العنوان مذكرات : صورة شهيد جزائري: صفحات من دفتر الذكريات (١٢)
الكاتب الدكتور توفيق الشاوي
تاريخ النشر الثلاثاء 30-أغسطس-1994
مشاهدات 80
نشر في العدد 1114
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 30-أغسطس-1994
·
الكيد الغربي
للمسلمين مستمر ومتواصل؛ فالذين يفرضون حظر السلاح على مسلمي البوسنة ليمكنوا
للصرب هم الذين فرضوه على المسلمين في حرب فلسطين ليمكنوا للصهاينة.
أذكر حادثة لها مغزى كبير في عام 1947م، لما بدأت الحرب في فلسطين
بدخول الجيوش العربية، والتحامها مع العصابات الصهيونية، أصدرت هيئة الأمم
-بالتواطؤ مع أمريكا وحلفائها الغربيين- قرارًا بوقف القتال، وكان الهدف من وقف
القتال إعطاء اليهود فرصة لترتيب شؤونهم، واحتلال أكبر قدر ممكن من فلسطين، وإعطاء
الإنجليز فرصة للضغط على الحكومات العربية لدفعها إلى الانسحاب.
وقد كان أول ما تضمنه وقف إطلاق النار فرض حظر على توريد الأسلحة إلى
دول المنطقة ابتداءً من موعد معين، في ذلك الوقت كانوا يعرفون أن الدول العربية لم
يكن عندها أسلحة كافية، وسارعت بريطانيا التي كانت المورد الرئيسي لها إلى وقف شحن
الأسلحة للبلاد العربية، أما اليهود فكان عندهم الترتيبات لتخزين الأسلحة والحصول
عليها بطرق غير رسمية من مصادر أخرى، لأنهم كانوا عصابات قبل أن يكونوا دولة
معترفًا بها، فلم يتأثروا من الحظر، وكانت الحكومة اللبنانية لها علاقة وثيقة
بفرنسا التي باعت لها شحنة من الأسلحة كانت معدة لشحنها إلى لبنان، وقد اتصل بي
السفير اللبناني الشيخ أحمد الدعوق، وكان من اللبنانيين المسلمين المعروفين ومن
أسرة كبيرة، وقال لي: إنني أريدك في أمر عاجل جدًا، ولما ذهبت إليه قال لي: أريد
مساعدتك في أمر هام هو أن شحنة أسلحة اشتريناها من فرنسا موجودة الآن في ميناء مرسيليا،
ويجب شحنها قبل اليوم المحدد من قبل هيئة الأمم المتحدة لمنع تزويد الدول العربية
بالسلاح.
النفوذ اليهودي في نقابات العمال
والحكومة الفرنسية معنا، ولكن اليهود لهم نفوذ في النقابات، فحرضوا
العمال على الامتناع عن شحن هذه الأسلحة، وأصدرت النقابات قرارًا يلزم العمال
بالامتناع عن شحنها، وهي ملقاة الآن في ميناء مرسيليا، وليس أمامنا سوى 48 ساعة
لوضعها في السفن، فإذا لم توضع فإن الحكومة الفرنسية ملزمة بأن تستردها ولا
ترسلها، قلت له: وماذا تريد مني أن أفعل؟ قال: إن هناك عمالًا كثيرين من
الجزائريين والمغاربة في مرسيليا، وإذا استطعت أن تحضر معي لإقناعهم بأن هذه قضية
عربية وإسلامية، وتطلب منهم أن يتصدوا للنقابات ويخالفوا قرارها الذي يلزمهم
بالإضراب عن شحن هذه الصناديق، تكون قد أديت لنا خدمة كبيرة، ولبنان ستعترف لك
بهذا الفضل، فاتصلت فورًا بمندوب حزب الشعب الجزائري بباريس في ذلك الوقت، وطلبت
منه أن يقوم بهذه المهمة مع السفير، ورحب واتصل بأصحابه هاتفيًا في مرسيليا فورًا،
وذهب مع السفير بسيارته ليلًا حتى وصلوا إلى مرسيليا في الصباح، وفي الساعة
الثامنة صباحًا، قبل أن يفيق أحد، كان العمال الجزائريون محتشدين في الميناء
ويحملون الصناديق إلى السفينة، مخالفين قرار النقابات، وتحدوا المسؤولين عن
النقابة، وتصدوا لمن يعارضهم بالأسلحة والسكاكين، وكان معروفًا أن مسألة السكاكين
عندهم سهلة جدًا، وطردوا العمال الذين كانوا يمثلون النقابات أو يريدون أن ينفذوا
قرار النقابة، وتم الشحن قبل الموعد المحدد له، وعاد السفير اللبناني إلى باريس
سعيدًا، وقال لي: إنني أريد أن أكافئ إخواننا الجزائريين، فماذا تقترح لهذا؟ فقلت
له: إن الجزائريين قاموا بسبب حماسهم لقضية فلسطين، فالمكافأة التي ينتظرونها هي
معاونتكم للفلسطينيين في جهادهم البطولي.
أثر السياسة الاستعمارية في البلاد العربية
ولكي نعرف الفرق بين موقف الأفراد والشعوب، وسياسة الدول والحكومات،
أذكر أنه بعد هذه الحادثة التي وقف فيها هؤلاء الجزائريون هذا الموقف البطولي، حضر
إلى غرفتي بالمدينة الجامعية أحد هؤلاء العمال الجزائريين، وقال لي: إنني أعمل في
فرنسا منذ بضع سنوات، وقد سئمت الحياة مع هؤلاء الفرنسيين، وفكرت في أن أبحث عن
بلد عربي أعيش فيه بين المسلمين، وكل ما ادخرته من مال دفعته إلى أحد المكاتب الذي
ينظم رحلات الحج إلى الأراضي المقدسة، فهل تستطيع أن تجد بلدًا عربيًا يسمح لي
بالإقامة فيه بعد الحج، وأنا على أتم الاستعداد لكي أقوم بأي عمل من الأعمال، فقد
مارست مهنًا كثيرة، وما زلت مستعدًا لتعلم أي مهنة أو أؤدي أي عمل.
عند ذلك تذكرت مقالة السفير اللبناني عن رغبته في مكافأة الجزائريين
لما أظهروه من حماس لتحدي النقابات الفرنسية التي أمرت بعدم شحن الأسلحة إلى
لبنان، وما قدموه لحكومة بلاده من خدمة لا تُنسى، وتوجهت له فورًا وعرضت عليه مطلب
هذا الشاب، فرد علي بالأسف الشديد لأن مسألة الإقامة في لبنان ليست في يده ولا
يستطيع أن يساعد فيها، ولكن كل ما يمكنه عمله هو أن يعطيه خطابًا إلى رئيس شرطة
الميناء في بيروت لكي يسهل له التوجه إلى سوريا حيث يكون أمامه فرصة أكبر للإقامة
هناك، وأخذت منه الخطاب وسلمته لصديقنا الجزائري الذي وعدني بالذهاب إلى مرسيليا
حيث يستقل سفينة تحمله إلى بيروت، وهناك سيأخذ سفينة تركية للحجاج قادمة من
الأناضول متجهة إلى جدة، وفي العودة بعد الحج سينزل في بيروت ويذهب إلى سوريا.
بعد أسبوعين فقط من سفر هذا الصديق، وقبل أن ينتهي موسم الحج، فوجئت
به يدق علي باب الغرفة، ودهشت لسرعة عودته، وقال لي: إن الحج ضاع عليه، لأن
السفينة التي حملته من مرسيليا إلى بيروت مرت بالإسكندرية وتوقفت هناك مدة، ولما
وصلوا إلى بيروت أعلنوهم بأنه لا يسمح لهم بالنزول إلى الشاطئ، لأن السفينة
التركية التي كانوا سيركبونها إلى جدة قد غادرت الميناء قبل وصولهم، وعليهم أن
يعودوا على السفينة التي جاءوا بها من حيث أتوا، ولما سألته لماذا لم يتوجه
بالخطاب إلى رئيس الشرطة؟ قال: إن البوليس منعهم من النزول إلى الميناء حتى بقصد
النزهة والسياحة، وذلك لأنه كان على السفينة نعش قالوا إن به جثمان الأمير شكيب
أرسلان، وكان يحيط به عدد كبير على السفينة وعدد أكبر على الشاطئ ينتظرونه، وأن
ضابط الشرطة بالميناء أمر بمنع نزول ركاب الترانزيت "وهو منهم" إلى
الشاطئ دون سبب يفهمونه، رغم إلحاحه وإلحاح زملائه الحجاج الذين كانوا متوجهين معه
للحج، وفاتهم الحج، وفرض عليهم العودة على نفس السفينة التي جاءوا بها من مرسيليا.
لقد تألمت جدًا لما سمعته عن مغامرات هذا العامل الجزائري الشاب، وما
أصابه من إحباط، رغم أنه كان عنده أمل كبير في أن أسهل له مشروعه، وكان عندي أمل
في أن هذه المساعدة كانت أقل ما كان يجب على سفير الدولة التي قدم لها الجزائريون
هذه الخدمة الجليلة، رغم أن السفير كان رجلًا طيبًا وعميق الإيمان، وكان صادقًا في
رغبته في المساعدة.
الجهاد هو الطريق
ولما رأى الشاب ما أصابني من ألم قال لي: إنني غير نادم على قيامي
بهذه الرحلة، يكفي أنني عندما رست بنا السفينة في ميناء الإسكندرية سمعت أذان
الفجر في جوف الليل من مآذن هذا البلد المسلم، وهذا هو الشيء الوحيد الذي استفدته
من الرحلة، لقد كنت أمني نفسي بأن أعيش في بلد إسلامي حر مستقل أسمع فيه هذا
الأذان بعد أن سئمت المعيشة في فرنسا، وما زال عندي أمل أن يتم ذلك في يوم من
الأيام، قلت له: يا أخي إن الطريق إلى بلاد الإسلام، وإلى الإسلام ذاته، وإلى
الحرية والاستقلال يمر بميدان الجهاد ضد الاستعمار في الجزائر، وأن هذا المؤذن لم
يكن يدعوك للإقامة في بلد معين، ولكنه كان يدعوك إلى الجهاد في سبيل الله، وفي
سبيل شعبك واستقلال بلادك.
بقي هذا الشاب يتردد عليّ إلى أن عاد إلى الجزائر، وعدت إلى مصر، وبعد
ذلك علمت أنه كان من أوائل الذين استشهدوا في ميادين الجهاد أثناء الثورة
الجزائرية، ليس هذا الشهيد إلا نموذجًا لآلاف المجاهدين الذين بذلوا أرواحهم في
مقاومة الاحتلال الأجنبي، إنهم كانوا مجاهدين في سبيل الله، مدافعين عن الإسلام
ودار الإسلام.
الاستعمار الأوروبي تكرار للحملات الصليبية
إن شعوب شمال أفريقيا لا تفصل بين الإسلام والعروبة، بل إن الاستعمار
الفرنسي نفسه يخلط بين الأمرين، فكلمة عربي ومسلم مترادفتان في كتابات المستشرقين
ورجال الفكر والسياسة الاستعمارية، وعندما كانوا يحتلون تلك البلاد لم يكونوا
يصفون الأهالي بأنهم مغاربة أو جزائريون أو تونسيون، بل يسمونهم
"المسلمين"، وكذلك كان الأهالي المسلمون لا يصفون الفرنسيين إلا بوصف
واحد هو أنهم "النصارى"، وكذلك كانوا يصفون الإسبان والبرتغاليين منذ
بدأت غاراتهم الاستعمارية على شواطئ أفريقيا الشمالية، بعد أن لجأ إليها مسلمو
الأندلس الذين فروا من حملات الإبادة التي واجهوها في الأندلس بعد استيلاء الإسبان
عليها، ولذلك فإن كفاحهم الوطني كان وما يزال في نظرهم جميعًا جهادًا إسلاميًا ضد
الاستعمار الأوروبي الذي كانوا يعتبرونه تكرارًا للحملات الصليبية، وما زالوا حتى
الآن يعتبرون سياسة الدول الأوروبية المعادية للإسلام سياسة صليبية.
ولذلك فإن من يتخذون الشعارات الوطنية ستارًا لسياسة التبعية للقوى
الأجنبية يجدون صعوبة كبيرة في إقناع الجماهير بالسير في طريق المهادنة مع الدول
المعادية للإسلام التي تستخدم نفوذها لدعم النظم الوطنية التي تسير نحو التنكر
للإسلام واضطهاد الحركات الإسلامية في هذه الأقطار.