العنوان مرشد جديد.. هل هي مرحلة جديدة؟
الكاتب د. عصام العريان
تاريخ النشر السبت 24-يناير-2004
مشاهدات 81
نشر في العدد 1586
نشر في الصفحة 40
السبت 24-يناير-2004
شغلت جماعة الإخوان المسلمين الرأي العام والمراقبين طوال الأيام الماضية بوفاة مرشدها السادس المستشار محمد المأمون الهضيبي - يرحمه الله فجأة، ثم باختيار المرشد السابع الأستاذ محمد مهدي عاكف بسرعة وحسم، مما قطع الطريق على تكهنات كثيرة بحدوث انشقاقات أو صراعات وتشققات في جسد الجماعة الأكبر والأهم في مصر والوطن العربي والعالم الإسلامي.
يمثل عاكف نموذجًا فريدًا في الإخوان، فهو من الجيل المؤسس أو الجيل التالي له، ولكنه وبكل معنى الكلمة بعد من الجيل الجديد وأقرب الناس إليه بروحه الشابة، وفكره المعاصر، واعتماده آليات ووسائل حديثة في العمل والنشاط، لقد تم تنفيذ اللائحة بدقة وحسم تولى أكبر أعضاء مكتب الإرشاد الأستاذ محمد هلال المحامي مسؤولية القيادة خلال أسبوع انتقالي أو أقل وتمت الانتخابات داخل مكتب الإرشاد نظرًا لعدم إمكان عقد مجلس الشورى الذي عقد آخر اجتماعاته في ١٩ يناير ۱۹۹٥م، وأعقب الاجتماع الشهير بيومين (١٩٩٥/١١/٢١م). شخصًا، من حملة بوليسية طالت ٢٩ شخص بينهم عدد كبير من أعضاء الشورى ثم حملة أخرى وثالثة خلال شهور انتهت بمحاكمة ٨٣ عضوًا منهم ثلث أعضاء مجلس الشورى أمام محكمة عسكرية قضت بالسجن لمدة ثلاث أو خمس سنوات على قرابة نصف أعضاء مكتب الإرشاد وثلث أعضاء الشورى.
حصل الأستاذ عاكف على الأغلبية المطلقة من الأصوات مما أدى إلى طرح اسمه على الإخوان في الخارج الذين رحبوا بانتخابه، ولم يكن هناك مرشحون غيره، وذلك تم إعلان انتخاب المرشد السابق في أقل من أسبوع، وفقًا لإجراءات لا تحية منضبطة، وفي حال أمنية بالغة التوتر.
تنتظر الأستاذ عاكف مهام صعبة وملفات شائكة وقضايا لا يزال بعضها غير محسوم، وأعتقد أنه أهل لذلك كله، ليس بشخصه ولكن بطريقته في العمل وقدراته على الإدارة، حيث يؤمن بالتفويض، ويطلق طاقات الأفراد ويقتنع بالتجديد، ويواكب متغيرات العصر، ولا يسعى إلى صدامات بل يؤمن بالحوار والإقناع، وله رصيد كبير في الداخل وفي الخارج، في الداخل، حيث ترى أجيال الشباب أنه أقرب إليها، ولا أقول جيل الوسط كما يحلو للبعض تسميته، وفي الخارج لأنه عاش قرابة عشر سنوات في العمل للإسلام خارج مصر، وزار معظم بلاد العالم داعيًا إلى الله، ويحتفظ بصداقات قوية مع كبار رجال الدعوة الإسلامية من كل تيارات العمل الإسلامي. أهم هذه الملفات العلاقة مع النظام في مصر، وقد أعلن المرشد أن ملف الحريات العامة له أولوية كبرى في قائمة اهتماماته، مما يعني الحرية للجميع وليس للإخوان فقط، وهنا تأتي مسألة تشكيل حزب سياسي لتحتل موقعها في إطار إطلاق الحريات العامة.
ليس الأمر مجرد تشكيل حزب سياسي أو الحصول على رخصة قانونية، لأن هناك في مصر ١٧ حزبًا مرخصًا، أكثر من ثلثها، تم تجميده، أو سحب الترخيص له فعليًا، وهناك ٥ أحزاب لا يشعر بها أحد على الإطلاق. ويستغرب الناس أن يحاورها قادة الحزب الوطني، والبقية أحزاب محاصرة في مقراتها استسلمت للإرادة الحكومية القاهرة والضغوط الأمنية الظاهرة ولم تحصل مجتمعة - وهي مرخصة ولها جرائد ومقرات - إلا على حوالي عشرة مقاعد في البرلمان الحالي، بينما حصل الإخوان في ظروف أشد قسوة على ۱۷ مقعدًا.
لا ينطلق المرشد الجديد من فراغ ولا يبدأ من نقطة الصفر، بل هو يكمل مسيرة من سبقه من المرشدين ويعتمد على جهود كل الإخوان، فالإمام البنا - رحمه الله. أسس الجماعة ووضع لها القواعد المنهجية والفكرية ورسم اللوائح التي تسير عليها والتي تطورت بعد ذلك حتى الآن.
أما الهضيبي الأب.. فقد استطاع المرور بالجماعة وسط المحن، وحافظ على تماسكها ونقائها الفكري بعيدًا عن التكفير والغلو، أو العنف المدمر، ولم تسقط في براثن الاستبداد الناصري، بل دفعت الجماعة الثمن غاليًا لتحافظ على استقلالها وتماسكها ونقائها الفكري ووضوح منهجها.
وقام الأستاذ التلمساني - رحمه الله - بدور ضخم وكبير في دحض الشبهات التي ألصقتها آلة الإعلام الناصرية بالإخوان، والملم جراح الخارجين من غياهب السجون، ورص الصفوف، وانتقل بالإخوان إلى مرحلة جديدة، اكتسبت بها أهلية وشرعية جديدة في المجتمع المصري بعد أن اجتذب إليها آلاف الشباب الذين رضوا أن يكونوا جنودًا في جماعة كبرى بدلًا من أن يصبحوا قادة الجماعات هامشية جديدة.
وساعد الأستاذ محمد حامد أبو النصر على ترسيخ أقدام الإخوان في المجتمع الأهلي، وشارك الإخوان في عهده في النقابات والبرلمانات.
ثم جاء الأستاذ مشهور ليتحمل القيادة في مرحلة جديدة من التضييق والمطاردات، فكانت نصائحه التربوية خير معين لاجتياز هذه المرحلة بأقل الخسائر.
وساعد المستشار المأمون الهضيبي على التجديد الفكري في الجماعة منذ بروزه زعيمًا للكتلة البرلمانية وناطقًا رسميًا ثم نائبًا للمرشد، ولم تستمر ولايته إلا سنة ونيفًا.
من هنا ينطلق المرشد السابع من أفكار استقرت ومواقف واضحة ليؤسس عليها المرحلة جديدة ومستقبل مشرق - بإذن الله - لجماعة الإخوان.
يؤمن الإخوان أن الأمة أو الشعب هو مصدر السلطات، فهو الذي يولي الحكام ويعزلهم ويحاسبهم. فليس لأحد أن يدعي حقًا إلهيًا، وهذا موقف مستقر من قديم أوضحته رسالة الإخوان في مارس ١٩٩٤م حول الشورى والتعددية في المجتمع المسلم.
فالحاكم يأتي بانتخاب حر من الشعب، وهو وكيل عنه، ومسؤول أمامه، ويعتقد الإخوان أن المواطنين جميعًا متساوون في الحقوق والواجبات وأنه لا تمييز بينهم لأي سبب وأنهم جميعًا أمام القانون سواء.
كما أعلن الإخوان أن النظام الدستوري النيابي هو اختيارهم، وأنهم لا يعدلون به بديلًا، وأنه أقرب نظم الحكم المعروفة في العالم إلى الإسلام، وأنه لا بد من الاحتكام إلى دستور مكتوب يحقق الفصل بين السلطات ويحدد مسؤولية الحاكم والحكومة، ويوضح طريقة تداول السلطة، ويحافظ على الحريات العامة والشخصية ويحميها.
كما يؤمن الإخوان بأن النظام النيابي - أي وجود برلمان منتخب حر هو الذي يقوم بواجبات الرقابة على الحكومة، وسن القوانين في إطار الدستور، وأن هذا البرلمان لابد له من ضمانات تكفل طريقة اختياره بحرية كاملة، ومواصفات لأعضائه، وهيئات معاونة له بحيث يستطيع القيام بدوره ويؤدي إلى إحياء فريضة الاجتهاد في النظام الإسلامي، بحيث لا يخرج هذا البرلمان عن الثوابت القطعية في الشريعة الإسلامية، وإذا خرج عنها فإن محاسبته تكون أمام الشعب الذي اختاره أو المؤسسات الدستورية الأخرى التي تراقب صحة ودستورية القوانين التي يسنها البرلمان.
أما دور الشيوخ والفقهاء فهو الفتوى والاجتهاد والبحوث والتأصيل والتقعيد كما كان طوال مسيرة التاريخ الإسلامي الزاهر، وكما هو حال أساتذة القانون وفقهاء الدستور الآن، فهم يقدمون الدراسات والاجتهادات ثم يأتي دور البرلمان ليختار أنسبها وأفضلها لمواكبة الواقع وحال الناس، وكلها في إطار اجتهاد محمود أمر به الشرع وندب إليه وأعطى المخطئ فيه أجرًا واحدًا والمصيب أجرين.
لا يؤمن الإخوان بما يسمى الحكومة الدينية والمرحوم التلمساني كتاب ورسالة في ذلك واضحة تمامًا، فليس في الإسلام كهنوت ولا قدسية لأحد ولا تقديس الكلام أحد، فالكل مجتهدون يؤخذ من كلامهم ويرد عليهم باجتهاد مثله.
يعتمد المرشد الجديد على رصيد قائم من رفض العنف باستمرار طوال ثلاثين عامًا وإدانة تامة لكل الحوادث التي تمت داخل مصر وخارجها، ويكفي أن تصريحات المرشدين السابقين جميعًا تقول بأن العنف الموجه إلى الأبرياء لا يقره شرع ولا خلق ولا عقل ولا دين.
وحسم الخلافات في بلادنا وضد حكوماتنا الوطنية لا سبيل له إلا الحوار والإقناع والضغط المستمر من أجل الإصلاح مع التمسك التام بحقوقنا الدستورية والسياسية والقانونية، أما المقاومة المشروعة والدفاع عن حوزة الوطن ضد أي اعتداء خارجي فهذا شأن آخر.
هناك ملفات أخرى تنتظر المرشد الجديد منها ملف استكمال التطوير والتجديد وطرح أطروحات فكرية أخرى في قضايا أصبحت ملحة لا على مستوى مصر فحسب بل على المستوى العربي الإسلامي والعالمي، مثل الأقليات وكيف تحقق وجودها وتحافظ على كينونتها في إطار دولة وطنية والقومية والوحدة العربية في إطار التراجع المهين الفكرة الوحدة التي تحطمت على صخرة مغامرات أحزاب وأفراد اتسمت بالدكتاتورية، والتعاون الإسلامي لمواجهة التحديات العالمية، والحوار مع الغرب للحفاظ على الهوية الإسلامية للجاليات المسلمة، والثروات الإسلامية للدول الإسلامية والاستقلال الحقيقي في عصر عاد فيه الاحتلال البغيض ليدنس عاصمة الرشيد وفلسطين الذبيحة والأمن القومي لمصر والعالم العربي والنهضة الحضارية للأمة الإسلامية وكيف يتبوأ المسلمون مكانتهم اللائقة على المستوى الدولي، بل أقول الملفات العالمية أيضًا كيف نحقق عالمًا أكثر أمنًا وأكثر عدلًا وأكثر استقرارًا.
ندعو للمرشد الجديد بالتوفيق كما نضع كل جهودنا تحت تصرفه، وتدعو كل المخلصين والمحبين للإخوان أن يقدموا له النصح والعون في مهمته الثقيلة، أعانه الله عليها ووفقه فيها ... آمين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل