; مزالي: لا يمكن تجاهل الإسلاميين في تونس | مجلة المجتمع

العنوان مزالي: لا يمكن تجاهل الإسلاميين في تونس

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 18-نوفمبر-1986

مشاهدات 52

نشر في العدد 792

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 18-نوفمبر-1986

  • عندما يشير مزالي إلى تنامي قوة الإسلاميين في تونس فإن هذه الإشارة لا تعني في وجدان الشعب التونسي أكثر من أن تونس اليوم بحاجة ماسة للإسلاميين

تمكن السيد محمد مزالي رئيس وزراء تونس السابق من الحصول على تأشيرة دخول إلى فرنسا، وقد انتقل من مقر إقامته بلوزان بسويسرا إلى باريس، ومن هناك أدلى بعدة تصريحات للتلفزيون الفرنسي ولصحف فرنسية وعربية، ومما يلفت النظر في تصريحات محمد مزالي أنه أشار في أكثر من موضع إلى تنامي قوة الإسلاميين في تونس، وعندما تأتي هذه الإشارة من سياسي شارك في حكم بلاده منذ استقلالها وشغل مناصب هامة في هرم السلطة وآخرها منصب الوزير الأول طيلة ست سنوات، فإنها تكون ذات مغزى ومعنى كبيرين، فهي إقرار واعتراف لا غبار عليه بأن الشعب التونسي في معظمه يؤيد الإسلاميين ويتجاوب مع مطالبهم، وهو في ذلك إنما يكشف عن روحه الإسلامية وأصالته، ورغم ما تتمتع به كل الاتجاهات السياسية الأخرى -أحزابًا كانت أو حركات- من دعم مالي وأدبي، فإنها لم تستطع أن تستقطب الرأي العام والشارع التونسي مثلما فعل الإسلاميون، وها هو محمد مزالي الذي عايش التطورات والتفاعلات الاجتماعية والسياسية في بلاده، والذي استقبل بعض قادة حركة الاتجاه الإسلامي وتحاور معهم على إثر خروجهم من سجونهم يعترف من منفاه بباريس بما يمثله هذا الاتجاه من قوة يجب أن يحسب لها ألف حساب حتى أنه حذر من استيلاء الجيش على السلطة؛ حيث يعتقد أن الجيش لن يكون في هذه الحالة إلا واجهة، وأن الحكم سيكون بيد الإسلاميين، ولعله هنا يقر بحقيقة أخرى وهي أن نفوذ الإسلاميين قد تجاوز المساجد والجامعات ووصل إلى الثكنات، لذلك دقت السلطة نواقيس الخطر وأعلنت الحرب على من تسميهم المتطرفين الدينيين الذين صارت تخشاهم خشية كبيرة. ففي بداية شهر مايو من هذا العام منعت الحكومة دخول المساجد في غير أوقات الصلاة، وفي شهر أغسطس تم إغلاق شركة بوسلامة للنشر، وذلك بعد مصادرة مائة ألف كتاب عن حركة الجهاد الإسلامي، وبعد أن اتهمتها بنشر كتب عن نظريات التطرف الديني، وفي نفس الفترة أعدم اثنان من العسكريين بعد محاكمة ٢٦ إسلاميًّا.

لذلك فإن أكثر ما تخشاه الحكومة هو تسرب النزعة الدينية إلى الثكنات وانتشارها بين صفوف الجيش.

وربما يعود الخلط بين المتطرفين الدينيين والإسلاميين المعتدلين إلى عدم إعطاء فرصة للتيارات الدينية للتبلور والوضوح؛ حيث كانت الحكومة تنظر إلى الجميع نظرة واحدة وتعتبرهم جميعًا مثيرين للمتاعب، وقد انجر عن ذلك أن اختلطت التسميات وأخذ البعض بجريرة الآخرين، ويجمع المراقبون على أن معظم الإسلاميين في تونس من المعتدلين، وأن تونس لم تعرف قديمًا أو حديثًا لا التطرف السياسي ولا التطرف الديني. ويقول أحد طلبة كلية الحقوق في هذا الصدد: «إن الحركة الإسلامية في تونس هي أكثر اعتدالًا منها في مصر أو لبنان أو إیران»، ويضيف طالب آخر مفسرًا إقبال الشباب على الحركة الإسلامية: «لأن الشباب يرون فيها قوة المعارضة الوحيدة التي تتيح لهم الفرصة للتعبير عن استيائهم من نظام الحكم، وكلما حاربتهم الحكومة كلما نمت صفوفهم.

 إن التعصب ليس من شيم التونسيين، ولكن الشباب يشعرون بالقلق إزاء البطالة التي تنتظرهم بعد تخرجهم، والمتطرفون يقولون: إن أسلوب المعيشة الغربي الذي اختاره بورقيبة هو سبب الأزمة الحالية، والحكومة لم تجد حلًّا إلا بمواجهتهم بشكل عنيف».

لقد عرفت تونس خلال العقد الأخير تحولات عميقة على الصعيدين الاجتماعي والسياسي، وكان أهم ظواهر هذه التحولات، العودة الجارفة إلى الدين الإسلامي من قبل قطاعات كبيرة من الجماهير أفقرتها وجوعتها التجربة الاشتراكية وخيبت آمالها التجربة الرأسمالية، وعوض أن تعترف السلطة بهذه التحولات وتحاول حل المشاكل المنجرة عنها بما يتفق ورغبات الشعب، نراها تدير ظهرها إلى هذه المشاكل وتحاول تغطيتها وكأن شيئًا لم يجد، ولكن الواقع يحدث عن نفسه ولا يمكن طمسه أبدًا، فالمساجد صارت تضيق بالمصلين، والكتب الدينية صارت تتلقفها الأيدي، ونداءات التعريب فرضت نفسها، فقطع التعريب خطوات كبيرة وتراجعت الفرنسية التي ركزها المستعمرون في البلاد، أما في الجامعات فالملفت للنظر أن عدد طلبة كلية الشريعة وأصول الدين قد ازداد بمقدار عشرة أضعاف، ويصرح السيد محمد شرفي أستاذ القانون ونائب رئيس الرابطة التونسية لحقوق الإنسان: «إننا نواجه عامًا دراسيًّا عسيرًا لا بد أن يشكل فرصة للحركة الإسلامية التي تمثل ملاذًا للمعارضين، وخاصة أننا نلاحظ ضعفًا في الاتجاه نحو دراسة المواد الاقتصادية والاجتماعية -أي الأفكار الليبرالية أو الماركسية- في حين تدعمت دراسة التاريخ الإسلامي والنظريات الدينية».

فهل يمكن تجاهل الحركة الإسلامية في تونس بعد كل هذا؟

وبقطع النظر عن الغاية التي يرمي إليها محمد مزالي بتصريحاته الأخيرة والتي ورد ضمنها أنه لا يمكن تجاهل الإسلاميين الذين صاروا يشكلون قوة على الساحة التونسية، فإن هذه التصريحات تبقى في النهاية إقرارًا للواقع واعترافًا بحقيقة لا فائدة من إنكارها أو تجاهلها.

الرابط المختصر :