العنوان مراحل الأزمة اللبنانية خلال الثمانينيات
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 30-يونيو-1987
مشاهدات 138
نشر في العدد 823
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 30-يونيو-1987
منذ الفترة الممتدة ما بين أيلول 1982 وآذار 1986 خيل للبنانيين أنهم استطاعوا فصل أزمة لبنان عن قضية الشرق الأوسط عامة، ومواصلة سياسة «تطور منفصل» ولكن ما حصل حقيقة هو تغيير جذري للبنية الجغرافية السياسية للبنان. ويمكن تقسيم تاريخ لبنان منذ أيلول 1982 إلى ثلاث مراحل مميزة:
تبدأ المرحلة الأولى مع تولي أمين الجميل رئاسة الجمهورية وتنتهي مع إلغاء اتفاقية 17 أيار اللبنانية -الإسرائيلية- الأمريكية في آذار 1984.
خلال هذه المرحلة حاول الحكم المسيحي إقامة نظام ليبرالي متعدد الطوائف يسيطر عليه المسيحيون، موال للغرب وغير معاد للدولة العبرية.
يتمتع هذا المشروع بدعم من الدول الغربية «الولايات المتحدة، بريطانيا، فرنسا، إيطاليا» والتي أرسلت إلى لبنان قواتها المتعددة الجنسيات والمكونة بغالبيتها من الأمريكيين والذين كان أسطولهم السادس يجول الشواطئ اللبنانية للمساهمة في إعادة تسليح وتنظيم الجيش اللبناني، ليصبح هذا الأخير أداة لحكم أمين الجميل على حساب الميليشيات الأخرى.
ولكن الاتحاد السوفياتي المبعد عن عملية السلام هذه نتيجة لتقارب عرفات من الإدارة الأمريكية، كان ينظر باستياء إلى مكوث قوات حلف الأطلسي في لبنان. أما بالنسبة لسوريا، فقد كانت ترى جليًا أن الورقة اللبنانية والفلسطينية تفلتان من بين يديها. لهذا قام بين تلك الأطراف الثلاثة التي آخرها المشروع اللبناني الموالي للغرب وإسرائيل، تحالف موضوعي، حاولت سوريا تجسيده على الواقع اللبناني. وعلى إثر سحب سوريا قواتها من بيروت والجبل حتى البقاع، عملت على وضع إستراتيجية تتمحور حول ثلاثة أهداف رئيسية هي:-
- منع ياسر عرفات من التفرد في مفاوضات السلام مع الولايات المتحدة.
- منع أمين الجميل من أن يكون الرئيس الثاني الذي يوقع اتفاقية سلام منفرد مع إسرائيل.
- منع لبنان من الارتماء في أحضان الغرب بعيدًا عن الاتحاد السوفياتي.
وقد وضعت إستراتيجية ثلاثية تقوم على أساس وضع ثلاث عراقيل بوجه ثلاثة أهداف هي:
أولًا: عززت قوات أبو موسى والراديكاليين الفلسطينيين بوجه ياسر عرفات.
ثانيًا: دعمت القوات اليسارية والشيعية «الحزب التقدمي وحركة أمل» بوجه أمين الجميل والقوات اللبنانية.
ثالثًا: أيدت الحماس الثوري بوجه قوات حلف الأطلسي لمصلحة الاتحاد السوفياتي.
المحاور الثلاثة للسياسة اللبنانية:
فمنذ أيلول 1982 وصل إلى بعلبك ما لا يقل عن 1500 إيراني من حراس الثورة بالمقابل أرسلت ليبيا إلى البقاع 600 رجل، في حين عمل الاتحاد السوفياتي على تسليح الحزب التقدمي الاشتراكي وحركة أمل وعملت الجزائر وسوريا على تدريبهما. بيد أن الطائفة الشيعية ازدادت راديكالية مع بروز أمل والتصاعد السريع لحزب الله.
وفي ربيع 1983، في الوقت الذي كان فيه اللبنانيون والإسرائيليون يوقعون اتفاقية 17 أيار التي تطلق سياق تطبيع العلاقات بين لبنان وإسرائيل وفي الوقت الذي تخلى فيه عرفات عن سوريا للالتحاق بالأردن والولايات المتحدة تهيأت كافة العوامل لتوجيه الهجوم المضاد.
محور عرفات: انتفضت الكوادر المقاتلة لفتح والتي بقيت في لبنان في المناطق الواقعة تحت سيطرة الجيش السوري؛ مما أدى إلى انشقاق داخل الحركة ومعها منظمة التحرير الفلسطينية، كما أقدمت المنظمات الفلسطينية الرئيسية بما فيها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين (جورج حبش) والقيادة العامة لأحمد جبريل وجبهة النضال لسمير غوشه والصاعقة على التحالف مع سوريا والمتمردين وبقيت جبهة التحرير العربية الموالية للعراق وجبهة التحرير الفلسطينية التابعة لأبي العباس وحدهما في خط الولاء لعرفات، في حين رفضت الجبهة الديمقراطية (نايف حواتمة) الموالية للاتحاد السوفياتي الوقوف مع أي طرف. وفي تشرين الأول 1983 استطاع الفلسطينيون الموالون لسوريا طرد العرفاتيين من طرابلس والمخيمات الفلسطينية الواقعة شمال لبنان واستطاعت الشام إنشاء جبهة الإنقاذ الوطني الفلسطيني والتي تشمل كافة التنظيمات والشخصيات الفلسطينية المعادية لسياسة عرفات مما ساهم في إضعاف سلطة عرفات في لبنان.
محور أمين الجميل: في أيلول 1983 انسحب الجيش الإسرائيلي من جنوب شرقي بيروت والجبل، حتى صيدا وجنوب البلاد، تاركًا القوات اللبنانية بمواجهة الحزب التقدمي الاشتراكي وبدعم المدفعية السورية والفلسطينية، استطاع الدروز سحق القوات اللبنانية وإخلاء الجبل من سكانه المسيحيين. كما استطاعوا طرد الجيش اللبناني من منطقة الشحار الغربي خلال شباط 1984.
من جهة ثانية، كانت الميليشيات التقدمية والشيعية تحتل الشطر الغربي من العاصمة وضاحيتها الجنوبية، فانسحب الجيش اللبناني نحو بیروت الشرقية وباتت الميليشيات في بيروت الغربية على اتصال جغرافي مباشر بالجيش السوري الموجود في الجبل مما أسفر عنه تفتت الحكم المسيحي للرئيس الجميل.
محور الغرب: منذ ربيع 1983، شنت المقاومة السرية سلسلة من الهجمات ضد المواقع الغربية، العسكرية منها والمدنية في بيروت: أهمها الاعتداءات الثلاثة بالسيارات المفخخة ضد السفارة الأمريكية ومقر قيادة المارينز الأمريكي ومركز دراكار التابع للقوات الفرنسية؛ مما أسفر عنها سقوط ما لا يقل عن 500 قتيل أجنبي غربي. أضف إلى ذلك أنه قامت كل من المقاومة الوطنية والمقاومة الإسلامية السنية بتوجيه ضربات موجعة ضد مواقع الجيش الإسرائيلي في الجنوب؛ مما يعني بالنسبة للقوات الإسرائيلية استحالة الوصول إلى أي اتفاق يؤمن أمن حدودها الشمالية.
وهكذا تبدل المسار الذي أدى إلى ما يلي:
محور عرفات: ففي ربيع 1984، أضحى رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير في مواجهة مع المنشقين في لبنان مما قلص من أثر تحركه في المفاوضات بين الأردنيين والفلسطينيين.
محور أمين الجميل: بعد سنة من توقع اتفاق 17 أيار، اضطر رئيس الجمهورية اللبنانية إلى إلغائه مما أدى إلى قطع الجسور مع الإسرائيليين وقام بتشكيل حكومة وحدة وطنية ضمت زعيم الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط ورئيس حركة أمل نبيه بري.
حول المحور الغربي: ففي نيسان 1984، انسحبت القوات المتعددة الجنسيات من بيروت وترك الأسطول السادس الأمريكي المياه اللبنانية في حين عجزت إسرائيل عن تحقيق أي اتفاق مع الدولة اللبنانية ولا سيما وأن المقاومة الإسلامية في صيدا والجنوب حققت ضربات من الدرجة الأولى لقوات العدو اليهودي.
وبهذا تنتهي المرحلة الأولى بهزيمة إسرائيلية وغربية ساحقة وفي هذا الظرف المتشابك تمكنت سوريا من فتح ثغرات أمسكت من خلالها بالورقة اللبنانية.
نتيجة لهذا، أعاد الغرب إلى الواجهة إستراتيجية «السياسة الواقعية» وبات ينتظر التعاون مع سوريا التي برهنت قدرتها على قمع من يسميهم الغربيون بالإرهابيين والمزعجين الثوريين الذين ضربوا القوات الغربية مرات عديدة.
وفي ربيع 1984 تخلت دمشق عن إستراتيجيتها السابقة، وعملت على رعاية اتفاق بين الجميل وجنبلاط ونبيه بري. وعندما تمردت القوات اللبنانية ضد رئيس الجمهورية في آذار 1985 ترددت سوريا بعض الوقت (بسبب العلاقات المتينة التي تربط القوات اللبنانية بإسرائيل) قبل الاطمئنان لشخصية ومواقف الزعيم الجديد للقوات، إيلي حبيقة، ثم وضعت مخططًا جديدًا قائمًا على التفاهم بين الميليشيات الرئيسية في البلاد بما فيها الحزب التقدمي الاشتراكي وحركة أمل والقوات اللبنانية المسيحية الموالية لإسرائيل.
من جهة ثانية، وبعد أن استغنت إسرائيل نهائيًّا عن لبنان سحبت قواتها واستقرت على طول الحدود اللبنانية ضمن الحزام الأمني الذي يسيطر عليه ما لا يقل عن ألفي رجل من جيش لبنان الجنوبي التابع للجنرال أنطوان لحد.
وبغية مواصلة سياسة سوريا في لبنان، دعت سوريا مؤسس «حزب الله» محمد حسين فضل الله إلى دمشق، حيث استقبله الرئيس السوري الذي طلب منه تهدئة الحماس الثوري لدى ميليشيات حزبه ثم قامت سوريا بالطلب من حكومة طهران عدم تحريض الشيعة في لبنان على قلب النظام، كما قلصت حرية تحرك حراس الثورة في لبنان وسوريا.
فشل الاتفاق الثلاثي: لم يكن الاتفاق الثلاثي الذي كرس ذلك الوضع في لبنان، ووعد بوضع حد للصراع الداخلي الدائر منذ أكثر من عشر سنوات ليعجب كافة الأطراف.
فبمعزل عن المسيحيين هناك الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل اللتان تخشيان بعد توقيع الاتفاق الثلاثي أن يصبح لبنان في دائرة النفوذ السوفياتي بعد إعطاء حصة الأسد لكل من جنبلاط ونبيه بري.
كما أعرب الحلفاء الإقليميون لسوريا وبالأخص إيران عن استيائها لتغليب تفضيل سوريا المسيحيين والعلمانيين على الموالين لإيران (حزب الله) في الاتفاق الثلاثي. بيد أن الضربة القاضية التي نسفت الاتفاق الثلاثي جاءت على أيدي المسيحيين أنفسهم. ففي 15 كانون الثاني 1985 قام كل من سمير جعجع وأمين الجميل على إثر معارك دموية، بإقصاء إيلي حبيقة عن منصبه وإجباره على مغادرة البلاد.. ويدشن هذا الانقلاب، الذي وضع حدًّا بشكل مؤقت للاتفاق الثلاثي.
المرحلة الثالثة للتاريخ اللبناني
وقد انعكس فشل الاتفاق الثلاثي على الساحة اللبنانية. فبالإضافة إلى تصاعد التوتر العسكري بين المسيحيين والمسلمين أدى إلى تصلب أقوى لدى «حزب الله».
وفي بداية شباط، قام «حزب الله» بمعزل عن توجهات حركة أمل، بعملية في الجنوب أسر خلالها جنديين إسرائيليين، وفي بيروت، أقدم على إعدام أحد عشر شخصًا اتهمهم بالتورط في وضع السيارة المفخخة في الضاحية الجنوبية. كما أعلن الجهاد الإسلامي عن إعدام ميشيل سورا المخطوف منذ أيار 1985. في حين أعلنت منظمة العدالة الثورية مسؤوليتها عن خطف أربعة فرنسيين.
إن الجواب عن هذا السؤال تقضي البحث عنه في الساحة الإقليمية كما في الساحة اللبنانية. إذ فضلًا عن حرب الخليج، تتراكض الأحداث التي تنبئ بانهيار أکبر للأوضاع في لبنان. فبعد شهرين من الإطاحة بإيلي حبيقة وفشل الاتفاق الثلاثي أخفقت المفاوضات الأردنية -الفلسطينية نهائيًّا، ودعت فتح مقاتليها للعودة إلى لبنان. وقد دشنت هذه العودة في 27 آذار بقصف صاروخي على منطقة الجليل، قامت إسرائيل على إثره بقصف مقر قيادة فتح في مخيمي عين الحلوة والميه وميه.
واندلعت في بيروت معارك بين الفلسطينين وحركة أمل.. فبعد أن يئس عرفات من عملية السلام ومشروع ريغان أعاد اهتمامه وجهوده إلى لبنان معيدًا ربط الأزمة اللبنانية بقضية الشرق الأوسط.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل