; مسؤوليَات الدَاعَية في العصَر الحَديث | مجلة المجتمع

العنوان مسؤوليَات الدَاعَية في العصَر الحَديث

الكاتب الدكتور عباس محجوب

تاريخ النشر الثلاثاء 18-يناير-1977

مشاهدات 82

نشر في العدد 333

نشر في الصفحة 19

الثلاثاء 18-يناير-1977

 

 إن ظاهرة التطور المستمرة في حياتنا المعاصرة، تضاعف من مسئوليات الدعاة في المجتمع الإنساني بنطاقيه المحلي والعالمي، والحياة الآن تفرض على الداعية أن تكون له مواقف إيجابية نابعة من التزامه الإسلامي نحو قضايا المجتمع ومشكلاته، فمسئوليات الدعوة تفرض عليه الارتباط بواقع من يخاطبهم ويوجههم، وليس عليه تناول هذا الواقع بالنقد والتصوير فقط، بل عليه الدعوة والعمل إلى تغيير هذا الواقع، وتطويره وفق المبادئ والأسس التي يقوم عليها المجتمع الإسلامي.

 إن النظرة الشاملة لمسئوليات الداعية، تستدعي منه اهتمامًا بالثقافة في مفهومها الشامل، إذ إن الثقافة التي يحتاج إليها الداعية ليست جمع المعلومات الدينية، أو الحصول على المعرفة العامة بأنواعها ثم حفظها، ولكن المهم هو امتصاص هذه المعلومات والمعارف، ثم هضمها وتمثيلها تمثيلًا جيدًا، إلى جانب القدرة على الملاحظة الثاقبة، والالتفاتة العارضة، والابتكار في نطاق أسس الإسلام ومبادئه.

 كما تقتضي هذه النظرة منه دراية ومعرفة بالنظريات الجديدة التي تشغل الفكر البشري، وعلى رأسها المادية الجدلية أو المادية التاريخية، باعتبارها الأساس الذي بنى عليه أصحاب الفكر الماركسي اشتراكيتهم العلمية، على أساس أنها ثمرة قوانين الطبيعة وقوانين التاريخ التي تكشفت «لكارل ماركس»، وخلاصة نظريتهم التي تلخص تاريخ البشرية بأنه مراحل من الصراع، تسلم كل منها إحداها بطريقة حتمية، حتى تأتي مرحلة الثورة الصناعية التي يستولي على ربحها فئة من أصحاب رؤوس الأموال، ويبقى العمال الأجراء في حالة عوز وفقر وحرمان، على حين يتضخم الغني في جانب، والفقر في جانب آخر، حتى تضطر الطبقات الكادحة «البروليتاريا» إلى الثورة من أجل السيطرة على وسائل الإنتاج، وبذلك تتحقق الاشتراكية العلمية ثم الشيوعية، ليسود العالم مجتمع الكفاية والعدل.

 وهكذا يتمخض التاريخ البشري عن نظام تسيطر عليه طبقة واحدة لا تعرف الاستغلال، فالحياة كلها في نظرهم صراع بين الطبقات، صراع اقتصادي هدفه تحقيق المطالب المادية للإنسان من غذاء وكساء ومأوى، ولا دخل للدين والأخلاق في ذلك، لأن الأديان ما هي إلا مسكنات صاغتها الطبقات العليا لتهدئ الشعوب وتخدرها، وتجعلها تحت سيطرتها.

 إن الداعية يواجه في مجتمعنا المعاصر تحديات كثيرة تضخم من مسؤولياته، فنحن نعيش في عصر العلم والتكنولوجيا، عصر الاضطراب والقلق والحيرة، عصر الحرب والخوف وطغيان الحضارة المادية والتسابق الصناعي، فالأعباء كبيرة والمسئوليات عظيمة متعددة، فهو مسئول في المقام الأول أمام ربه، ثم أمام نفسه ونحو دعوته ومجتمعه.

 أما مسئولياته أمام ربه فهي تبليغ هذه الدعوة خالصة، نقية من الشوائب والبدع والخرافات والجهالات التي ألصقت بالدين، وتبليغها صافية كما أتى بها الرسول -عليه الصلاة والسلام- وسار عليها هو وخلفاؤه وصحابته وسلفه الطاهرون، مهمته تذكير الناس بواجبهم الأكبر في هذه الحياة، وهو إخلاص العبادة لله وتعميق الإيمان بوحدانيته، وصفاته التي أثبتها لنفسه، وجعل الحاكمية المطلقة لله في شئون الحياة كلها، والتمسك بمنهج الله في كل شأن، وتحكيم شريعة الله في الأرض، ونبذ كل الأنظمة الحاكمة والشرائع البشرية القاصرة، والعمل لإعلاء كلمة الله وتحقيق السلام والعدل والمساواة بين بني البشر.

 مسئولياته تقتضي المطالبة بتنحية القيادة الجاهلية، وتسليمها لقيادة الإسلام بقرآنه وسنته، وتصوره للقيم والنظم والحياة والوجود، حتى تخلص البشرية من القيادة التي أذاقتها الويلات، أما مسئولياته أمام نفسه فتتمثل في مجاهدة النفس، ومغالبة المشاعر والمطالب الذاتية فيها، وتقوى الله في السر والعلن، وجعل وجدانه وعواطفه جزءًا من وجدان الأمة المسلمة وعواطفها، ثم الوعي بتبعات وظيفته ورسالته التي أوضحها الله -سبحانه وتعالى- على لسان لقمان لابنه وهو يعظه ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ ۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ ۚ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾. (لقمان: ۱۷ - ۱۸ - ۱۹)

 أما مسئوليته نحو دعوته فتفرض عليه أن يوفر لنفسه كل مقومات النجاح من عمل بما يدعو له، وثقافة تشمل المعرفة الإنسانية بآفاقها الرحبة ومجالاتها الواسعة، فالداعية لا بد أن يعرف عن زمانه وعصره ما يقنع به من يخاطبهم، لأن ثقافة العصر وعلومه ومعارفه هي التي تعطي الداعية قوة الإقناع، والقدرة على تفهم مشكلات العصر واحتياجاته، ولا بد للداعية من تعميق صلته قبل ذلك كله بتراثه الإسلامي فكرًا وواقعًا معاشًا، ومن تعميق ثقافته الإنسانية ومعرفته البشرية، لأنها تمثل مصادر حاضره وأساس مستقبله.

 إن الإسلام قد تميز بين الأديان والنظم البشرية بثبات قيمه ورسوخ تعاليمه، وتطور البشرية حول هذه القيم، ووفق هذه التعاليم الصالحة لكل زمان ومكان، والإسلام لا ينادي بالانحصار في مجال الفكر، ولا يغلق منافذ الثقافة التي تربط المسلم بالعالم حوله، فلا بد للدعاة من المزيد من الانطلاق في آفاق المعرفة البشرية والفكر الإنساني، مع الاحتفاظ بالذاتية الإسلامية إلى جانب ما نأخذ من غيرنا.

 ومسئوليته في مجتمعه تتمثل في مدى تفاعله مع مشكلات مجتمعه وأحداثه الكبيرة، والفصل بين المشكلات التي أنشأتها الأوضاع والنظم الجاهلية، والمشكلات المرتبطة بالمجتمعات الإسلامية، كما تتمثل هذه المسئوليات في الوعي العميق بطبيعة المرحلة التي تعيشها الأمة الإسلامية، والأزمات التي تعاني منها، والمعوقات التي تقف في سبيل انطلاقها في أداء مهمتها التي أناطها بها الله سبحانه وتعالى ﴿كُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِۗ... إلخ﴾ (آل عمران: 110)، مما يجعلها تضطلع بمسئولياتها كأمة رائدة بين القوى الموجهة، بل وموجهة للقوى المسيطرة.

 إن الاهتمام بالواقع الإنساني بأحداثه ومشكلاته وهمومه، وآماله وآلامه، ومحاولة تغيير هذا الواقع إلى منهج الله في الحياة- هو نقطة الارتكاز في مسئولية الداعية، وهي النقطة التي يبدأ منها وعيه بتبعات موقفه الإسلامي، بصفته داعية يبشر بالدين الذي يملك قوة التغيير والتوجيه والاتزان في الوجود البشري.

الرابط المختصر :