العنوان مذكرات صفحات من دفتر الذكريات (90) الرابطة وجمعية الإرشاد (۱۹۹۰م)
الكاتب الدكتور توفيق الشاوي
تاريخ النشر الثلاثاء 26-مارس-1996
مشاهدات 82
نشر في العدد 1193
نشر في الصفحة 54
الثلاثاء 26-مارس-1996
بعد أن زرت قسنطينة للمرة الثانية لحضور اجتماع رابطة الجامعات الإسلامية عدت إلى العاصمة الجزائرية، وكان أول من لقيته هو الشيخ «سحنون»، الذي له مكانة كبيرة بين الإسلاميين باعتباره الرمز المعتمد لجمعية العلماء الجزائريين، ورغم سنه المتقدمة إلا أنه قد أثبت أنه أكثر حيوية وشبابًا من كثير من أبناء هذا الجيل، ولذلك تراس رابطة الحركات الإسلامية في الجزائر التي انضوي تحت لوائها جميع الهيئات التي تعمل في الحقل الإسلامي.
وفي أول لقاء معه شكا لي من انفراد الشيخ «عباس مدني» باتخاذ مبادرة لطلب الترخيص الرسمي لجبهة الإنقاذ الإسلامية دون موافقة الرابطة والمنضمين إليها، رغم أنه هو الذي حضر إليه في عام ۱۹۸۸م، واقترح إنشاء هذه الرابطة لتجمع شمل جميع من يعملون في الحقل الإسلامي وتقوم بالدور الأساسي في التنسيق والتعاون بينهم من أجل الأهداف المشتركة.
قال: إن الرابطة درست الدستور الذي أصدره «بن جديد»، واعتبرته دستورًا دكتاتوريًا، لأنه يركز السلطة في يد رئيس الجمهورية وأنه غير إسلامي، لأنه لا يصرح بالانتماء الإسلامي وسيادة الشريعة، ولذلك فإن الرابطة قررت ألا تتحول إلى حزب سياسي لأن دخول السياسة الحزبية في ظل هذا الدستور تعني المشاركة في نظام سياسي دكتاتوري غير إسلامي، لكن «عباس مدني» انفرد بالإقدام على مبادرة منفردة، وتقدم مع «على بلحاج» وانضم لهما بعض أصدقائهما والمتحمسين ممن كانوا يمارسون المقاومة المسلحة في الفترة الماضية، تقدموا بطلب تأسيس حزب سموه «جبهة الإنقاذ الإسلامية»، دون موافقة الرابطة أو الاعتداد بقرارها.
قال: إنه يعتقد أن الحكومة قد أعطت الإذن بتأسيس هذا الحزب، لأنه لا يمثل في نظرها إلا جانبًا من أصحاب التيار الإسلامي -يعتبرونه أقلية محدودة- ولأنه يفتح للجماعات الإسلامية، التي كانت تثير قلاقل ضد الحكومة الطريق لكي تظهر على السطح وتمارس النشاط السياسي العلني كغيرها من القوى السياسية، وقال لي: إن كثيرًا من الإسلاميين مازالوا يشكون في فائدة هذه التجربة.
التقيت مع صديقي «عباس مدني»، وعرفت تصميمه على دخول الجبهة ميدان العمل السياسي الذي فتحت الحكومة أبوابه، رغم اعتراضات كثيرين من ذوي الفكر الإسلامي الذين يشكون في نوايا السلطة واتجاهاتها، وأعطاني صورة النظام الأساسي للجبهة لأطلع عليها ووعدته بأن أقدم له ملاحظاتي على ما ورد بها.
الشاذلي «بن جديد»
في هذا الوقت كانت هناك دوائر أجنبية وبعض الدول العربية تهاجم الرئيس «الشاذلي بن جديد» بسبب سماحه بإنشاء أحزاب إسلامية في الجزائر؛ لأن تلك الدوائر كانت تهدف لفرض مبدأ استعماري جديد ابتكروه لإثارة الفتنة بين النظم الحاكمة وشعوبها في البلاد العربية، عن طريق إلزام تلك النظم بعدم الاعتراف بوجود أحزاب إسلامية في تلك الأقطار، مع أن المفروض أن الاعتراف بالأحزاب وتحديد قيمة كل منها يرجع فيه إلى الرأي العام في انتخابات حرة، لكن قوى أجنبية قررت أن تحرم الرأي العام وجماهير شعوبنا من حقها في إعطاء ثقتها لهيئات أو أحزاب إسلامية، لأن هذه الثقة الشعبية تؤهل تلك الهيئات -متى حصلت على ثقة الرأي العام- أن تتولى السلطة، وبعض القوى الأجنبية مصممة على إقصاء الإسلام والإسلاميين عن ميدان العمل السياسي والعمل العام عمومًا، وقد استطاعت هذه الدوائر الأجنبية أن تفرض على «بن علي»، في تونس، بل تلزمه برفض الاعتراف بأصحاب الاتجاه الإسلامي الذين طلبوا الاعتراف بهم كحزب سياسي باسم حزب النهضة، بل فرضوا هذا المبدأ في مصر أيضًا، ومازالت هناك سياسة تهدف لحرمان الإخوان المسلمون من الاعتراف بهم.
أما سورية والعراق فقد قام حزب البعث لهذا الغرض، وطبق مبدأ إقصاء جميع الحركات الإسلامية من ميدان السياسة، وخاصة «الإخوان المسلمون» بل وعملوا على إبادتها، وأصحاب هذا الاتجاه أطلقوا على الهيئات الإسلامية تسمية حركات الإسلام السياسي أو الأصوليين، وسخروا طاقاتهم الإعلامية لتشويه صورها ونسبة جميع العيوب لها، حتى تخشاها الجماهير وتبتعد عنها.
لاحظت أن هذا المخطط تعمل له الدعاية والخطط الصهيونية التي تعرف أن العقيدة الإسلامية هي المنبع الأول لحركات الجهاد التي تعارض مخططاتها الاستيطانية والتوسعية في العالم العربي والإسلامي، وأنها تستغل نفوذها في الإعلام العالمي وتأثيرها السياسي لتدفع فرنسا وبريطانيا، وأمريكا، وبعض الدول الأجنبية الأخرى في هذا الطريق.
أما في العالم العربي، فإن كثيرًا من الحكومات المحلية تتورط فيه لأهداف حزبية أو وقتية دون إدراك للأهداف البعيدة لهذه السياسة التي ترمي لها القوات الأجنبية التي تصر على فرضها على دولنا جميعًا، بقصد عزلها عن جماهير شعوبها التي تعلن ولاءها للإسلام وثقتها بدعاته.
خطة القوى الأجنبية
إنني اعتقد أن هذه القوى الأجنبية بدأت هذه الخطة منذ نجحت في استغلال النظام العسكري الذي أقامه أتاتورك، في إلغاء الخلافة والتنكر للشريعة والوحدة الإسلامية ونجاحهم في تركيا زين لهم أن يقيموا في جميع أنحاء العالم الإسلامي نظمًا لا دينية أو علمانية، وفي نظرهم أن إقصاء الإسلاميين عن العمل السياسي يمكنهم من فرض النظم اللادينية.
وقد نشرت جريدة الشرق الأوسط تصريحًا للرئيس «بن جديد»، سئل فيه عن السبب في إعطاء الإذن لجبهة الإنقاذ لتكون حزبًا سياسيًا إسلاميًا معترفا به فقال: إنني لا أستطيع أن اعترف بالأحزاب التي ترفع شعارات شيوعية أو اشتراكية وأرفض الاعتراف بالأحزاب الإسلامية، وكان هذا تلميحًا لاستنكار لما فعله بورقيبة من اعتراف بالحزب الشيوعي في تونس، ورفض الاعتراف بالاتجاه الإسلامي، وهو المبدأ الذي مازال يسير عليه خلفه «بن علي».
التقيت بالشيخ محفوظ النحناح والمرحوم محمد سليماني «نائبه»، الذي دعاني لزيارة مراكز جمعية الإرشاد والاطلاع على نشاطها الثقاف والاجتماعي، وحضرت معهما اجتماعًا واسعًا الإطارات الجمعية، وكان معنا زوار من بعض الدول العربية الذين كانوا يقومون بجولة في أقطار إفريقيا الشمالية، وعرفت من الشيخ محفوظ أنه حصل على ترخيص رسمي لجمعية الإرشاد باعتبارها مؤسسة ثقافية واجتماعية، وأنه يمارس نشاطه في هذا الاتجاه، فشجعته على ذلك واقترحت عليه أن يتفادى آية منافسة أو خصومة في المجال السياسي مع جبهة الإنقاذ، عندما شكا لي من انفراد «عباس مدني» بإنشائها دون الاتفاق مع الرابطة أو الاستماع لآراء أعضائها، وأبدى شكه في نجاح هذه التجربة.
قلت له: إننا يجب أن نعطي للجبهة هذه الفرصة، فإن نجحت كان نجاحها لصالح التيار الإسلامي في جميع البلاد العربية، وإن فشلت فإن مسؤولية ذلك ستقع على مؤسسيها، وقلت له: إنني أفرق بين الدعوة الإسلامية التي تهدف لتجديد الفكر الإسلامي وتربية جيل جديد يحمل رسالة الإسلام في العصر الحاضر، وبين الحزبية السياسية، وإنني أرى عدم الخلط بين الأمرين وعدم التزاحم بين القائمين بالعمل في كل ناحية من هذه النواحي، لأن العمل في المجال الاقتصادي أو التربوي والاجتماعي يحتاج لظروف تتعارض مع العمل السياسي وما يجره من خصومات وتطورات، وأنه يجب التنسيق بين جميع الهيئات العاملة في الحقل الإسلامي دون حاجة لاندماجها، وقلت له: إن الظن بأن العمل السياسي تحتكره الأحزاب هو ظن خاطئ، لأن الأصل أن كل مواطن له حرية العمل السياسي، وبالتالي فإن الإخوان يمارسون نشاطهم السياسي من خلال جميع الهيئات العاملة في الحقل الثقافي والاجتماعي والنقابي والاقتصادي التي لها دور كبير في هذا المجال، رغم أنها ليست أحزابًا سياسية، إذ إن إطاراتها وجمهورها كلهم أفراد ومواطنون يتمتعون بالحق في أن تكون لهم آراؤهم ومواقفهم السياسية التي تكون في العادة متقاربة، وبالتالي فإن هذه المنظمات لها وزن سياسي لا يمكن تجاهله، وإن لم تكن أحزابًا سياسية في عرف الدستور أو القانون أو الرأي العام، كما أن المواطنين الذين لا ينتمون للأحزاب السياسية يكونون نسبة كبيرة من الناخبين الذين يختارون ممثلي الشعب.
حوار مع «عباس مدني»
هذا الكلام قلته أيضًا للشيخ «عباس مدني» في أول لقاء لي به، وتوسعت فيه وأكدته بعد ذلك كلما التقيت به في العاصمة، لأنه في ذلك الوقت كان كثير الأسفار في نهاية كل أسبوع إلى أحد الأقاليم لتنظيم فروع الجبهة والدعوة لها، استعدادًا للانتخابات البلدية والإقليمية التي سارعت الحكومة بتحديد موعدها.
لقد قال لي: إن الحكومة ليست جادة في التعددية الحزبية، ولا تريد جبهة التحرير المسيطرة أن تواجه تداول السلطة، بل يعملون كل ما ـ يستطيعون للبقاء فيها، ويستغلون سلطة الحكومة هـ الحالية لتعطيل نشاط جبهة الإنقاذ، ومقاومتهم لها تزداد كلما زاد تعلق الجماهير بها وإقبالهم عليها. وإن الحكومة لتحقيق هذا الهدف قد حددت موعدًا قريبا لإجراء الانتخابات البلدية بقصد الإسراع فيها قبل أن تتمكن الأحزاب الجديدة من إتمام استعداداتها لدخول هذه المعركة، وخاصة جبهة الإنقاذ التي بدا لها أنها تكسب كل يوم نفوذا شعبيًا متزايدًا، فرات أن الإسراع في الانتخابات البلدية يمكن لحزب جبهة التحرير المستقر منذ ثلاثين عامًا بفروعه ومراكزه وعضويته وأمواله وصحافته، من أن يكسب الجولة بسهولة ويسر.
لهذا كان هو وزملاؤه مستغرقين في جولات متتالية في الأقاليم، وقال: إن الحكومة وأنصارها يشجعون بعض العناصر ويدفعونها لكي تثير مناوشات وتنافسًا بين أنصاره وأنصار الشيخ محفوظ وأن الشيخ محفوظ كثيرًا ما يستدرج لذلك دون داع.
وكان بيننا موعد للقاء قبل سفري، لكنه كان خارج العاصمة ولم يعد في الوقت المحدد، وكان الشيخ محفوظ خارج البلاد، فتركت رسالة أبين فيها وجهة نظري التي حاولت إقناع كل منهما بها، وتدور حول ضرورة التنسيق بين الجماعات العاملة في الحقل الإسلامي حتى لا ينشغلوا بالتنافس فيما بينهم عن الأهداف الكبرى للدعوة الإسلامية.
هذا هو نصها:
بسم الله الرحمن الرحيم
سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.. وبعد
فإني أود أن أبعث لكم بتحيتي وسلامي، لأننا لم تلتق قبل سفري حسب الموعد، ويسرني أن أؤكد ما قلته من قبل، وهو أملي في نجاح المسيرة التي تقودونها، في هذه الظروف الصعبة التي تجتازونها، وثقتي في هذا النجاح يؤكد ما رأيته من حرصكم على تجنب شوائب العمل الحزبي في هذه الأيام وتركيز جهودكم في تربية القادة، وتجميع الصفوة المؤمنة، وتوثيق عرى الأخوة ليقوم العمل الإصلاحي على صف متين، وإني أهنئكم على هذا المسلك الحكيم، وأدعو الله أن يجنبكم مزالق العمل الحزبي والمنافسات السياسية، وأرجو ألا يصرفكم عن هذا الأسلوب ما يلجأ إليه العاملون في الميدان الجماهيري من تزاحم وتسابق على الظهور في مسرح السياسة، إنني أرى من الواجب أن أذكركم بتجارب العمل الإسلامي في بلاد أخرى، وما استفدناه ومنها من دروس الخصها فيما يلي:
1- إن مجالات العمل الإسلامي واسعة ومتعددة، بل ومتنوعة، ومن أهم أسباب النجاح في أي مجال من المجالات هو تخصيص العاملين في كل مجال، وتفرغهم له وعدم إقحامهم في مجالات أخرى لان ظروف العمل في كل منها تختلف عن ظروف المجالات الأخرى ومخاطره تختلف عن مخاطرها.
2- إن أهم عوامل النجاح في المنهج التربوي للصفوة هو الاستقرار والاستمرار، ومن مصلحة القائمين به أن يبتعدوا عن عواصف السياسة ومغامراتها ومخاطرها في الوقت الحاضر.
3- إن الدور السياسي: لهذه الصفوة هو العمل لاستقرار ضمانات الحرية السياسية في الدستور والقوانين والدعوة للاعتراف بمبدأ التزام الأفراد والمجتمع والدولة بسيادة شريعة الله.
4- إن العمل السياسي لإقرار مبدأ سيادة الشريعة يعتمد أولًا على تجنيد الجماهير الواسعة وفرصة النجاح تكون مضمونة كلما تحققت الاستجابة لضغط الجماهير وإرضاء مطالبها.
5- إن الجماهير تكون أقدر على الكفاح من أجل تقرير مبدأ أن الإسلام هو الحل»، كلما اقتنعت بأنها المسؤولة عن فرض هذا الاتجاه، بل وقيادته وتحمل مخاطره ومسؤولياته.
6- إن قيادة الجماهير في العمل الحزبي تحتاج المؤهلات وأساليب تتناسب مع ما يلجأ إليه خصومها من تحركات غوغائية تستفزها وتفرض عليها المجابهة مع من يعارضونها ومواجهة تحركاتهم.
7- إن الصفوة الملتزمة ليس من مصلحتها أن تتعرض لهذه المغامرات، ويكفي أن يتصدى لمواجهتها فئة ممن يحسنون هذه الأساليب وتتوفر لديهم صفات من المرونة والمحاورة والمناورة التي قد يستسيغها من تربوا على منهج الصفوة وأساليبها، في هذه المرحلة.
8- إن أكبر خطر يهدد العمل الإسلامي هو التنافر أو التصادم بين العاملين في ميدان السياسة والعاملين في مجال التربية والأخيرون هم الذين يتحملون المسؤولية الكبرى، لأنهم أكثر انضباطًا والتزامًا من غيرهم.
9- إن جمهور العاملين في المجال الحزبي يتصف بالتهور، وقدر كبير من التسيب، فلا يجوز أن يعتبر كل ما يصدر عنهم من استفزاز للصفوة صادرًا من قيادتهم أو المسؤولين عنهم، ولا أن تتحمل هذه الصفوة مسؤولية اندفاعهم وتهورهم.
10- إنه لذلك يجب أن يكون هناك خط أحمر للتنسيق بين من تصدوا للعمل الحزبي، ومن يلتزمون بالعمل التربوي للدعوة، لأنه ضروري للتعاون على تجاوز ما يقع من بعض العاملين في الميدانين من مشاكل أو منافسات أو مصادمات لابد من علاجها قبل أن تتحول إلى خصومة بين الجماعتين أو القيادتين.
وإني لعلى يقين بأنكم قادرون على تهيئة الظروف لتحقيق هذه الغاية في المرحلة الحرجة التي تجتازونها، وهي مرحلة الانتخابات البلدية والجمهورية والإقليمية.
والله الموفق...
أخوكم: توفيق الشاوي
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل