; مرة أخرى حول: السنهوري وموقفه من الشريعة الإسلامية | مجلة المجتمع

العنوان مرة أخرى حول: السنهوري وموقفه من الشريعة الإسلامية

الكاتب فيصل محمود العتبان

تاريخ النشر الثلاثاء 07-مارس-2000

مشاهدات 69

نشر في العدد 1391

نشر في الصفحة 41

الثلاثاء 07-مارس-2000

الخطأ البشري المحتمل لا يقود إلى جعل صاحبه معاديًا لتطبيق أحكام الشريعة.

ضرورة المطالبة بنهضة فقهية لدراسة أحكام الشريعة وبيان توافر العمل بها وتطبيقها في كل مجال.

قرأت في مجلتكم المبدع دراسات د. محمد عمارة في الأعداد من ١٣٦٩ إلى ۱۳۷۲، ثم رد الدكتور عباس محمد في العدد (١٣٨٦) حول موقف د. السنهوري من الشريعة الإسلامية وبنظرة موضوعية نقدية وليست شخصية انتقادية أوضح النقاط التالية:

أولًا: إن كان السنهوري قد قنن القانون المصري فمن المعلوم أنه ليس هو الذي شرعه وإنما هناك هيئة تشريعية وهيئة قضائية، بل وسلطة تنفيذية كانت لها قوة الحل والربط بما عليها من تأثير من النفوذ الأجنبي وليس للسنهوري بمفرده تنفيذ كامل إرادته في هذه الأمور... وربما من هو عضو في هيئة قضايا الدولة يعلم ذلك جيدًا فإن وجود مادة ما في قانون دولة لا تقع على عاتق فرد بقدر ما تقع على هيئات بأجمعها خصوصًا إذا ما صدر منه ما يعارض ذلك.

ثانيًا: إن الأخذ برأي من آراء المذاهب الفقهية لا يعني صراحة إنكار أن الإسلام لا يحتمل الرأي الآخر، كما في مسألة انتقال التركة بعد سداد الدين، حيث يعلق د. الزحيلي بقوله: «وضع التقنين المدني السوري وأصله المصري نظامًا، لتصفية التركة مؤلفًا من ٣٩ مادة مستمدة من أحكام الفقه الإسلامي، حتى يتسلم الورثة تركة المتوفى خالية من الديون، مادامت التركة لا تنتقل إليهم إلا بعد سدادها».

أما هبة المال المستقبل، فقد تم الاستناد فيهما على الفقه الإسلامي كذلك، كما يوضح ذلك د. الرحيلي بقوله: «وهذا الحكم المستثنى مأخوذ من الشريعة الإسلامية التي تشترط وجود محل العقد وقت انعقاده أما ما تم إيراده من مسألة الحوالة فيقول د. الزحيلي «وقد وقف التقنين المدني المصري والسوري موقف الاعتدال في النظرية الشخصية والنظرية المادية للالتزام، فلم يفرق في الأخذ بالمذهب المادي، ولكنه من جهة أخرى سجل ما تم فعلًا من تطور نحو هذا المذهب بحكم تأثر النظريات اللاتينية بالنظريات الجرمانية، وهذا هو اتجاه الفقه الإسلامي فكيف يعتبر الكاتب ذلك غير صحيح ويفسر تلك المحاولات الإصلاحية أنها من القانون الفرنسي أما الخطأ البشري المحتمل والفهم الخاطئ للنصوص الفقهية فلا يعلم من قال بأنها تقود صاحبها إلى كونه معاديًا لتطبيق الشريعة.

ثالثًا: إن السنهوري الذي قنن القانون المدني المصري هو نفسه الذي قنن القانون المدني العراقي والذي استند في وضعه إلى مراجع في الفقه الإسلامي، والسبب أنه وجد في العراق من الاستجابات والتأييد مالم يجده في مصر في ذلك الحين!!

إن ثورة السنهوري ساهمت في إحداث حركة قوية نحو أسلمة القوانين فبعد القانون العراقي صدر في ليبيا إلغاء صريح وفوري لكل ما هو معارض للشريعة، وصدر القانون المدني الأردني الذي قال عنه د. الزحيلي: «وتناول المشروع أحكام المعاملات مستمدة من الفقه الإسلامي بأحكامه الواسعة المتفتحة على الحياة وقواعده المتطورة دائمًا مع متطلبات العصر والصالحة للغد ولتبدل الأزمان وهو مشروع رائد ينتظره العرب والمسلمون بفارغ الصبر، وهو يحقق رغبة طالما تمناها كثير من رجال القضاء والقانون وعلى رأسهم الدكتور عبد الرزاق السنهوري».

رابعًا: إن المطالبة بقيام نهضة فقهية لدراسة الشريعة الإسلامية وبيان مبادئها وقواعدها وأحكامها ووفائها بحاجات المجتمع الإسلامي في أسلوب جديد ونهج حديث ولغة مستساغة للواقع المعاصر ليست هي مطمح وحلم السنهوري وحده بل هناك من العلماء المصلحين من ينادون بضرورة ذلك، بل إن هذا هو منهج السلف -رحمهم الله- حيث ابتكروا من القواعد والأصول وطرق التبويب والإستاد والتصانيف ما لم يكن في عهد أسلافهم عليهم رضوان الله، وأخيرًا أنقل نص ما ذكره د. الزحيلي كخاتمة لمبحثه «ما اقتبسه القانون المدني من الفقه الإسلامي»، وذكر فيه جهود السنهوري في أسلمة القوانين: «في آخر هذا البحث أؤكد ضرورة العودة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية واستمداد القوانين منها، ما دمنا نعمنا -ولله الحمد- بالاستقلال وقد بينا هذا النموذج الذي استمده القانون المدني من الفقه ليكون عنوانًا مشرقًا، وبرهانًا ساطعًا على أن في شريعتنا الغراء كنوزًا خالدة لا تحتاج إلا إلى صياغة جديدة بروح العصر ومفاهيمه على منوال التقنينات الجديدة، قال الدكتور السنهوري: على أننا لا نريد بتقليد التقنينات الحديثة أن نذهب في ذلك إلى مدى أبعد مما ينبغي، وإذا كنا نقول بالاستفادة دون تحفظ من التقنينات الغربية من ناحية الشكل والصياغة، ففي المادة والموضوع نتحفظ كثيرًا في هذا القول، ثم علق على قرار وزارة العدل العراقية باتخاذ الشريعة الإسلامية أساسًا للتقنين قبل صدوره، فقال: ولما كان القرار خطيرًا، وهو يؤذن بعهد جديد للفقه الإسلامي يجارى فيه الزمن ويساير التطور كان الواجب أن نقف عنده حتى تمعن في مراميه.. وهناك فرق جوهري بين أن نجعل مصدر الأحكام الصالحة التقنينات الغربية، وبين أن نجعل مصدرها الشريعة الإسلامية، ففي الحالة الأولى نكون قد قطعنا كل صلة بالقديم وبدأنا حياة قانونية جديدة تكون فيها عالة على فقه الغرب وجهوده، نأخذ منه ولا نعطيه أما في الحالة الثانية فنكون قد احتفظنا بصلة الماضي، وجعلنا من هذه الصلة أساسًا يقوم عليه المستقبل، واحتفظنا باستقلالنا القانوني، فلا تكون عالة على فقه الغرب، وفي ذاته نكون قد استفدنا من هذا الفقه إلى أبعد مدى، إذ تصبح الأحكام التي اخترناها وخرجناها على أحكام الشريعة الإسلامية متفقة مع أحدث الأحكام القانونية الغربية وأرقاها.

الرابط المختصر :