيًا
رفض إسرائيل في خطابيات بعض النشطين الإسلاميين. بالنسبة لإيران، فإن التشبث بهدف
إنزال دمار نووي بإسرائيل، كما ينذر المعلقون المحذرون ذوو الفهم القاصر في
السياسات الإسلامية، سوف يكون أغبى قرار سياسي منذ غزو هتلر لروسيا، وليس زعماء
جمهورية إيران الإسلامية بالأغبياء.
وكما تقف الدول العربية في الدائرة الخارجية
متحفظة في الاعتراف بإسرائيل حتى تتقدم عملية السلام أكثر مع الدول الأخرى في خط
المواجهة، فالمحتمل أن منتسبي الحركة الإسلامية البعيدة جغرافيًا عن إسرائيل
ينتظرون وقتهم وسوف يمشون مع التيار في النهاية، إن كفاحهم في مكان آخر. وإذا
افترضنا أن «حزب الله» في لبنان يعوزه الاستقلال عن سوريا وإيران، فإنه سوف يتخلى
عن «حماس». ما الذي سيجعل أهداف «حماس» تقترب من التحقيق: أهو استخدام العنف لتلعب
دور المفسد؟ أم منافسة «م. ت. ف» في الانتخابات في ظل خطة الحكم الذاتي؟ ويمكن في
كل من الحالين أن يكون لها موقف أكثر عقائدية ونضالية من موقف «م. ت. ف»، ودراسة
هذه الخيارات السياسية يساوي دراسة مسألة ما إذا كانت الحركة الإسلامية قادرة على
وقف عملية السلام.
إن سلسلة من الاغتيالات وعمليات القتل وأحداث
الشغب والتفجيرات تنفذ بوحي من «حماس» والمجموعات المتعاطفة من البلدان الأخرى سوف
ترعب العالم، وما لم تفلح هذه في حمل الحكومة الإسرائيلية على التخلي عن
التزاماتها، فإن مآلها الإخفاق وفيها نهاية «حماس».
وإذا عرفنا أن حكومة رابين قد أوضحت أن الخوف
من «الأصولية الإسلامية» هو أحد عناصر دفع حزب العمل نحو السلام، فمن العبث أن
تسحب هذه الحكومة يدها من السلام لمجرد وجود معارضة ذات توجه إسلامي. ثمة احتمال
آخر بديل أن تؤدي حملة «حماس» إلى إسقاط حكومة رابين وعودة حزب «الليكود» إلى
السلطة، لكن هذه النتائج غير محتملة؛ لأن محصلتها أن تعمل إسرائيل لصالح المفسدين،
لهذا.. فالعنف قد يعتبر بالنسبة لقادة «حماس» مخاطرة أكبر من أن يحتملوها.
مزايا الشرعية
إن السير في خط الانتخابات يمكن أيضًا أن يقوي
برنامج الرافضين، فمرشحو حماس يمكن أن يحرزوا مكاسب إذا أمكن جعل سلطة الحكم
الذاتي الفلسطينية المنتخبة والتي تسيطر عليها «م. ت. ف» تبدو حكومة عميلة للعدو
تبيع وطنها له بتنفيذ مهمة الإسرائيليين القذرة، وهي قمع المخالفين والمحتجين على
استمرار الاحتلال الإسرائيلي. ولو حدث هذا فإن حكومة رابين سيلفها الفزع من كل من
احتمالي قيام دولة فلسطينية مستقلة ذات توجه ديني غرب نهر الأردن، واحتمال أن يوجه
الليكود المعارض أن اتفاقية السلام التي أسيئت دراستها قد فتحت الباب أمام التطرف
الإسلامي، والحكومة الخائفة تصبح حكومة مترددة، فتبطئ مسيرة السلام ثانية، كما أن
الشرعية السياسية لـ «م. ت. ف» تتعرض أكثر للتقويض لصالح «حماس».
هذه أفضل استراتيجية يمكن أن تتبعها «حماس»،
وهي الاتجاه المعلن في التقارير والقائل إن «م. ت. ف» و«حماس» قد اتفقتا على ألا
تدخلا في صراع في الوقت الحاضر. وفي أفضل الاحتمالات، سوف تتيح هذه استراتيجية
لحماس أن تسيطر على سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني وعلى الحركة دون تضحيات كبيرة من
نقائها الأيديولوجي، وفي أسوئها، ستبقى «حماس» قوة مهمة في الدولة الفلسطينية
المستقلة التي تستطيع «حماس» أن تتحدى حكومتها الوطنية على مثال الجماعات
الإسلامية الأخوية في الأقطار الأخرى.
وعلى الرغم من أن المعارضة الدينية لعملية
السلام عن طريق العنف ليست محتملة سواء في المناطق المحتلة أو خارجها، فإن قيادة
«حماس» الذكية ستتمكن من إبقاء صوت قوي للحركة الإسلامية في الشؤون الفلسطينية.
والمطلوب لإسكات هذا الصوت إحداث تقدم سريع على كل محاور السلام، ودعم سلطة الحكم
الذاتي ماليًا دعمًا قويًا، واتخاذ سياسات إسرائيلية استرضائية «كرفع الحواجز
التجارية مثلًا» وتشجيع دولي لـ «م. ت. ف» لتنتقل من حركة مقاومة إلى حكومة.
ويقف ضد هذه التوجهات بثقل ذلك النمو المطرد
في كل مكان في العالم الإسلامي للقوى الإسلامية التي ترغب في أن ترى مجتمعاتها وقد
أعيد تنظيمها على أساس الحكم والقانون والأخلاق الإسلامية.
إن الأحداث في كل مكان في المنطقة يمكن أن تربك
عملية السلام؛ إن إسرائيل و«م. ت. ف» و«حماس» مقدور عليهم أن يكونوا كالذرات
المتنافرة فيما بينها داخل الذرة، والاستقرار الدائم لا يعتمد فقط على القوى التي
تهيمن على التنافر وتمنع الانشطار الداخلي، وإنما على تفادي النيوترونات الضالة
الآتية من الأحداث الأخرى (ليس المقصود الإشارة إلى انتشار الأسلحة النووية).
___________________
«*» ترجمة وإعداد: عبد الوارث سعيد.
«*»
الدراسة نشرت في دورية «الشؤون الخارجية» نوفمبر - ديسمبر (1993) ص (38-44).
(**) الكاتب «أستاذ في التاريخ»، ومدير معهد الشرق الأوسط في جامعة كولومبيا، ومؤلف كتاب «الإسلام.. رؤية من الحافة».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل