; مسئولون ​وغير مسئولين ! | مجلة المجتمع

العنوان مسئولون ​وغير مسئولين !

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 05-يونيو-1973

مشاهدات 17

نشر في العدد 153

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 05-يونيو-1973

الإعلام.. بريء!! والجيوش.. بريئة!! وقيادة الجيوش.. بريئة!! والقيادة السياسية.. بريئة!! فمن صنع الهزيمة إذن؟!

وجوه واحدة: كل المتكلمين قبل يونيو.. يتكلمون بعده.. فقبل حزيران كان السيد محمد حسنين هيكل يمدح بمقالاته المعروفة، وفي ذكرى كل حزيران ـ بعد حزيران النكسة ـ استمر السيد هيكل يمدح مقالاته.. والذين يقفون في العالم العربي ضد الاتجاه الهيكلي كانوا يكتبون قبل النكسة، ويشحون بالأنانية على الاتجاه الهيكلي.. وبعد النكسة استمروا يكتبون.. والمستويات المختلفة للمنتمين لليمين كانوا يكتبون.. وظلوا بعد النكسة يكتبون.. والمستويات الأخرى المختلفة للمنتمين لليسار كانوا يكتبون.. وظلوا ـ كذلك ـ بعد النكسة يكتبون.. من المسؤول عن جريمة النكسة إذن يا ترى؟

• •

الوجوه هي الوجوه ومسرح الدجل هو نفس المسرح وهذه ـ في واقع الحال ـ هي النكسة الحقيقية..

• •

افتراضات: ● لقد خرجت الجماهير ـ مندفعة بعواطف بعيدة وقريبة ـ تتمسك بالقيادة التاريخية للنكسة، وبالتالي فستبدأ بفرضية أن قيادة النكسة ـ إياها ـ بريئة.. وتفيد التحقيقات التي أجرتها محاكم عسكرية تجنح إلى الظلم أكثر مما تجنح إلى العدل أن السيد شمس بدران وزير الحربية المصري لم يحاكم ـ حين حوكم ـ كمسؤول عن الهزيمة، وإنما حوكم لمحاولة قلب نظام الحكم، وبمحاولته فرض المشير عامر على القيادة المسلحة بالقوة.. كما أن السيد محمد صدقي محمود (فريق أول) القائد لسلاح الطيران الجوي المصري الذي تحطم على الأرض.. لم ينل من العقوبة أكثر من 15 سنة في الحقيقة، وهي عقوبة يمكن أن تصيب أقل جرائم تهريب المخدرات أو العمالة الأجنبية إلى مصر.. والتبرير الوحيد الذي يعتقده الكثيرون ـ لمثل هذا الحكم ـ أن السيد صدقي محمود ـ بالرغم من أخطائه الشخصية ـ كان بريئاً من حادثة الطائرات بخاصة، إذ إنه كان يتلقى أوامره من القيادة السياسية التي استجابت لنصائح موسكو، وأمرت بعدم تنفيذ ضربة أولى.. وأما المشير عبد الحكيم عامر وهو المسؤول الثاني عن النكسة فتختلف الآراء حول مسؤوليته.. وعلى كل فالمرجح أنه كان ـ كذلك ـ يخضع للقيادة السياسية.. أي أن الجميع ـ في الجبهة المصرية ـ أبرياء..

● وفي الأردن لم تحاسب القيادة الأردنية المسؤولين عن بعض الأخطاء، لاعتقادها أن المسؤولين تصرفوا - في حدود إمكاناتهم - أكثر مما يتوقع منهم، وإن عوامل الهزيمة خارجية أكثر منها داخلية..

وفي سوريا.. سوريا التي لم تفقد في المعركة أكثر من «152 قتيلاً»، يمكن أن يقتلوا في إجراءات أمن داخلية، أو في حادثة تصادم قطارين.. «... كما أعلن وزير الإعلام السوري في مؤتمره الصحفي الذي عقد في 24 حزيران 1967»... في سوريا -كذلك- لم يقدم أحد للمحاكمة لاعتبارات يعرفها الجميع... بعضها يتعلق بالقيادة العسكرية العليا في ذلك الوقت، وبعضها يتعلق بالنظام المذهبي المفروض على سوريا.. أي أن الجميع في الجبهة السورية أبرياء..

من المجرم إذن يا ترى؟

الشعوب العربية تعتقد أنها كانت مقهورة مقيدة بأغلال الأحزاب العميلة والأيديولوجيات المستوردة والمخابرات السابحة كالهواء.. في الفضاء وعلى الأرض وفي كل أساليب الوجود ومرافق العمل.. وتعتقد هذه الشعوب أنها عزلت عن المعركة، وأنها خضعت لتخطيطات العزل وتبديد الطاقة فيما لا يجدي.. وقد أنهكتها القيادات المتناحرة في خلافات داخلية وحروب محلية وصراعات أنهكت كل قوى الحياة فيها.. فالشعوب العربية - في نظر الكثيرين - بريئة..

وقادة الجيوش العربية يرون أن الجيوش لم تتاح لها فرصة الحرب.. لم تدخل معركة بالمعنى الحقيقي للمعركة -هكذا قال الرئيس المصري أنور السادات في حديثه الصحفي الأخير- فهذه الجيوش كانت مقهورة ومقيدة بخطة مسبقة فرضت عليها معركة في ثلاث ساعات.. لم تكد تبدأ حتى تنتهي.. ويرى هؤلاء القادة وكثير غيرهم أن أوامر الانسحاب كانت مرافقة لبدء الحرب، وكأنما كان هناك شبح يسير الحرب لمصلحة قوى أخرى.. ... فالجيوش العربية -في نظر كثيرين- أيضاً بريئة..

من المجرم إذن يا ترى؟

الهزيمة الحقيقية: تمثل هذه الظاهرة أبرز معالم الهزيمة في الواقع العربي، وفي رأي مفكر كبير كـ «أرنولد توينبي» أنها إخفاق سيئ في مواجهة تحديات خارجية مصيرية.. إنه بدلاً من النظر في الذات، للبحث عن الهزائم الداخلية التي مهدت للهزيمة التاريخية الخارجية... وقفت الأمة العربية مشلولة تتبادل كلمات الاتهام، وكأنها عصابة مجرمة وقعت في يد العدالة.. وبدلاً من أن يتحقق للأمة قدر من الشجاعة في مواجهة وضعية تتطلب أكبر قدر من الشجاعة الممكنة.. راحت القطاعات المختلفة، تحتمي في الأعذار المنتحلة لكي تسقط عن نفسها مسؤولية إسهامها في تحقيق أكبر هزيمة في تاريخ العرب الحديث. وإزاء سطحية من هذا النوع يبدو المجرم الوحيد هو العدو... ليس لأنه - كما يدعي المنتحلون - خائن غادر، أو عميل إمبريالي، أو رأس حربة، أو خلاف ذلك.. وإنما يبدو هذا العدو هو المجرم الوحيد.. لأنه لم يتوغل أكثر ليكشف حقيقة المتعاونين معه، الممهدين بسلوكهم لانتصاره، الذين ترتع الهزيمة في داخلهم، والذين فشلوا كذلك في الوقوف بشجاعة أمام التحدي الذي فرض نفسه عليهم.

لعل الكثيرين قد اقتنعوا بهذه النتيجة، وخدعوا أنفسهم بها.. وكرّسوا أنفسهم لسب العدو الإسرائيلي ولعنه.. ورميه بعدم الانصياع للمجالس الدولية، وبأطماعه التوسعية. وأضاعوا وسط ضجيج الاتهامات، وشعارات الخداع معالم حقيقة كبرى كان في الإمكان أن ينطلقوا منها إلى نصر دائم.. أمام عدو هزمهم هزيمة مؤقتة تقف فوق بركان من الظروف الدولية.. والوضعيات الداخلية.. ولا ترتكز أبداً على عوامل نصر حقيقية دائمة وثابتة..

ومضى العام الأول للنكسة.. مموهًا.. أو قل ممهورًا ببيان خداعي تضليلي... امتص شحنة البحث عن الوضوح... وسُمي هذا البيان.. بيان 30-3.. ومضى العام الثاني للنكسة مموهًا... ممهورًا كذلك بموجة تضليلية خداعية.. تقول: إن سبب الهزيمة هو الافتقار إلى التكنولوجيا... وأطلقت الحناجر للخطب.. وامتصت طاقة الجماهير... وماتت فكرة دولة العلم والتكنولوجيا.. وتوالت الأعوام.. إلى نهاية العام السادس للنكسة... وبداية العام السابع.. وفي كل عام تجد الجماهير أمامها راية تضليل جديدة.. مراحل الصمود والردع والتحرير.. حرب الاستنزاف ثم المواجهة الشاملة.. الوحدة العربية.. في ظل أنظمة متصارعة أيديولوجياً طريقها إلى النصر.. البدء بالبترول.. مشروع روجرز... والحلول الجزئية. وعشرات من أساليب الخداع... ومحاولات كثيرة للبدء بأي شيء، ومن أي محط إلا الشيء الحقيقي، وإلا المحط المتجه إلى الطريق الصحيح... كل شيء وكل محط إلا محط «القتال»... محط الموت في سبيل الحياة... محط الانطلاق من عقيدة الجهاد والموت في سبيل الله وعزة المؤمنين..

من المجرم إذن يا ترى؟

العوامل البعيدة: تتكون إسرائيل في الحقيقة من العنصر اليهودي.. شعب مشتت في الأرض تختلف لغة تفاهمه، وتختلف التأثيرات الاجتماعية فيه، أو يخضع لدول قد تكون متحاربة أو مختلفة الدين.. لكنه بقي -مع كل ذلك- شعباً يعلن ولاءه لراية واحدة يعتقد جازماً أنها تغنيه عن كل الولاءات.. نعم: لليهودية وحدها كان ولاؤه عبر عشرات القرون، وعبر مئات المذاهب التي صنعها هو، وعبر الظروف التي مر بها واكتنفت مسيرته.. باليهودية عاش، ولها مات.. وبها انتصر، وسحق أمة تنكرت لدينها.. أمة يعتقد بعض حكامها أن «دينها» عدوها، ولا هم لهم إلا إبادة الذين يعملون على عودة هذا الدين إلى مجالات الحكم والاقتصاد والاجتماع.. ليكون ثمة ولاء، ولتكون ثمة أمة حقيقية ذات شخصية حقيقية. باليهودية انتصر اليهود، وبالعداء للإسلام انهزم العرب التائهون. لقد أدرك عدوهم هذه الحقيقة الحضارية الخطيرة.. حقيقة أن يتمسك بدينه بكرامته.. بتقاليده البالية.. بعقيدته المتأخرة.. وحقيقة أن يحرص على تجريد عدوه من سلاحه المضاد.. من الإسلام.. لكيلا تحدث وحدة حقيقية، ولكيلا يولد جيل يحب الاستشهاد في سبيل الله، وبالتالي لكيلا يكون نصر..

ولقد خطط اليهود الأذكياء لذلك بكل الطرق: ● بالماسونية أو «البنائين الأحرار» وعملها محاربة الإسلام أولاً، وتحطيم القيم الإنسانية كلها.. .. وفي مصر وحدها كان هناك ثلاثون محفلاً ماسونياً ـ ولا يزالون ـ وهم نبيها يشكلون دولة داخل دولة وتوهم الأبرون النياهون فيها.. وتدل مراسيمهم على أنهم ملوك متوجون.. يقول أحد المراسيم التي أصدروها: «أمر عالٍ نحن رئيس وأعضاء مجلس الطريقة. من بعد الاطلاع على قرارات الجمعية العمومية للشرق الأكبر الوطني المصري الصادر بتاريخ ..... بوضع القانون الأساسي المرفوق صورته بهذا الأمر.. وبناءً على موافقة المجلس للقانون الأساسي المذكور وبناءً على قرار المجلس الصادر.. وبناءً على سبق نشر القانون المذكور.. أمرنا بما هو آت... إلى آخر المرسوم الطويل.. وقد وقع في أحابيل الماسونية كثيرون أدرك بعضهم خطرها.. وانخرط بعضهم فيها إلى أخمص قدميه كقائد ثورة 1919 «سعد زغلول» ومجموعة الأقباط..

● وبالصهيونية.. التي تهدف إلى غرض محدد هو اجتماع اليهود في فلسطين وإعادة بناء هيكل سليمان وإقامة عرش داود في القدس. ● وبجمعيات أبناء العهد المنتشرة في العالم، وفي مصر منها اثنان. ● وبجمعيات شهود يهوه المستترة في المسيحية، ولها في لبنان فروع كثيرة. ● وبجمعيات الروتاري.. وقد برّأ الفاتيكان نفسه بمحاربتها.. وهي منتشرة في البلدان العربية لا سيما في لبنان ومصر.. ● وبالوسائل غير الأخلاقية.. تنشر الفوضى الجنسية، وهم وراء إنشاء معاهد تدريب المومسات، وتفشيح السياسيين... وبكل هذه الأساليب نجح اليهود في الفصل بين الدين... والدولة... بين الإسلام ومجال حركته، وحولوا البلاد الإسلامية والعربية إلى بلاد علمانية يحارب فيها الإسلام علناً.. ويضرب رجاله ودعاته والمتمسكون به... بأبشع أدوات التعذيب...

وبدون الإسلام دخل العرب المعركة في 5 يونيو 1967.. ووراءهم تاريخ طويل من التوهان والانحراف والتفتت واللاأخلاقية.. وكانت النتيجة.. كما هو متفق وسنن الله في الكون..

فمن المجرم إذن يا ترى؟

العوامل القريبة: ودعونا نقترب من الأحداث قليلاً... علنا نكتشف ذلك الشبح المسؤول عن النكسة.. ما دام كل العرب أبرياء.. والعامل الواضح في نكسة حزيران هو ضربة إسرائيل للقوات العربية صبيحة الخامس من يونيو، بينما كانت هذه القوات نائمة على الأرض.. ويمكن أن تكون أمريكا ببوارجها في البحر الأبيض، وبمساعداتها النجسة لإسرائيل، وبخداعها عبر نداء جونسون الشهير، قد لعبت دوراً في هذه الهزيمة.. وتتحمل روسيا.. بتآمرها ضد مصر، وتهديدها غير المباشر لها إن ضربت ضربتها الأولى.. تتحمل دوراً حيوياً في تحقيق هذه الهزيمة..

فهل المجرم هو هذا الثالوث المشترك: إسرائيل وأمريكا والاتحاد السوفيتي؟

• •

وقبل النكسة كان شغل إحدى القيادات الشاغل هو إسقاط الأنظمة العربية التي لا تخضع له. وقد دخل في ذلك حروباً كانت وبالاً على الأمة العربية كلها.. وفي ظل صراع من هذا النوع كانت الأمة العربية تعيش فترة تشنجات لا التقاء فيها بين رجعيين وتقدميين وأمريكان وروس.. وكانت مؤتمرات القمة العربية كسياسة سلام التقائية.. قد فشلت عقب إصرار هذه القيادة على انتشالها، باعتبارها وسيلة نمطية للأنظمة الرجعية وقد لجأت هذه القيادة كذلك إلى خطة غريبة.. هي تحرير فلسطين عن طريق القضاء على الأنظمة العربية أولاً... وبالتالي تحولت الأرض العربية في داخلها إلى صراع مدمر لا يفيد إلا إسرائيل وحدها.. وعلى الطريق توالت نواحي الفشل.. ● في الجامعة العربية فشل. ● وفي المؤتمرات العربية فشل. ● وفي الأمم المتحدة انقسام وفشل. ● وفي المقاومة الفلسطينية المضغوط عليها فشل. ● وفي الإعلام العربي فشل. ● وفي الجبهة الشرقية فشل.

• •

فهل المسؤول عن النكسة هو هذه القيادة التي أدت إلى كل هذا الفشل؟

• •

وكان للقيادة العسكرية على الجبهات الثلاث السورية والمصرية والأردنية أخطاء كثيرة.. في التقدير وفي الحركة وفي أثناء المعركة.. وكانت عناصر كثيرة في هذه الجبهات لا تصلح للأعمال العسكرية أساساً.. بالإضافة إلى نقص التدريبات، والمبالغة في الثقة بالنفس، وسوء الخلق، واعتياد العقيدة، والفشل الاستراتيجي، وإخفاء الحقائق... وغير ذلك..

• •

فهل المسؤول عن جريمة النكسة هي هذه القيادة؟

• •

الإعلان الحقيقي: ● نحن الأمة العربية... التي يقترب تعدادها من مائة وعشرين مليون نسمة.. والتي تحتل منطقة وسطى في جغرافية العالم.. وتتمتع بخيرات لا مثل لها في اكتسابها.. ● نحن الأمة العربية.. التي تنتمي إلى الإسلام عقيدة وفكراً وإلى العروبة دماً ولحماً، ويجمعها تاريخ إسلامي واحد. ● نحن الأمة العربية الشتات النسل، المبددة القوى، الموزعة الأهواء، المتخلية عن دينها، المتعاطفة مع مخططات أعدائها اليهود. ● نحن الأمة العربية الرافضة للجهاد.. وهو الركن السادس من أركان ديننا، والفريضة العينية على كل مستطيع، في الأحوال التي نخضع لها.. ● نحن الأمة العربية التي ابتليت بقيادات في الفكر والسياسة والإعلام لا ولاء لها لتراثها ولا لقضية وجودها ولا لحياتها. ● نحن هذه الأمة.. في مستهل عامنا السابع من الهزيمة والعار.. نعلن مسؤوليتنا جميعاً حكاماً ومحكومين عن ضياع هذه الأمة.. ونعلن أننا سنظل نتبادل التهم، ونخترع الخلافات، ونستورد الأيديولوجيات، ونشتري الأسلحة الفاسدة والراقصات.. إلى أن يتم أمر الله، واللَّه غالب على أمره، وإليه ترجع الأمور..

بتاريخ 5 حزيران 1972
توقيع: الأمة العربية

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 13

112

الثلاثاء 09-يونيو-1970

مجــرد بطاقـــة انتســاب

نشر في العدد 14

162

الثلاثاء 16-يونيو-1970

كونوا مسلمين!