العنوان مستقبل التعليم في إندونيسيا في ظل انتفاضة المدرسين
الكاتب أحمد دمياطي بصاري
تاريخ النشر الثلاثاء 13-يونيو-2000
مشاهدات 57
نشر في العدد 1404
نشر في الصفحة 27
الثلاثاء 13-يونيو-2000
هبت رياح التغيير والإصلاح على إندونيسيا حاملة معها الحرية والديمقراطية اللذين كانتا مفقودتين خلال العقود المنصرمة وتفاوت الناس في استقبال هذا المتاح الجديد، فمنهم من أحسن استقباله حتى تتمكن الديمقراطية في الأرض، ومنهم من أساء حتى تجاوز بعض القيم والضوابط الديمقراطية نفسها بتخريب المباني وإحراقها.
هذا الأمر ليس بغريب لأن معظم الشعب الإندونيسي لم يفهم معنى الديمقراطية، إن ما حدث هر أشبه بـ «خيول برية» فرت من حظيرة الظلم الممتد إلى جو مبهم عشوائي، ولم يكن جانب من الشعب إلا ويطالب أولًا: بتغيير أوضاعه التي كانت ساندة تحت كل حكومة سوهارتو «التنموية» المبرمجة التي خلفت التفاوت الاجتماعي العريض بين الشعب وثانيًا: رفع المستوى الاجتماعي والاقتصادي، ضاغطًا نحو ذلك بسلسلة من المظاهرات حتى أصبحت المظاهرات من مظاهر هذا المناح الجديد.
ولكن الظاهرة الأخيرة التي بدت على السطح لسياسي كانت مظاهرات المدرسين في معظم أرجاء إندونيسيا في ١٢ و ١٨ أبريل الماضي، فالمدرسون كانوا العمود الفقري الحزب جولكار الذي كان يحكم سابقًا وهم الذين كانوا وراء فوزه في كل الانتخابات العامة طوال ثلاثة عقود ماضية تحت شعار «وحدة الولاء».
في المظاهرات أعرب المدرسون عن حاجتهم لرفع مستواهم الاجتماعي والاقتصادي الذي يواجه التردي بعد اتجاه حكومة وحيد لرفع مستوى حياة كبار الموظفين دون صغارهم وهم الأغلبية وهدد المدرسون بالإضراب ومقاطعة الامتحان الشامل إن لم تلب الحكومة مطالبهم، وفي هذا الصدد يمكننا أن نطرح الأسئلة التالية لماذا ينبغي أن يكون حل المشكلات عبر المظاهرات؟ هل ثمة إمكانية للتدخل لتفعيل مطالباتهم؟ وما مستقبل التعليم والتربية في إندونيسيا؟
المدرسون عبر التاريخ:
أنشئت منظمة اتحاد المدرسين الإندونيسيين (PGRI) في ٢٥ نوفمبر ١٩٤٥م، ويبلغ عدد منتسبيها حوالي ١.٨ مليون شخص أي ٤٥٪ من كافة موظفي الحكومة «٤ ملايين موظف»، وقد استغلت الحكومة المدرسين لتحقيق مصالحها السياسية الخاصة، وأهملت رسالتهم ولجأت إلي الضغط عليهم ومساومتهم عند كل قرارات الحكومة تنطق بهم وشهد التاريخ فشل ذلك الاتحاد في القيام بمهمته ورسالته لأنه كان يستظل بظل حكومة سوهارتو بل إنه كان إحدى منظمات حزب جولکار وجرى تسخير كل طاقاته لمهمات مطلوبة، ولم يصدر عن هذا الاتحاد أي نقد للقرارات الحكومة التي أهملت مكانة المدرسين ولم تضعهم ضمن أولوياتها، كما هو وارد في الدستور.
وبرز إهمال الحكومة لشأن التعليم في الميزانية المخصصة له والتي كانت ولا تزال لا تتجاوز ٦.٣٪ من إجمالي الميزانية السنوية، وكان راتب المدرس الذي خدم مدة ٢٠ سنة في التدريس حوالي ١١٠ ألف روبية إندونيسية فقط «٨٥٠٠ روبية لكل دولار أمريكي» وإن اتفقت الحكومة على زيادة رواتبهم نحو ١٠٠٪ إلا أن أي زيادة من هذا النوع لا تسد حاجات المدرسين فضلًا عن ترقية مستواهم الاجتماعي والاقتصادي، وذلك بسبب ارتفاع أسعار السلع عقب توقيع اتفاق مع صندوق النقد الدولي يشترط أن يلغي الدعم المالي عن بعض المنتجات الأساسية، لذا ليس بمستغرب أن تجد أبناء المدرسين متخلفين عن الدراسة.
سياسة وحيد المثيرة:
يرى الكثير من الباحثين أن إندونيسيا لا تزال على مفترق الطرق في هندسة مستقبلها، إن لم نقل أنها راكدة بدليل انخفاض قيمة الروبية وقيمة الأسهم في بورصة جاكرتا بشكل أسوأ مما كان في عهد حكومة حبيبي، ويرى بعض المحللين أن سياسة حكومة وحيد الحالية لا تزال تتمحور حول تنمية عشوائية ولا تملك أولويات إصلاحية شاملة كما نراها من خلال قرارات زيادة رواتب الموظفين الكبار في مارس الماضي حيث زادت رواتب الموحدين برتبة ١-أ أضعافًا مضاعفة من ٥٠٠ ألف إلى 9 ملايين روبية ورتبة أ-ب من ٤٠٠ الف إلى ٧ ملايين روبية.
ويرى بعض المراقبين أن سياسة زيادة الرواتب لكبار الموظفين لبرز سياسة وحيد العنصرية الواضحة بخلاف حبيبي الذي رفع رواتب كل الموظفين الحكوميين دون استثناء، الأمر الذي يجنب الإدارة المشكلات الاجتماعية بين الموظفين بالإضافة إلى أن صغار الناس هم الأحوج إلى ترقية حالاتهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
إن هذا القرار بطبيعته المثيرة ألقي وحيد وحكومته في غمرة أحداث غير متوقعة خاصة وأن مظاهرات المدرسين تعد ظاهرة خاصة في الساحة السياسية، كما أنها تمثل احتجاجًا على سياسة وحيد التي لم تحط حتى الآن برضا منظمة اتحاد المدرسين التي لم تعد كما كانت في الماضي خاصة بعد مؤتمرها عام ١٩٩٨م.
مظاهرة المدرسين:
إضافة إلى حالة عدم الرضا فإن العمال الشعب والمظاهرات تعطي صورة عن عدم ثبات شرعية الحكم التي لا يعتبرها وحيد من أولوياته، فالمظاهرات الأخيرة تعطي صورة عن عدم قناعة الشعب بما ذهب إليه وحيد خلال رئاسته منذ أكتوبر الماضي، خاصة الانطباع بأن مصالح الشعب لا تحل إلا عبر المظاهرات وكان لا حل إلا بها، وهذه ظاهرة في منتهي الخطورة، لأن «ديمقراطية الشارع» ينبغي أن تكون مؤقتة وليس منهجًا ينهجه كل عناصر الشعب لتلبية رغباته.
أجل إن الكرة في يد وحيد وعسى ألا يتهاون في التعامل مع هذه الظاهرة بل يجب أن يصفي إلى كل مطالب الشعب وأن يتخلى عن عاداته في أن يرد عليها برد فعل مفعل أو بالإهمال حتى يحسين إدارته وسياسته في تحقيق الديمقراطية الحقيقية وفق مصالح الشعب على أساس من العدالة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.
لقد اتفقت الحكومة والمدرسون في مايو الماضي على رفع الرواتب بنسبة نحو ١٥٠٪ فهل يرضي القرار الجديد المدرسين؟ على حسب قول رئيس اتحاد المدرسين الإندونيسيين الدكتور محمد سوريا: «في الحقيقة إن الاتحاد لم يقتنع بهذا القرار لأن المطلوب والمتفق عليه في البرلمان هو ٣٠٠٪ أما أن تعتبره الخطرة الأولى فلا بأس به، وسنطالب الحكومة دائمًا بأن تعتني بالتربية والتعليم أكثر مما كانت عليه الآن» وردًا على قول وحيد: «إن ثمة عناصر تدعم حركة المدرسين لإثارة الساحة السياسية لمصالحهم الشخصية» قال الدكتور محمد سوريا: «إن هذه الحركة حركة تنسيقية داخلية وليس هناك شغل خارجي وإنها تنطلق من مبدأ المسئولية والأسس والقيم التي يعرفها المدرسون وقلنا لوزير التعليم والتربية الدكتور يحيي مهيمن أن هذه الحركة تجتذب دعمًا واسعًا من قبل الناس سواء في إندونيسيا أم خارجها ومن الحكومة والبركان على حد سواء».
وكان مؤتمر التربية العالمية لدول آسيا باسيفيك Asia-Pacific» الذي حضرته ٦٢ نقابة من ٢٦ دولة وانعقد في نيودلهي في بداية شهر مايو الماضي قد دعم عبر قراراته محاولات المدرسين الإندونيسيين طلب زيادة مستوى حياتهم المدرسين الاجتماعية والاقتصادية، بل طالب الحكومة الإندونيسية بإصدار قانون لحماية المدرسين.
مستقبل التعليم ومستقبل إندونيسيا
ولعل تحركات المدرسين الآن تكون سببًا في نهضة المدرسين بعد أن أصبحت مهنة التدريس مهنة يكرهها الكثير من الناس وأصبح معظم من أهون أفراد الشعب علمًا وعملًا وأصبح التدريس مجرد عمل لكسب لقمة العيش للطلاب غير المتفوقين خشية البطالة، ولذا نرى الطلاب المتفوقين لا يختارون التدريس كتخصص لهم في المستقبل، وفي هذا يقول الدكتور عارف رحمن الأستاذ في جامعة جاكرتا الحكومية: «إن الطلاب النبلاء قل منهم من يختار التدريس مهنة له في المستقبل».
وحسب قول الدكتور عارف فإن ثمة أربع قضايا تخص التعليم في إندونيسيا:
أولًا: مستوى المدرسين العلمي والاجتماعي.
ثانيًا: نوعية المنهج
ثالثًا: قضية مساواة التعليم في كافة أرجاء إندونيسيا.
رابعًا: قضية البنية التحتية في التعليم.
وإذا كانت حكومة وحيد جادة وصادقة فيما قاله رئيسها في يوم عيد التعليم الوطني في ٢ مايو الماضي، إذ قال: «إننا نعزم أن تجعل التعليم عمودًا فقريًا لتنمية وطنية في المستقبل» فإن المستقبل سيشرق في أفق إندونيسيا إن شاء الله وإلا سيتحقق قول الدكتور عارف: «من المحتمل ألا تملك إندونيسيا مدرسين جيدين».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل