; مزايا قانون الشريعة «1» | مجلة المجتمع

العنوان مزايا قانون الشريعة «1»

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 29-يوليو-1980

مشاهدات 74

نشر في العدد 491

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 29-يوليو-1980

  • الشريعة الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان.
  • الشريعة تمتاز بالوضوح والشمول والاعتدال.
  • لا مكان في الشريعة لاتباع الهوى أو المحدودية برأي مستبد أو نظرة قاصرة أو تعصب طارئ.
  • الشرائع السابقة كلها ماتت لأنها لا تصلح للبقاء وكذلك التشريعات الوضعية كلها وقتية محدودة.

مما يمتاز به الدين الإسلامي عن غيره أنه دين جمع بين العقيدة والشريعة، أي أنه نظم شؤون الإنسان الاعتقادية والحياتية، ومن هنا أزال الإسلام تلك التناقضات التي قامت في ذهن بعض الناس نتيجة انحراف الفهم الديني بين «الجسد والروح، والدنيا والآخرة، وما لقيصر وما لله»، وما بنوه على ذلك من الصراع بين العلم والدين، أو الدين والحياة، أو الخلق والقوانين وما الى ذلك، وإن أسوأ الناس فهمًا هم أولئك الذين يظنون وجود مثل هذه التناقضات والصراعات في الدين الإسلامي؛ لأن الإسلام دين شامل كامل جاء بأمور العقيدة والفكر على أوضح وجه، وأصدق برهان، كما نظم شؤون المجتمع والناس والفرد في كل علاقاتهم وأشكال وجودهم، وهكذا نجد في هذا الدين شريعة أي نظامًا وقانونًا للناس: للحكم به على كافة المستويات الحقوقية، من دولية، وجزائية، ومدنية، ومالية.. الخ؛ لأن لكل من هذه الفروع أحكامًا وتشريعات في الفقه الإسلامي.

وهذه المزية الهامة هي التي يحاول أعداء الدين طمسها أو إبهامها، في محاولة خبيثة منهم لتحجيم الدين الإسلامي، وحصره في مجال «التراث والتقاليد، وكأصل حضاري .... الخ»، ولكن محاولاتهم هذه مكتوب عليها الفشل دائمًا، لأن مثلهم كمثل من يريد أن يغطي الشمس، ويوهم الناس بعدم وجودها، قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (الصف:8)، فالكافرون وأضرابهم يريدون شل حركة الدين الإسلامي وإبعاده عن مجال الحكم والفاعلية، وذلك بإبعاد الناس عن الفقه والعلم، وبإبعاد الشريعة عن الساحة، وبفرض القوانين الجائرة والتحكمات الوضعية تحت مظلة من الاستعمار العسكري أو الفكري، وبعد إعادة التناقضات التي ذكرنا إلى أفهام العوام.... ولئن نجح هؤلاء إلى حد ما في فرض بعض القوانين والأحكام غير الشرعية، فإنهم أخفقوا أشد الإخفاق في تغيير معالم الشريعة الإسلامية، أو إقصاء حضورها من أذهان الجمهور.

وكلما ازداد إيغال النظم العميلة في الإخلاص للشرق أو الغرب، وعملًا في البعد عن الإسلام، كلما رأينا جمهور الناس والمتعلمين يصر على تعميق حكم الشريعة في كل مجالات الحياة، ويزداد تعلقًا بها فهمًا وفقهًا ودراسة ودعوة، ويستطيع أي دارس منصف يطلع على أحكام الشريعة الإسلامية أن يلاحظ فيها من المزايا الهامة الأخرى ما لا يجده في أي قانون وضعي أو شريعة  سابقة، وسنعرض لبعضها باختصار:

  • أولًا: الإلزام:

فالقانون الإسلامي يلزم أتباعه بأتباعه، وهم يلتزمون به طواعية، وعن إيمان، وبرضا وقناعة، ويحاسب أحدهم نفسه على تطبيق هذا القانون قبل أن يحاسبه غيره، لأن القانون لديه مرتبط بالعقيدة، وعلى مستواها من حيث الأهمية، وهذا ما تفتقده القوانين الوضعية كلها مهما بلغ مستوى المواطنين من الوعي والمدنية، ذلك أن هذا المواطن لا يشعر في قرارة نفسه بالقناعة الكافية لجعله ملتزمًا بتطبيق هذه الفروض التي تطالبه بها هذه القوانين، التي كثيرًا ما تكون جائرة، ولذلك نجد التهرب من دفع الرسوم الجمركية والضرائب أمرًا شائعًا في العالم كله.

ولذلك نجد كثيرًا من القضاة ورجال القانون أول من يخالف ذلك القانون، ولذلك تتغير النظرات والمفاهيم القانونية والدستورية من وقت لآخر، وعقب كل ثورة أو إنقلاب، ومن بلد إلى آخر، ويضيع الناس والحقوق بين هذه المفاهيم المضطربة والنظريات المتناقضة؛ ولذلك يقول ديكارت بأن الأخلاق لكي تكون ملزمة يجب أن تكون إلهية المصدر.

  • ثانيًا: عدم الخضوع للهوى

لأنها ليست من صنع إنسان لآخر، أو تصوره، أو تحكمه، بل هي من عند الله تعالى الذي هو أعلم بمصلحة الإنسان، وهو منزه عن الهوى والغرض، ولا يحابي أحدًا من الناس على حساب الآخرين، ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (المائدة:50)، ولذلك تتسم الشريعة بالنزاهة والعدالة والمساواة، وهي مبرأة مما تقع فيه الشرائع الوضعية من الهزات الانقلابية والتغيير المفاجيء من وقت لآخر، ومن  الخضوع لهوى الحاكم فردًا كان أو حزبًا، أو طبقة أو جماعة، وهذا فرق هام بين الشريعة السماوية الإسلامية وبين غيرها، وإليك بعض الأمثلة:

- عندما حرم الدين الإسلامي الخمر، وبعد أن بين مضارها وسوءها، اقتنع الناس وانتهوا عنها، فعندما نادى منادي النبي -صلى الله عليه وسلم- بين الناس بتحريمها، وقرأ الآية الكريمة: ﴿ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾ (المائدة: 90-91)، قال الناس -وكان بعضهم في مجلس شراب، فألقى الكأس من يده-: انتهينا، ربنا انتهينا، وقاموا إلى دنان الخمر فأهرقوها، وغسلوا ما تلوث بها.. وهذه أمريكا عندما أصدر الكونجرس فيها قانونًا بتحريم الخمر ومنع صنعه وبيعه، وكان هذا قرارًا أملاه العقل والطب، فإذا بالشهوة والهوى وحب الكسب الحرام يغلب على كثير من الناس؛ فشهدت أمريكا في ذلك الوقت أشد أنواع العصابات والتهريب؛ حتى عاد الكونجرس نفسه فسمح بالخمور صنعًا وتداولًا وشربًا، وكان هذا قرارًا مناقضًا للعقل والطب، خاضعًا لحكم الهوى والشهوة..

والشيء نفسه نجده في الحملات الإعلامية الضخمة والتحذيرات الرسمية من التدخين، ومع ذلك يبقى أمرًا شائعًا، وتجارة رائجة، ونرى من ينهى عنه يقوم بالدعاية له لقاء مبلغ من المال، أو يدخن تقليدًا، أو لأي سبب آخر، وهكذا يبقى التدخين مشكلة ضارة، وعادة ذميمة قائمة رغم ما كشفه العلم من مضاره، وحذر الطب من مساوئه، بينما نجد أقل البيئات استعمالًا له هي البيئات الإسلامية الملتزمة، وهكذا نرى المدخن المدمن يتخلى عنه في رمضان لفترة طويلة من الزمن، وكثيرون منهم جعلوا من رمضان بداية لتركهم التدخين، وقد جاء في کتاب «ثورة الزنوج» للوي لوماكس في حديثه عن المسلمين السود: إنك لا تجد أحدًا منهم يشرب الخمر، أو يتناول سيجارة، أو يقامر، بالرغم من انتشار ذلك في أمريكا، وبالرغم من اعتياد بعضهم السابق عليه.

وأؤكد أنه لو وقف العلماء لدينا موقفًا حازمًا من قضية التدخين فحرموه؛ لتركه كثير من الناس، ولكن ميوعة آراء بعضهم جعلت المتساهلين يأخذون بأضعف الآراء ويدخنون، ومع ذلك يبقى التدخين واستعمال المخدرات أقل نسبة في البلاد الإسلامية عنه في غيرها، ولذلك يقول «أرنولد توينبي» المؤرخ الإنجليزي المعروف محذرًا الغربيين من تفوق الإسلام وفاعليته: إن أهم ما يعاني العالم منه الآن هو مشكلتا الخمر والتمييز العنصري، ويقول: إنه ما لم تقدم الحضارة الغربية حلًّا سريعًا، فإن الإسلام سيقدم الحل الأمثل، وقد أثبت جدارته من قبل، وحذر من أن هاتين المشكلتين لم يحلهما بشكل كامل إلا الإسلام.

يتبع في العدد القادم.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل