; مستقبل أوروبا بعد انسحاب القوات الأمريكية من كوسوفا | مجلة المجتمع

العنوان مستقبل أوروبا بعد انسحاب القوات الأمريكية من كوسوفا

الكاتب د.حمزة زوبع

تاريخ النشر الثلاثاء 29-فبراير-2000

مشاهدات 77

نشر في العدد 1390

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 29-فبراير-2000

هناك رغبة أوروبية في التوسع السياسي مشمولًا بالتوسع العسكري ولكن هذا السلوك يحمل لأوروبا نعمة ونقمة

نتائج التجربة ستظهر في أبريل المقبل حين تبدأ القوات الأمريكية في الانسحاب من كوسوفا لتحل محلها القوات الأوروبية فهل تنجح أوروبا؟

ليس هناك من شك في أن قوات حلف الأطلسي (الناتو) حققت نصرًا عسكريًا في معركة حقيقية وإن كانت هذه المعركة معركة جوية، ولكن الذي فيه شك هو قدرة هذا الحلف بهيكليته الحالية على الاستمرار في مهامه فيما بعد النصر، والمثال الواضح هو ما يجري على أرض كوسوفا، فالحلف المنتصر بقيادة أمريكا لم يستطع جنوده الحفاظ على الأمن في الإقليم، ولم يمنع وجود بضعة وثلاثين ألفا من الجنود الأطلسيين وقوع حوادث عنف بين الألبان والصرب بل بين القوات نفسها والألبان. 

وربما لا نجاوز الحقيقة إذا قلنا إن هذه القوات كمثيلتها في البوسنة كانت لها بصمات إجرامية واضحة «الدعارة -الاغتصاب –التهريب» كما أن الدور الإنساني الذي ادعى الناتو القيام بضرباته من أجله قد تلاشى تمامًا ودخل بعض فصائل هذه القوات في معارك ضد سكان الإقليم «كما حدث في ميتروفيتسا» وربما يكون حدوث مثل هذه الحوادث أمرًا طبيعيًّا في ظل الاضطراب الواضح داخل الإقليم، فالصرب الذين انسحبوا مازالوا مرابطين على حدود الإقليم في انتظار رحيل القوات الدولية والألبان الذين انتصروا أو انتصر لهم الناتو ثم حرمهم من حقهم في حكم أنفسهم بأنفسهم، وتركت هذه الوضعية الشاذة آثارها الشاذة كذلك فالألبان الفرحون بالنصر لم يصلوا إلى الحكم والصرب الذين هزموا لم يفقدوا الأمل، والناتو الذي دخل إلى كوسوفا لم يفلح في إزالة ميلوسوفيتش أو إزالة المخاوف من قلوب الألبان أو طمأنة الصرب بأن وجودهم في الإقليم ليس فيه مخاطرة على الإطلاق والمراقبون يتوقعون عودة  العنف مرة أخرى في ظل عدم انتساب النصر إلى جهة محددة.

لكن الأمر غير الطبيعي أن القوات التي جاءت لحماية الإقليم باتت تشكو هي الأخرى من أوضاع لم تعهدها، فأغلبية القوة الأمريكية المتواجدة في الإقليم بدأت التعبير عن الملل من الوظيفة الملقاة على عاتقها فهم جنود مدربون على حفظ السلام ونزع السلاح لكن المهمة الجديدة هي مهمة بوليسية لم يتدربوا عليها، كما أنهم وجدوا أنفسهم في مواجهة أعباء إدارية وتنظيمية أخرى من المفترض أن تقوم بها قوات البوليس الأوروبي الذي لم يكتمل عدده بعد والأخطر من ذلك أن القوات الأمريكية في كوسوفا جاءت لحماية أوروبا والحد من خطورة ميلوسوفيتش ومن ورائه روسيا، لكن هذه القوات وجدت نفسها في حقل ألغام لا تدري كيف تتعامل معه، فحتى الخروج يعني الخسارة لأنه يعني عودة سريعة للقوات الصربية والدخول  في دوامة جديدة والأمريكان يخشون بقاء قواتهم للقيام بمهمة ليست من اختصاصهم قد تنتهي بهم إلى الملل وفقدان الثقة والقدرة العسكرية، مما سينعكس سلبًا على التواجد العسكري الأمريكي بالخارج، كما أنه لو بقيت هذه القوات تحت ظروف أمنية أفضل ومهام تجيدها، لطفا على السطح سؤال آخر وهو إلى متى؟.

هذا ما دفع ويليام كوهين وزير الدفاع الأمريكي إلى التعبير صراحة عن قلقه وقلق الإدارة الأمريكية على مستقبل القوات الأمريكية في كوسوفا وقال في مؤتمر ميونيخ المعروف باسم دافوس العسكري «لقد بلغ الأمر مبلغه من الجدية ليس على مستوى الإدارة والكونجرس بل وعلى مستوى القادة العسكريين فالمهمة تحولت إلى مهمة بوليسية لم يتدربوا عليها ولا تريد لهم القيام بها».

وهذا ما دفع رئيس لجنة القوات المسلحة بمجلس النواب الأمريكي إلى القول إن الأوربيين لم يوفوا بالتزاماتهم المالية أو العسكرية فقد وعدوا بإرسال قوات شرطة للحفاظ على الأمن وتأمين مبلغ 35 مليون دولار لهذه المهمة لكنهم لم يرسلوا إلا بعضًا من البوليس ولم يرسلوا سنتًا واحدًا.. إن عليهم الالتزام بتعهداتهم. 

والسؤال الذي يطرح نفسه في الدوائر الأمريكية ماذا بعد انسحاب الأمريكان؟

ومن هذا التساؤل تبرز أسئلة عدة

۱ - من سيسد فراغ هذه القوات

2- علاقة هذه القوات بالناتو أو بأمريكا 

3- أثر الخروج الأمريكي على العلاقات في البلقان

4- أثر تشكيل القوة الجديدة على الخريطة العسكرية في أوروبا، وعلاقة هذه القوة الجديدة بروسيا

ونعود إلى السؤال الأول

1 - من سيسد فراغ القوات الأمريكية وهذا يقودنا للحديث عما اصطلح على تسميته اليوروكوربس Eurocorps، أو القوة الأوربية ورغم كثرة الحديث هذه الأيام عن هذه القوة كبديل للقوة الأمريكية ورغم ما يقال عن أن مؤتمر ميونيخ العسكري استهدف توحيد الرؤى العسكرية أو عولمتها هي الأخرى، إلا أن اللافت للنظر أن اجتماع ميونيخ لهذا العام فبراير ٢٠٠٠م. خصص جل وقته لمناقشة البديل الأوروبي للقوات الأمريكية ولا تعود قصة اليوروكوربس إلى ميونيخ ألفين بل إلى عام ۱۹۹۲م، وهي مبادرة قادتها كل من فرنسا وألمانيا، وانضمت إليها في العام نفسه بلجيكا ولحقت بها إسبانيا في عام ١٩٩٣م ثم لوكسمبورج في عام ١٩٩٦م. واتفقت الدول الخمس على تشكيل قوة عسكرية مشتركة يبلغ قوامها ٦٠ ألف جندي مزودة بألف دبابة ومصفحة تكون لديها القدرة على الانتشار السريع في ظرف زمني لا يزيد على ٦٠ يومًا، ولديها القدرة على البقاء في مواقعها لمدة عام واحد فقط.

ومر وقت ولم تتحرك الأمور حتى كان ٣٠ من نوفمبر من عام ۱۹۹۹م حيث عقدت القمة الفرنسية الألمانية والتي نظرت في الهيكلية المقترحة لهذه القوات وتوصيف دورها واتفق على أن تقوم بسد فراغ الناتو في المناطق التي لا يشارك فيها أو تقع خارج إطار عملياته على أن تكون لهذه القوة قيادة مستقلة عن الناتو لها القدرة على اتخاذ القرار وتنفيذه، وقد قدم هذا الاقتراح إلى القمة الأوربية التي عقدت ديسمبر من العام الماضي ١٩٩٩م.

 تشكيل قوة عسكرية أوربية ليس إلا تكرارًا لمحاولات أوربية سابقة في هذا الشأن بدأت منذ عام ١٩٤٨م بإنشاء ما عرف باسم اتحاد أوروبا الغربية والذي لم يتجاوز حدود الأوراق والوثائق، ومرورًا بمحاولة الأوربيين أن يكون لهم نصيب أوفر في القيادة الجنوبية للناتو وأن يكون لهم الخيرة في اتخاذ القرار وليس كما حدث في كوسوفا -إذ إن الأوربيين يرون أن الأمريكيين لم يأخذوا نصائحهم بجدية، وعليه فيرى فريق من الأوربيين ترك أمر القوات الأمريكية في كوسوفا للأمريكيين كي يبحثوا عن مخرج بينما يرى فريق آخر الأمر بشكل مختلف فتكوين جيش عسكري أوروبي هو حلم أوروبي قديم يعفي الأوروبيين من الهيمنة الأمريكية التي تتجاوز الأمور العسكرية إلى الأمور السياسية كذلك.

وعلى أي حال فتشكيل هذه القوة يمكن تلخيصه في كلمتين نعمة ونقمة، نعمة لأنه يمنح الأوربيين فرصة التصرف بعيدًا عن أمريكا، ونقمة لأن خروج الأمريكان من المنطقة يلقى بتبعات كثيرة خصوصًا بعد اجتياح روسيا الشيشان، واحتمالات عودة الحرب الباردة للمسرح الأوروبي والدولي.

2- علاقة التشكيل العسكري الجديد بالناتو

 رغم هذه الرغبة الجامحة لدى بعض الأوربيين في الاستقلال التدريجي عن أمريكا، إلا أن الكثيرين من الأوربيين فيما عدا بريطانيا -يرون استحالة وجود قوة أوربية بديلة للأمريكان وعلى الجانب الآخر فرغم أن أمريكا تبحث عن مخرج مشرف لها بدلًا من التورط في مستنقع كوسوفا، إلا أن وزير الدفاع الأمريكي صرح أثناء لقائه الجنود والقادة الأمريكيين في إحدى القواعد الأمريكية في ألمانيا بأن على الأوربيين التفكير جديًّا قبل الاختيار بين الناتو وغيره وعليهم أن يجعلوا من الناتو الخيار الأول في خططهم.

 والحقيقة أن ذلك له أسبابه الموضوعية فالأوربيون لم يكونوا ولن يكونوا في المنظور القريب على نفس أداء وجاهزية القوات الأمريكية، كما أن الإنفاق العسكري الأوروبي مجتمعًا لا يصل إلى ٦0% من الإنفاق العسكري الأمريكي ناهيك عن خبرات الأمريكان على مستوى العالم وفي مواقع متباينة.

لكن المطروح حاليًا هو أن تكون هذه القوات أوروبية التشكيل أطلسية التفكير مختلطة الإدارة والتوجيه كمرحلة انتقالية لحين تمرس الأوربيين وإثبات جدارتهم

3- أثر انسحاب القوات الأمريكية على العلاقات في البلقان؟

أول ما يتخوف منه المراقبون والمحللون العسكريون هو استثمار ميلوسوفيتش للحدث والقيام بتحرك عسكري نحو الإقليم في ظل عدم وضوح الشكل السياسي في الإقليم، وليس الأمر قاصرًا على مغامرات ميلوسوفيتش بل تجاوزه مؤخرًا بما قد أثير عن احتمالية قيام انقلاب أو عمل عسكري في ألبانيا، وهو ما حذر منه رئيس المخابرات الألبانية مؤخرًا مع رئيس الوزراء الألباني إلير متى، وإذا ما صدقت هذه التوقعات فإن خروج القوات الأمريكية سوف يزيد من أعباء القوات البديلة والتي سوف تعتمد كما يعتمد الناتو الآن على ألبانيا كمسرح خلفي للعمليات في كوسوفا.

وستمتد هذه المخاوف إلى البوسنة والتي مازالت تتلمس طريقها إلى السلام وسط معطيات غير مبشرة والعديد من دول البلقان يعتمد كليًّا على العامل الأمريكي كضمانة للاستقرار ومن بين تلك الدول مقدونيا التي ترى أن الفضل في عدم امتداد الحرب في كوسوفا إليها يعود إلى قوات حفظ السلام الأمريكية والتواجد الأمريكي بكثافة مما يمثل ردعًا للألبان في مقدونيا قبل التفكير في أي محاولة انفصالية رغم معاناتهم المستمرة ويشكل هذا التواجد ردعًا للأقلية الصربية كذلك.

 ورغم أن اليونان لم تشارك في عمليات الناتو ضد صربيا ولا في قوات حفظ السلام فيها إلا أن ابتعاد الأمريكيين قد يدفعهم إلى التفكير في البحث عن دور إقليمي في المنطقة خصوصًا أن لهم محاولات سابقة لقيادة البلقان.. وهذا يمثل خطرًا محتملًا على أوروبا التي تريد أن تتخلص من أي تجمعات تقوم على أسس عرقية أو دينية خصوصًا إذا ضم هذا التجمع بلغاريا ويوغسلافيا بأغلبيتهما الأرثوذكسية.

4- أثر تشكيل القوة الجديدة على التركيبة العسكرية في أوروبا

وفق ما أعلن ووفق تصريحات رومانی برودی رئيس المفوضية الأوربية في ١٠ فبراير والتي جاء فيها «إن أي اعتداء على دولة عضو في الاتحاد الأوروبي سيعتبر اعتداءً مباشرًا على الاتحاد  الأوروبي ككل»، وهذه الفقرة مطابقة تمامًا لنص المادة السابعة من النظام الأساسي لحلف شمال الأطلسي.

وهذا التصريح يعكس رغبة أوروبية حقيقية في التوسع السياسي مشمولًا بالتوسع العسكري ويعني أيضًا أنه ليس الناتو فقط الذي يتوسع شرقًا بل الاتحاد الأوروبي، وربما تأتي هذه التصريحات في هذا السياق لطمأنة الأعضاء الجدد في الاتحاد الأوروبي، وإرسال رسالة تحذير إلى روسيا كذلك ولكن في المقابل فإن الروس سوف يأخذون هذه التصريحات مأخذ الجد وسيعملون ما في وسعهم من أجل تأمين حدودهم أو حتى البحث عن حلفاء جدد وهو ما ينذر بالعودة إلى الحرب الباردة وتكتسب تصريحات برودي أهميتها من كون برودي رئيسًا منتخبًا للمفوضية الأوربية وليس رئيسًا دوريًا يتحدث باسم بلاده أو يضع علاقات بلاده في أولويات الرئاسة، كما أنها تأتي ضمن زيارة يقوم بها إلى عدة دول على حدود روسيا منها استونيا، ولاتفيا، وليتوانيا ودول أخرى ذات أغلبية أرثوذكسية مثل رومانيا وملدوفيا.. وتأتى في أعقاب زيارة لوفد من الناتو إلى جورجيا الجار المشاكس لروسيا.

روسيا بجيشها الذي يفوق المليون وترسانتها النووية التي تخطت الـ٢٢ ألف رأس نووي، ناهيك عن الصواريخ بكافة أبعادها، ورغم معاهدات الحد من التسلح والتخلص من الصواريخ بين أمريكا وروسيا لن تقف مكتوفة الأيدي في مواجهة المد الأطلسي والأوروبي شرقًا، وليست تصريحات الرئيس الروسي بالإنابة فلاديمير بوتين التي أكد فيها على استخدام القوة النووية في حال استحال إخضاع المتمردين أو احتواء الاضطرابات بالطرق السلمية إلا رسالة إلى أوروبا بأن روسيا التي أهينت في عصر يلتسين ربما لن تسمح بالإهانة العسكرية مرة أخرى في عصر بوتين، وهذه التصريحات تلقى دعمًا شعبيًّا كبيرًا ومساندة حزبية من اليمين إلى اليسار، كما أن تحرك أوروبا في اتجاه تشكيل جيش عسكري مستقل قد يعني أن ما حدث من معاهدات واتفاقيات للحد من التسلح في أوروبا قد تذهب أدراج الرياح وأن العودة إلى المواجهة العسكرية قد تكون احتمالًا غير مستبعد، كما أن هذا التحرك الأوروبي قد يدفع روسيا إلى تسليح أصدقائها بكافة أنواع الأسلحة داخل أوروبا أو خارجها، ربما يكون الخيار الخارجي أفضل حيث إن ذلك سيؤثر على مصالح أوروبا في العالم وهي التي تعتمد على دول العالم الثالث كمصادر للمواد الخام وكأسواق حاضرة لبضائعها.

 التوجه الأوروبي الجديد هو محاولة أولى للأوربيين سوف تبدأ في أبريل المقبل حين تبدأ القوات الأمريكية في الانسحاب من كوسوفا وعلينا الانتظار حتى نرى أداء هذه القوات وربما تسبقنا الأحداث فلا تتمكن هذه القوات من الخروج أو ربما تعجز أوروبا عن توفير ٥٠ ألف جندي ولم لا وقد عجزت عن توفير ألفين من المراقبين المدنيين في كوسوفا في عام ١٩٨٨م.

الرابط المختصر :