; مزيد من الضوء على الأحداث الأخيرة في تركيا | مجلة المجتمع

العنوان مزيد من الضوء على الأحداث الأخيرة في تركيا

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 16-يناير-1979

مشاهدات 63

نشر في العدد 428

نشر في الصفحة 16

الثلاثاء 16-يناير-1979

  • أسلوب الاضطهاد ما عاد ينفع في محاربة الإسلاميين... إذن فما الحل الذي وضعته الولايات المتحدة؟
  • لماذا يخشى الغرب الحركة الإسلامية في تركيا؟

«هذه المرة الأولى في التاريخ التي لم نعد نستطيع فيها السيطرة على العالم، ولا الانعزال عنه».

هذه كلمة قالها مؤخرًا هنري كيسنجر، وزير خارجية أمريكا السابق، ومحرك سياستها طوال فترة طويلة من الزمن، وما زال له دور يلعبه في توجيه السياسة الأمريكية لصالح اليهودية العالمية.

ونريد أن نقف قليلًا عند هذا القول قبل أن نمضي في إلقاء الضوء على الأحداث الأخيرة في تركيا. 

 

ثلاث حقائق 

يمكن الخلوص إلى ثلاث حقائق تحملها كلمة كيسنجر هذه.. الجامعة المانعة:

أولًا: الاعتراف بأن الولايات المتحدة كانت- ولا تزال- وراء معظم الأحداث والانقلابات والحركات في العالم.

ثانيًا: أن مكر الولايات المتحدة- وغيرها- مهما بلغ من القوة والذكاء، لا يمكن أن يحقق نتائجه في المسلمين إذا أخلصوا النية والعمل: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (الأنفال: 30).

ثالثًا: إذا أخفقت الولايات المتحدة في سبيل ولم تنجح إحدى وسائلها لجأت إلى وسيلة أخرى، وسلكت سبيلًا آخر، من أجل أن تبقى تكيد للعالم، فلا تنعزل عنه.

لعل هذه الحقائق الثلاث تفسر أسباب تفجير الأحداث الأخيرة في تركيا، في محاولة لضرب الحركة الإسلامية الممتدة، المتنامية، المتعاظمة، بعد أن أحست الولايات المتحدة أنها غير قادرة على كبح انطلاقتها في تركيا، والتفاف الشعب- وبخاصة الشباب- حولها. أحست أن الوسائل السياسية، المشبعة مكرًا، وكيدًا، وتخطيطًا ما عادت تجدي في القضاء على الانطلاقة الإسلامية.

 

إخفاق أسلوب الإرهاب 

كانت القناعة الأولى التي وصلت إليها الولايات المتحدة، واستقرت في تفكيرها، أن أسلوب الاضطهاد والتنكيل ما عاد ينفع في محاربة الإسلاميين، والقضاء عليهم، بل إنه يعطي نتائج تخشاها السياسة الأمريكية.

ولقد وضح هذا فيما ذكره «ريتشار ميتشل» لرئيس هيئة الخدمة السرية بالمخابرات المركزية الأمريكية، حيث قال عن أسلوب التنكيل بالإخوان المسلمين في مصر: 

«ونظرًا لما لمسناه من أن وسائل القمع والإرهاب التي اتبعت في عهد الرئيس ناصر قد أدت إلى تعاطف جماهير المسلمين، وإقبال الشبان عليها؛ مما أدى إلى نتائج عكسية».

 

إخفاق أسلوب الكيد أيضًا 

أدركت الولايات المتحدة أن سياسة القمع في تركيا أيضًا ما عادت تنفع طوال ستين عامًا أثمرت عن ولادة حزب السلامة. 

فلجأت إلى أسلوب الكيد والمكر، وأشارت إلى أتباعها بحل حزب «النظام القومي»- الذي سبق حزب السلامة- وفعل الأتباع ما أشار به أسيادهم. لكن العمل استمر، وبعد أن كان علنيًّا أصبح سريًّا، فخشيت السياسة الأمريكية ثانية، من عمل وتنظيم سريين تكبر معهما الحركة الإسلامية دون رقابة تامة عليها، فهداها كيدها إلى فتح أبواب الحكم أمام قادة الحركة الإسلامية وأعضائها، وحسبت أن كرسي الحكم سيحرف الحركة عن خط سيرها، ويشغلها الصراع على السلطة وشهوة التمسك بها عن العمل للإسلام، لكن فآل الولايات المتحدة خاب من جديد، فلم يرَ قادة الحركة الإسلامية في الحكم الذي شاركوا فيه إلا وسيلة لتحقيق أهدافهم في العمل من أجل تمكين الإسلام، وتطبيق أحكامه، ولم يروا في الحكم غاية أبدًا.

 

فقدان السيطرة

وأدركت الولايات المتحدة أنها لم تعد تسيطر السيطرة التامة على مجرى الأحداث، وأن أسلوب التنكيل- مثل أسلوب الخداع والمكر- ما عاد ينفع أمام إخلاص نية الإسلاميين، وعزمهم على المضي فيما ساروا عليه طاعة لربهم وإرضاء له سبحانه.

ومن الطبيعي أن الولايات المتحدة لن تنسحب من الميدان وتقنع بإخفاقها في السيطرة على الأحداث في تركيا، لأنها لا تريد لمجرى الأحداث أن يسير في غير الوجهة التي ترضيها؛ فلم تجد بدًّا إزاء هذا من اتباع الأسلوب الإنكليزي القديم، وهو إشعال الفتنة بين أهل البلد أنفسهم، وجر الإسلاميين إليها. وإشراكهم فيها، وإن أبوا ذلك.

 من أجل هذا قامت بإشعال: 

1 - النزاع الطائفي: فحركت طائفة الشيعة في جنوب تركيا مستفيدة من أحداث إیران الحالية.

2 - النزاع العنصري: حيث حركت الأكراد ليشاركوا في التمرد منطلقين من التعصب القومي.

3 - النزاع اليميني اليساري: وهو النزاع الذي هد جسم تركيا طوال السنين الأخيرة، وأفقدها كثيرًا من شبابها.

تدخل جماعي

 والغاية من إثارة الفوضى وإشعال الفتنة وتفجير الصراع في تركيا هي إيجاد مبرر للحكومة التركية الحالية لطلب التدخل الأجنبي، وفتح الباب أمام مزيد من الوصاية وتوجيه الأحداث. قالت صحيفة نيوزويك: «إن بولنت أجاويد يطالب بإلحاح بأن يتداعى كارتر وألمانيا الغربية، وفرنسا، وبريطانيا، لوضع عملية إنقاذ لبلاده، في مؤتمر قمة «غاديلوب». وسوف يقوم نائب وزير الخارجية الأميركية «وارن كريستوفر» بزيارة إلى أنقرة».

 

لماذا تركيا؟ 

ولكن.. لماذا يخشى الغرب الحركة الإسلامية في تركيا بصورة خاصة؟ لعل نقاطًا عدة تفسر ذلك، منها:

  • آخر خلافة مسلمة كانت في تركيا.
  • انتصار الحركة الاسلامية في تركيا يعني نهاية القوميتين العربية والتركية، اللتين نجح الاستعمار عن طريقهما في تفريق المسلمين.

• دعوة حزب السلامة إلى إنشاء صناعة إسلامية للعالم الإسلامي كله، بما فيها السلاح، وإلى إنشاء سوق إسلامية مشتركة.

• خروج تركيا من الحلف الأطلسي، بل من الفلك الغربي كله، كنتيجة من نتائج انتصار الحركة الإسلامية.

• قطع العلاقات تمامًا مع إسرائيل، وتصفية مصالحها الاقتصادية الضخمة في تركيا. 

 

التهديد العسكري الإسلامي

ونختم هذه العجالة في إلقاء الضوء على الأحداث الأخيرة في تركيا، بعرض موجز لما كتبته صحيفة «الصنداي تلغراف» البريطانية: «بعد زوال الإمبراطورية العثمانية في نهاية الحرب العالمية الأولى.. انتهى التهديد العسكري الإسلامي، وحل محله الوجود البريطاني في الشرق الوسط. ونتج عن ذلك انتشار الأفكار والقيم الغربية وتغلغلها داخل الروح العربية، وظهور جيل من القادة العرب متشوق لانتهاج الأسلوب الغربي». 

«ولكن يبدو أن الدول الإسلامية سترث العالم بدون تبني النظم المعاصرة، كما أن بعض أجزاء العالم الإسلامي تشهد عملية تجديد للإسلام بين شعوبها؛ مما يعتبر خطرًا جديدًا يجب البحث عن وسيلة مناسبة للتصدي له. وحتى يتم ذلك فإنه من الممكن اللجوء إلى القوة العسكرية، فالإسلام يدعو إلى تجديد الجهاد؛ مما يحكم على المسيحية بالانقراض والفناء».

 

الرابط المختصر :