العنوان مرضي المتعالين والمتحزلقين.. إلي أين؟
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 28-يوليو-1998
مشاهدات 51
نشر في العدد 1310
نشر في الصفحة 47
الثلاثاء 28-يوليو-1998
قد تفاجأ بإنسان لم يقرأ بابًا واحدًا من العلم، ولا دَرَس صفحة واحدة من مسائله، قد تعمم وتحزلق وأطال لحيته، وقصر ثويه، وأبرز مسواكًا في صدر جلبابه، وآخر في فمه، كأنه يريد أن يقول لك: انتبه، فأنا حارث السنة وداعية الشريعة، ومصدر العلم، الإسلام كله في جيبي، والتعاليم والفتاوى في رأسي، وآراء السلف والخلف طوع أمري، أنا صيدلية العلم، ونطاس الملة، ومدينة الفقه، ومجمع الفتيا، وباب الحلال والحرام، ومفتاح القبول، وطريق الوصول، كل أمر لا يصدر عني فهو رد، وكل حكم لا يخرج من مشكاتي فهو مدخول، وكل عمل غير ممهور برضائي فهو باطل، وكل فتوى لا تخرج من بين شفتي فهي مزورة، الحلال ما أحللت، والحرام ما حرمت، الأدلة أنا الذي أصوِّبها أو أخطئها، أقبلها أو أردها، الاجتهاد من فني وعملي، فلا أقلد أحدًا، فالتقليد ممنوع.
وأهل النظر هم أهل الضلال والبدع، وكل بدعة ضلالة، وأبو حنيفة والشافعي، ومالك وأحمد رجال زمانهم، ونحن رجال زماننا، ولهذا ومن أجل ذلك تراه يمشي منتفخًا كأنه الطاووس مزهوًا مثل قيصر أو كسرى، يثرثر كأنه ببغاء، ويهزي كأنه إذاعة، ويرغي ويزيد كأنه ملتاث ليكون نشوزًا في نغم الحياة الإسلامية، ونفورًا في نظام الدعوة إلى الله في أيام استيقظت فيها الأمة الإسلامية من رقاد طويل.
وأخذت تنضح جفنها الوسنان بأنداء الإسلام الشجية، وتبحث عن حللها، وحلاها وجمالها، في خزائن الشريعة، وتأهب كل مسلم ليحتفل بشباب الأمة العائد، وجمالها المستيقظ، وهو يستمع إلى دعاة صدق، بعلم واسع، وبديهة حاضرة، وفكر نفاذ، وبيان أخاذ، واطلاع شامل، ومنطق مستقيم، وإيمان عميق، وقد أرَّقهم كثيرًا ضعف المسلمين وضياعهم، في أمم ضربت عليها العزلة، وشعوب مؤمنة جاهلة مغلوبة على أمرها. ومستعمر داهية متمكن من الحكم سافرًا أو مقنعًا، وسلطات غريبة عن شعوبها فكرًا واعتقادًا وعاطفة، ونظام دستوري مستقى من الغرب بعيدًا عن أعراف الناس وعقائدهم. وإقصاء متعمد للدين الإسلامي عن واقع الحياة.
حتى لم يبق في مجتمعات المسلمين من الإسلام شيئًا من خلقه، ولا في أيديهم شيئًا من تراثه، وأصبح الدين رسمًا محيلًا في نفوس الخاصة، وأثرًا مشوهًا ضئيلًا في نفوس العامة لأن أخلاقهم فقدوها يوم فقدوا الحرية، وأضاعوها يوم أضاعوا دولة الإسلام، وأن تراثهم أصبح نهبًا مقسمًا بين شذاذ الشعوب وذؤبان الأمم، فناداهم دعاة الصدق بصوت رحيم، ولفظ ودود، أفيقوا من النوم، وخففوا عن القدر اللوم، فإن الله لا يظلم الناس مثقال ذرة فمن عائد شريعة الله وناموسه قتل في نفسه الطموح، وفي فكره التجدد، وفي عمله الابتكار، ورضي أن يكون في الدنيا كسقط المتاع، أو كالأثر في المتاحف يدل على مُلك باد، وشعب انقرض، وكان يسيرًا عليه أن يدع دينه للمبشرين وتلامذتهم، ووطنه للمستعمرين وأتباعهم، ثم يقعد مقعد الخوالف يتحسر على المجد المفقود، ويتعلل بالأماني الكذاب.
ولقد عرف هؤلاء الدعاة طريقهم الذي لاطريق سواه، ومنهجهم الذي لا منهج غيره في إيقاظ تلك الأمة الغافية، وهو طريق محمد صلى الله عليه وسلم الذي كون الأمة المسلمة وخرّج عمالقة الدنيا، وقد رأوا أن تكون الأمم وتربية الشعوب وتحقيق الآمال، ومناصرة المبادئ تحتاج من الأمم التي تحاول هذا، أو من الفئة التي تدعو إليه على الأقل إلى قوة نفسية عظيمة، تتمثل في عدة أمور:
إرادة قوية لا يتطرق إليها ضعفه، ووفاء ثابت لا يعدو عليه تلون ولا غدر، وتضحية عزيزة لا يحول دونها طمع ولا بخل، ومعرفة بالمبدأ وإيمان به، وتقدير له، يعصم من الخطأ فيه، والانحراف عنه، والمساومة عليه، والخديعة بغيره، فعلى هذه الأركان الأولى التي هي من خصوصية النفوس وحدها، وعلى هذه القوة الروحية الهائلة تبنى المبادئ وتتربى الأمم الناهضة، وتتكون الشعوب الفتية، وتتجدد الحياة فيمن حُرموا الحياة الشريفة والعظيمة زمنًا طويلًا، وكل شعب فقد هذه الصفات الأربع أو على الأقل فقدها قواده ودعاة الإصلاح فيه، فهو شعب عابث مسكين لا يصل إلى خير ولا يحقق أملًا إلا الأوهام والأماني والفنون ﴿ إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ﴾( يونس:36)هذا هو قانون الله تبارك وتعالى وسنته في خلقه ، ولن تجد لسنة الله تبديلا ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا یُغَیِّرُ مَا بِقَومٍ حَتَّىٰ یُغَیِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِم﴾(الرعد: ١١)
ومن هذا المنطلق كابد دعاة الصدق في الأمة جهلها بدينها وطغيان المادة والشهوات فيها، وتسلط المستعمر والدخيل على مقدراتها، وردوا إلى الإسلام شموله، وروعته، وبلغوه، عقيدة وعبادة وخلقًا، ومادة، وثقافة وقانونًا، وسماحة وقوة، ودعوا إليه نظامًا كاملًا يفرض نفسه على كل مظاهر الحياة، وينظم أمر الدنيا والآخرة، ونادوا إليه منهجًا عمليًّا وروحيًّا معًا، ولكن هذا أفزع أعداء الإسلام وأقض مضاجعهم، لأنهم رأوا تباشير الفجر الصادق وأنوار الرسالة الغامرة، تنادي الشتات الحائر، وتبعث الفتات الخامد، وتكون الأمة المرتقبة والقوة التي طال انتظارها، وهذا أمر قد يكون مفهومًا من الأعداء، ومرتقبًا من أهل الباطل ومن شايعهم وسار في طريقهم.
ولكن غير المفهوم، وغير المصدق أن ينبري بعض المتعالمين والمتحزلقين إلى لمز وهمز دعاة الإسلام وأصحاب اليقظة الذين باعوا أنفسهم وأموالهم لله ﴿مِّنَ ٱلمُؤمِنِینَ رِجَال صَدَقُوا مَا عَـٰهَدُوا ٱللَّهَ عَلَیهِ فَمِنهُم مَّن قَضَىٰ نَحبَهُۥ وَمِنهُم مَّن یَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبدِیلا﴾(الأحزاب:23) وكان الأولى لهؤلاء أن يزيلوا عن أنفسهم سحب الجهالة، وكوابيس الخمول، وأوهام الغرور، ونزغات الشياطين، وكم نُصحوا فلم يسمعوا وعُلموا فلم يعقلوا، ووُجُهوا فلم ينصاعوا، ويأبون إلا أن يلجوا في غرورهم، ويسدروا في شكوكهم، ويظلوا في أوهامهم، ينظرون إلى مجاهدي الإسلام بمناظيرهم السوداء وقلوبهم العمياء، وبصائرهم الملتاثة، ويتحدثون عنهم بلسان المتحرج المتشكك بل المجرح والمشهر.
ونحن نقول لهؤلاء: لا تكونوا مطايا للمستعمرين، ولا أظافر للضالين، ولا عبيدًا للمنافقين، ولا خدماً لعلماء السوء ﴿إِنَّ ٱلَّذِینَ یَكتُمُونَ مَاۤ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلكِتَـٰبِ وَیَشتَرُونَ بِهِۦ ثَمَنا قَلِیلًا أُولَـٰۤىِٕكَ مَا یَأكُلُونَ فِی بُطُونِهِم إِلَّا ٱلنَّارَ وَلَا یُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ یَومَ ٱلقِیَـٰمَةِ وَلَا یُزَكِّیهِم وَلَهُم عَذَابٌ أَلِیمٌ﴾ (البقرة :١٧٤) (ويتبعون أهواهم ليصدوا عن سبيل الله ﴿وَمَن أَضَلُّ مِمَّنِ ٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ بِغَیرِ هُدى مِّنَ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یَهدِی ٱلقَومَ ٱلظَّـٰلِمِینَ﴾ (القصص: ٥٠)
واتركوا - هدانا الله وإياكم - تلك الغفلة السادرة، والخطرات اللاهية، والانصياع الأعمى إلى كل ناعق، فما هو من سبيل المؤمنين ولا طريق الفالحين، وأقبلوا على
الله وعلى دعوته بقلب سليم. نسأل الله أن يوفق وأن يعين آمين.. آمين .
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل