; مريض القلب في شهر الصيام | مجلة المجتمع

العنوان مريض القلب في شهر الصيام

الكاتب محمد سيف

تاريخ النشر الثلاثاء 08-فبراير-1994

مشاهدات 120

نشر في العدد 1087

نشر في الصفحة 58

الثلاثاء 08-فبراير-1994

من رحمة الله بعباده أن رخص للمريض الإفطار في شهر الصيام.. قال تعالى: ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ (البقرة: 184) فإذا أخبر الطبيب المسلم الأمين مريضه أنه إذا صام أدى صيامه إلى زيادة المرض عليه أو إلى إهلاكه، وجب عليه الإفطار بحيث أنه إذا صام ومات فإنه يكون مات آثمًا، كما يذهب إلى ذلك كثير من العلماء والفقهاء.

ومن المرضى من تتحسن حالهم بالصيام كالمصابين بالبدانة، وما يرافقها من أمراض، أو ارتفاع ضغط الدم، أو اضطرابات المعدة والأمعاء وغيرها. وعلى المريض استشارة الطبيب الأخصائي المسلم، فإن أوصاه بالصيام، جعل له مواعيد الأدوية المستخدمة بطريقة تتناسب مع وقت الصيام فيما بين الإفطار والسحور ويؤخذ رأي الطبيب في كيفية تقسيم الجرعات وتنظيمها. ويوصى المريض بتعجيل تناول الدواء عند الإفطار، وتأخير جرعة السحور كي يستمر تأثيرها خلال فترة الصيام. ومن هنا ندرك مغزى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تزال أمتي بخير ما عجلوا الفطر وأخروا السحور.» (رواه أحمد عن أبي ذر).

وهناك بعض المفاهيم الخاطئة عن الصيام وتأثيره على القلب والدورة الدموية، ومنها أن الصيام يضعف القلب ويسبب نقص سكر الدم وهذا غير صحيح أبدًا. ومن المفاهيم الخاطئة أن الصيام يسبب زيادة في تركيز الدم ولزوجته بسبب نقص السوائل، وبالتالي يؤدي إلى حدوث جلطة في القلب وهذا غير صحيح أبدًا إذ أثبتت دراسة علمية حديثة من المملكة العربية السعودية عدم صحة هذه الأوهام. وسنستوحي في هذا المقال أهم أمراض القلب، وكيفية التعامل معها في شهر رمضان..

الذبحة الصدرية (Angina pectoris)

يشكو المريض المصاب بالذبحة الصدرية عادة من ألم في منتصف الصدر ينتشر إلى الكتف الأيسر والذراع الأيسر ويحدث هذا الألم عادة خلال الجهد أو بعده، ويستمر عدة دقائق إلى 20 دقيقة، وقد يأتي الألم بعد وجبة طعام أو مشي سريع أو صعود السلم. ويزول الألم عادة بتوقف المريض عن الجهد أو يتناول حبوب النيتروغليسرين تحت اللسان.

وتنجم الذبحة الصدرية عن تضييق في شرايين القلب التاجية فإذا كانت أعراض الذبحة الصدرية مستقرة بتناول العلاج، ولا يشكو المريض من أي ألم صدري فيمكنه الصيام في شهر رمضان بعد مراجعة الطبيب للتأكد من إمكانية تغيير مواعيد تعاطي الأدوية. وهناك حاليًا أدوية للذبحة الصدرية تستعمل مرة أو مرتين في اليوم. فمركبات النيترات "مثل الإيزورديل أو الإيزمو" تعطى مرتين يوميًا. ويوصي الأطباء حاليا بالحفاظ على فترة تبلغ 12 – 14 ساعة ما بين الجرعتين وكأنها جعلت خصيصا للصائمين، فقد وجد الباحثون أن إعطاء هذه الأدوية كل 6 ساعات يؤدي إلى فقدان مفعولها للصائم تناولها عند الإفطار وعند السحور.

والدواء الآخر الذي يستعمله كثير من مرضى الذبحة الصدرية هو التنورمين (Atenolol) ويعطي مرة واحدة في اليوم، أو الـ Metoprolol وهو يعطى مرتين في اليوم. والنوع الثالث من الأدوية المستعمل في تلك الحالات هو الإدالات (Adalat) أو الـ Diltiazem وهناك حاليًا مركبات عديدة التأثير من هذه الأدوية وتعطى عند السحور والإفطار. ولا ينصح المرضى الذين يشكون من الذبحة الصدرية غير المستقرة أولئك الذين يحتاجون لتناول حبوب النيتروغليسرين تحت اللسان بالصيام.

جلطة القلب "احتشاء العضلة القلبية"

تنجم جلطة القلب عن انقطاع كامل للدم المغذي لجزء من عضلة القلب، وهذا ما يؤدي إلى انحلال وتموت خلايا المنطقة المصابة، ويحدث هذا نتيجة انسداد في أحد شرايين القلب بواسطة جلطة دموية "خثرة". ويشكو المريض من ألم صدري عميق في منتصف الصدر، وقد ينتشر إلى الذراع الأيسر ويستمر أكثر من نصف ساعة، ويصاحب الألم عادة عرق بارد غزير. وقد يحدث نتيجة جلطة القلب اضطراب في نظم القلب أو هبوط في القلب "قصور في القلب". ولا ينصح مرضى الجلطة الحديثة بالصيام. إلا إذا تماثل المريض للشفاء وعاد إلى حياته الطبيعية فيمكنه الصيام مع تناول الأدوية بانتظام.

ارتفاع ضغط الدم

ارتفاع ضغط الدم مرض شائع جدًا يصيب حوالي 10 - 20 % من الناس في العالم أجمع ولا يعرف سببه في 90% من الحالات، إلا أن هناك عوامل تترافق بزيادة احتمال حدوث ارتفاع الضغط وهي التدخين والبدانة وشرب الخمر والإفراط بتناول الملح، ووجود قصة مرضية لارتفاع ضغط الدم عند العائلة، والعمل المترافق بالضغوط النفسية. ولا يسبب ارتفاع ضغط الدم عادة أي أعراض، ولا يشعر المريض به وكثيرًا ما يكتشف قدرًا أثناء فحص روتيني للمريض إلا أن ارتفاع ضغط الدم الشديد يمكن أن يؤدي إلى صداع وضيق في النفس ودوخة واضطرابات في البصر. وإذا كان ضغط الدم مسيطرًا عليه بالدواء فيمكن للمريض الصوم شريطة أن يتناول أدويته بانتظام. وهناك حاليًا أدوية لارتفاع ضغط الدم تعطى مرة أو مرتين فقط في اليوم.

ومن أدوية الضغط الـ Atenolol والـ Metoprolol وتعطى عادة مرة أو مرتين يوميًا، وكثيرًا ما يستعمل الـ Adalat Retard  في علاج الضغط حيث يعطى مرتين يوميًا أو تستعمل مثبطات أيس مثل Captopril والـ Enolapril  وهذه تعطى عادة مرتين يوميًا، فيمكن إعطاؤها للمريض عند السحور وعند الإفطار، أما إذا كان يتناول حبة واحدة يوميًا فينصح بإعطائها عند السحور بانتظام وإذا كان يأخذ 3 حبات عليه بمراجعة طبيبه المعالج لتغيير العلاج. وينصح مريض ارتفاع ضغط الدم بتجنب الموالح والإقلال من ملح الطعام، وإذا شعر بصداع شديد فعليه مراجعة الطبيب للتأكد من وجود ارتفاع شديد في ضغط الدم.

هبوط القلب "قصور القلب" (Heart Failure)

يحدث هبوط القلب عندما يعجز القلب عن القيام بوظيفته في ضخ الدم إلى الجسم على أكمل وجه، ورغم أن اسم المرض يوحي بأنها حالة خطيرة، إلا أنها عادة حالة قابلة للعلاج. ويعيش المريض فيها سنوات مديدة. وهبوط القلب نوعان: هبوط القلب الأيسر وهبوط القلب الأيمن.

فأما الأول: فقد ينجم عن ارتفاع ضغط الدم أو فقر الدم، أو مرض في صمامات القلب كتضييق الصمام الأورطي أو ارتجاعه في الصمام التاجي، أو نتيجة مرض شديد في الشرايين القلبية أو جلطة في القلب أو اعتلال في العضلة القلبية. وفي كل هذه الحالات يحتاج البطين الأيسر لأن يعمل بإجهاد أكبر كي يستطيع أن يضخ نفس كمية الدم. ويشكو المريض عادة من ضيق النفس لدى القيام بالجهد، وقد يتطور ذلك حتى يصبح المريض يشكو من ضيق النفس أثناء الراحة.

أما النوع الثاني (هبوط القلب الأيمن): فيحدث عادة في مراحل متقدمة من هبوط القلب الأيسر، أو نتيجة مرض مزمن في الرئتين كالتهاب القصبات المزمن انتفاخ الرئة. وقد يحدث نتيجة قصور في الصمام مثلث الشرف أو نتيجة مرض خلقي. ويشكو المريض في تلك الحالات من وذمة (انتفاخ في الساقين)، وقد يحدث تضخم في الكبد، واستسقاء في البطن، ويعالج المريض عادة بالراحة في السرير ويعطى المدرات البولية (مثل لازكس وغيره) التي تزيد طرح البول، وبذلك تخلص الجسم من فرط السوائل فيه. كما تعطى موسعات الأوعية مثل الكابوتين (Captopril) والديجوكسين، كما يوصى المريض بالإقلال من ملح الطعام. ومتى استقرت حالة المريض ينبغي معالجة السبب الذي أدى إلى هبوط القلب، وينصح بعدم الصيام إذا كان المريض في حالة هبوط قلب حادة. وينبغي استشارة طبيب القلب المسلم، فهو الذي يقرر ما إذا كان المريض يستطيع الصوم أم لا.. إذ يعتمد ذلك على شدة المرض، وكمية المدرات البولية التي يحتاجها المريض.

أمراض صمامات القلب الروماتيزمية  (Rheumatic valvular disease)

وتنجم هذه الأمراض عن إصابة أحد صمامات القلب بالحمى الروماتيزمية في فترة ما من حياة المريض وعادة ما تحدث الحمى الروماتيزمية عند الأطفال أو اليافعين. وأكثر صمامات القلب إصابة هي الصمام التاجي والصمام الأورطي وقد يحدث تضييق في الصمام أو ارتجاع (قصور) في الصمام كما في الصمام مثلث الشرف.

ويشكو المريض عادة من ضيق في النفس عند الجهد، وإذا كانت الحالة متقدمة فقد يحدث ضيق النفس أثناء الراحة. كما قد يشكو المريض من الخفقان أو الإعياء، فإن كان المريض يشكو من ضيق النفس فيعالج بالمدرات البولية، وقد يحتاج الأمر إلى استعمال الديجوكسين، كما قد توصف مميِّعات الدم في بعض الحالات.

ويستطيع الطبيب تقييم حالة الصمام بواسطة تخطيط القلب بالأشعة الصوتية (الإيكو) أو بالقسطرة القلبية فقد يحتاج المريض إلى توسيع للصمام بالبالون أو أثناء العمل الجراحي، أو إلى تبديل للصمام (حسب حالة الصمام). وإذا كانت حالة المريض مستقرة وبدون أعراض فيمكن للمريض الصوم. أما في الحالات المتقدمة والشديدة في تضييق الصمام أو ارتجاعه فينصح بعدم الصوم، ويعتمد ذلك على تقييم الطبيب لحالة المريض.

استعمال مميعات الدم الفموية أثناء رمضان

أظهرت دراسة حديثة نشرت من مستشفى الملك فيصل التخصصي عام 1990 أنه لا ضرر من صوم المرضى الذين يتناولون علاجًا ضد التجلط عن طريق الفم، كالمرضى ذوي الصمامات الاصطناعية وغيرهم.. فلم تظهر على أي منهم مضاعفات الانسداد التجلطي.

من ينصح بالإفطار من مرضى القلب؟

ينصح بعدم الصيام عند مجموعة محددة من مرضى القلب وهم:

1-     مرضى الجلطة الحديثة.

2-     المرضى المصابين بالذبحة الصدرية غير المستقرة (Unstable Angina) أو غير المستجيبة للعلاج.

3-     هبوط القلب (قصور القلب) غير المستقر؛ لأن المريض قد لا يحتمل حدوث العطش الطويل خصوصًا في فصل الصيف.

4-     الاضطرابات الخطيرة في النبض.

5-     التضييق أو الارتجاع الشديد في صمامات القلب>

6-     التهاب شغاف القلب (Endocarditis)لأن المريض يحتاج إلى مضادات حيوية.

7-     الحمى الروماتيزمية النشطة؛ لأن المريض يحتاج إلى أدوية مسكنة كل عدة ساعات>

8-     يجب عدم الصوم خلال فترة الأسابيع 6 الأولى التي تلي عمليات جراحة القلب كما ينبغي عدم الصوم قبل مراجعة الطبيب الجراح والسماح له بالصوم.

ولابد من تذكير مرضى القلب، وكذلك الأصحاء بعدم الإسراف في تناول الطعام والشراب في رمضان، وألا يتخموا أنفسهم بشتى أنواع المأكولات وإلا فقدوا الكثير من فوائد رمضان فهو شهر الرحمة والمغفرة، وليس شهرًا للتخمة والإسراف.

وختامًا ينبغي التأكيد على أن ما ذكرناه هو إرشادات طبية عامة، وأن القول الفصل في صيام المريض أو عدمه هو الطبيب المسلم المعالج للمريض، فهو أدرى بحالة المريض وعلاجه. كما ينبغي ألا تتخذ هذه الإرشادات ذريعةً لأي مريض كي يصوم أو يفطر تبعًا لهواه، فقد تختلف حالة كل مريض عن الآخر بالنسبة للمرض ذاته والذي يشخص المرض ويعطي العلاج المناسب هو الطبيب المسلم وليس المريض أما الذي يشفي فهو رب العالمين وصدق الله إذ يقول: ﴿وَإِذَا مَرِضۡتُ فَهُوَ يَشۡفِينِ﴾ (الشعراء: 80).

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل