العنوان مرحلة السلام ومستقبل الخليج
الكاتب المحرر المحلي
تاريخ النشر الثلاثاء 30-أغسطس-1988
مشاهدات 68
نشر في العدد 880
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 30-أغسطس-1988
آن لليل حرب الخليج الطويل أن ينقشع بعد أن توصل طرفا النزاع -العراق وإيران- إلى إقرار مبدأ وقف إطلاق النار والبدء في مشوار المفاوضات وصولًا إلى تأسيس سلام عادل وشامل ضامنًا لإزالة أسباب ودواعي النزاع. وحرب الخليج -كما هو معروف- لم تكن حربًا محدودة لا في ميدان عملياتها ولا في تمددات آثارها المتشابكة، وإنما كانت حربًا شاملة عظيمة البلوى امتدت انعكاساتها وإفرازاتها سلبًا على أكثر دول المنطقة، وخلقت أوضاعًا استراتيجية واقتصادية وسياسية تجاوبت مع انعكاساتها المنطقة العربية بعامة، وبصفة أخص دول الخليج ودول الهلال الخصيب؛ مما حدا بخمسة من دول المنطقة أن تتصدر قائمة شراء الأسلحة عام ١٩٨٥ وتستحوذ على ٤٢% منها، من بينها: سوريا، السعودية، العراق. وبوضع الحرب لأوزارها فإنه من الطبيعي جِدًّا أن تتحول إفرازاتها السلبية وتتبدل الانعكاسات الموجعة مع تباشير مرحلة السلم القادمة، والتي سوف تتميز بصماتها على الأوضاع يومًا بعد يوم، ففي إطار دول النزاع -العراق وإيران- فالسعي يتأكد من أجل التعمير ومواصلة المشاريع التنموية التي أتت الحرب على أكثرها، ويعني ذلك بكل بساطة أن المنطقة من الناحية الاقتصادية سوف تشهد رواجًا وانتعاشًا لا يضارعه إلا ذلك الذي رافق ارتفاع أسعار النفط في آواخر السبعينيات، فإن تعمير ما استهلكته الحرب في سنينها الثمانية الطوال والبالغ أكثر من ٤٥٠ مليار دولار يحتاج إلى إعمار طويل، وعمومًا فإن متطلبات المرحلة القادمة وإفرازاتها ستشمل كل من النواحي الاقتصادية والسياسية والأمنية والاستراتيجية العسكرية:
١- الجانب الاقتصادي:
من الناحية الاقتصادية والتجارية فإن دواعي الانتعاش تكون مزدوجة في أغلب الأحيان خاصة بالنسبة لدول الجوار المباشر لأطراف النزاع؛ فجزء من الرواج الاقتصادي يأتي من جراء انعكاس متطلبات التنمية والتعمير لكل من العراق وإيران، كما هو الحال بالنسبة للكويت وبعض الدول الخليجية، فإن حركة التجارة العابرة «الترانزيت» وإعادة التصدير يكون لها نصيب الأسد، ويتبع ذلك نشاط وحركة تنقل واسعة في الموانئ، وتعتبر الكويت في هذا النطاق المرشح الأكبر، كما أن موانئها ستكون -كما كانت دائمًا في الماضي- مدخلًا إضافيًّا لكثير من متطلبات الأسواق في العراق وإيران، ويعزز هذا ما تتمتع به السياسة الاقتصادية في الكويت من حرية وتخطيط اقتصادي يجعل من إعادة التصدير تعاملًا مرغوبًا فيه خلافًا لكثير من الدول التي لا تستطيع أنظمتها الاقتصادية أن تقوم بمثل هذا الدور.
وبالنسبة للخليج العربي عامة فإن حركة النقل سوف تجعل منه قبلة تجارية، ويتضاءل من جانب آخر دور خليج العقبة، والذي كان قد لعب دورًا بارزًا في الفترة السابقة عن الطريق البري بين العقبة والخليج.. وفيما يخص النفط فإن الانخفاض في أسعار شركات التأمين الدولية على الناقلات سوف يرفع من عوائد النفط مما ينعش الحالة الاقتصادية للدول النفطية الخليجية. فالمنطقة الخليجية مقبلة على تجاوز حالة الركود الاقتصادي لتحل فترة انتعاش ورواج طويلة بإذن الله.
٢- الجانب السياسي:
تأثرت دول المنطقة بالأوضاع التي خلقتها حرب الخليج تأثيرًا أنتج معه وضعًا سياسيًّا ساعد على التشرذم والمواقف المتطرفة أحيانًا، وبدأت النزاعات المحدودة تأخذ شكلًا من أشكال القطيعة وتفاقمت قضايا مثل قضية لبنان وتمت في أجواء الحرب غير الصحية، ومن البدهي أن وضعًا سياسيًّا سوف ينشأ؛ ففي مرحلة الحرب لم تستطع الدول العربية أن تعقد مؤتمر قمتها بعد مؤتمر «فاس ۲» ۱۹۸۳ إلا المؤتمر الطارئ في عمان ۸۷ والجزائر ۸۸ فمن المتوقع أن تسعى الدول العربية إلى حل مشكلة لبنان، كما أن بعض الدول العربية التي لعبت دورًا مزدوجًا لا بد أن تعيد ترتيب أوراقها وتتجه إلى تنشيط ولائها لتراثها الفكري ورابطة العروبة فيها.. ويساعد على تجديد التماسك في الصف العربي حضور العراق المكثف بعد أن تفرغ من دواعي الالتفاف حول قضية الحرب والانفراج السياسي والأمني سوف يدعم قضايا الحرية عمومًا.
٣- الجانب العسكري:
الحرب بالتعريف تعني سيطرة الاقتصاديات الحربية والأولوية للفكرة الاستراتيجية، وما أن تتركز دعائم السلام حتى تتضاءل تلك الأولويات، إلا أن المنطقة ما زالت تعاني من قضايا الصراع الحربي القائم مع الكيان الصهيوني، والذي هو يعتبر المتضرر الأول من تأسيس سلام دائم بين العراق وإيران. فالناحية العسكرية سوف تشهد تحولًا في وجهتها بعد أن توقفت حرب الجارتين المسلمتين وربما تتوحد الأهداف فقط ضد العدو الصهيوني. فالعراق بعد الآن من أكثر دول المنطقة تأهيلًا في المجال العسكري، هذا إن لم يكن أكثرها فعلًا، كما أن جيشه المنتصر يمكن أن يلعب دور الذراع الأقوى في صراع مستقبلي مع العدو الصهيوني، إضافة إلى أن ظروف الحرب اقتضت تحديث جيوش المنطقة وإعادة تسليحها بأقدر المعدات والأجهزة الحربية -كما في الكويت والسعودية. فالنشاط العسكري يتفاقم مع الحرب، وهو باق بأولوية جماعية ضد العدو الأوحد للمنطقة -الكيان الصهيوني- بعد أن قبع في ظلال الحرب في أطر فردية.
٤- الأمن والإعمار:
وفي مجال الأمن، والذي هو نعمة من الله سابغة؛ إذ امتن على قريش به ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾ (قريش: 4). وفي أجواء الحروب وعشعشة الخوف من الدمار تتزعزع أسباب الاستقرار وتتهدم تطلعات البناء وتتعطل مشاريع النمو، وبانقشاع هذه الأدواء مع ذهاب الحرب فإن الأمن يوفر وضعًا تنمويًّا آنيًّا حثيثًا يذهب العجف المضني في الاقتصاد ويدفع بمشاريع التقدم والازدهار في شتى المجالات، وهو ما يتطلب من دول المنطقة من إعداد مشاريع استيعابية متقدمة المستوى حتى لا تأتي دول الاصطياد وتقتنص النصيب الأوفر من تأسيس لشركات وإقامة لمشاريع مشتركة تدر على بلدان الخليج بما يعوض سنوات الحرب، ويمكن للبنوك الإسلامية أن تنشئ شركات مقاولات متعددة الأغراض تساهم في إعادة تعمير بلدان الحرب بدلًا من أن يذهب ربع تلك المشاريع لدول مثل كوريا وبلغاريا ويوغسلافيا وغيرها، وحتى تتمكن الدول الخليجية والعربية والمؤسسات -البنوك الإسلامية والشركات- من مشاركتها في إعادة التعمير لا بُدَّ من التخطيط المتبصر والسريع والتحرك الإيجابي في طلائع المتطلبات استفادة من تجارب البناء السابق.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل