العنوان مذكرات: صفحات من دفتر الذكريات «72» رمضان.. وحافظ إبراهيم
الكاتب الدكتور توفيق الشاوي
تاريخ النشر الثلاثاء 07-نوفمبر-1995
مشاهدات 66
نشر في العدد 1174
نشر في الصفحة 52
الثلاثاء 07-نوفمبر-1995
بدأت أشعر بأن الحكومة والصحافة والجو الإعلامي في جمهورية الجزائر يتجه نحو الشعارات المعادية للإسلام بحجة الاتجاه للاشتراكية التي يظن كثيرون أنها تعني العداء للإسلام؛ لأن الماركسية تفرض الإلحاد، ومعنى ذلك أنهم يعتقدون أن الإسلام هو الخاسر في هذه القضية.
وزاد اقتناعي بذلك أنه عندما جاء شهر رمضان لاحظت أن هناك حملة ضد الصيام في الصحف، وهي صحف الحزب وصحف الحكومة، وهي حملة منظمة من الشيوعيين واليساريين والفرنكفونيين وأمثالهم، لمهاجمة رمضان، والتنديد بالصائمين والمتدينين عمومًا، وبدأت الحملة في صورة رسائل من القراء، ثم دخلت في كتابات بعض الصحفيين والكتاب الذين بدؤوا يرددون الحجج التي كان بورقيبة يستعملها في هجومه على الصيام في تونس- كان هذا قبل الصيام- ولما بدأ شهر الصيام قلت لمحمد خيضر: أنا أقترح عليك أن تذهب إلى الإذاعة، وتلقي تهنئة للشعب الجزائري بشهر الصوم؛ فتذكرهم بأن الصوم هو فريضة، ونحن نتمسك بالصيام ونحبه، لأنه أعدنا للجهاد، وأكرمنا بالنصر، وطلب مني أن أكتب له هذه الكلمة فكتبتها، وفيها قلت: إن الذين مارسوا الجهاد في الجبال والقتال في الغابات، وأقبلوا على الشهادة في سبيل حرية شعبهم، وكان منهم الشهداء والمعوقون من أجل مقاومة الاستعمار في الجزائر، هؤلاء أحبوا رمضان؛ لأن الصوم هو الذي رباهم على التقشف، وأعدهم لهذه المعركة، وأن الصيام فرضه الله على المسلمين، ليكونوا دائمًا على استعداد للجهاد في سبيل الله، أما الذين لا يعرفون الجهاد؛ فيمكنهم أن يهاجموا رمضان، وأن يعارضوا الصوم؛ لأنهم لا يشعرون بأهميته ولا بقيمته، وهؤلاء أنصار مسيلمة الكذاب الذي يحارب الصيام، ويتبرأ من رمضان.
محاولة الإيقاع بين بن بيلا وخيضر
لقد ذهبت مع محمد خيضر إلى دار الإذاعة، وما زالت موجودة حتى الآن، وأمر عليها كل مرة أذهب إلى الجزائر، وكتبت له كلمة بخطي ليقرأها ويلقيها أمامي، وعدت معه إلى المكتب السياسي، وفي اليوم التالي جاءني بن بيلا وقال لي: ألا ترى ما فعل محمد خيضر؟ قلت له: ماذا؟ قال: كيف يذهب إلى الإذاعة يشتمني فيها؟ قلت له: كيف شتمك؟ قال: إنه يقول عليَّ أنني مسيلمة الكذاب، قلت: هو قال هذا؟ قال: نعم، قلت له: أنا الذي كتبت الخطاب، وأنا الذي ذكرت مسيلمة الكذاب، ولم أكن أقصدك مطلقًا؛ لأنني واثق أنك لم تعارض في الصيام، وأنا على يقين أنك صائم وتحب الصوم، وأنت أول الصائمين، ومحمد خيضر يعرف ذلك، وقال لي عدة مرات أنك أنت أول من يحافظ على الصلاة والصيام من زعماء الجزائر منذ بداية الثورة الجزائرية، وأنا أشهد بذلك، فكيف تقول إننا نقول عليك مسيلمة الكذاب؟! أنا قصدت حاكم تونس بورقيبة، الذي أعلن الإفطار، وتعمد الإفطار أمام الناس، وقام في حفل عام وشرب في رمضان استفزازًا([1]) للناس، ويسخر من الصائمين والمصلين، ويأمر بطرد من يصوم من صفوف حزبه- هذا هو مسيلمة الكذاب- وإن هناك أناسًا في الجزائر يريدون أن يسلكوا هذا المسلك، فهؤلاء هم أتباع مسيلمة وليس أنت.
لقد اطمأن بن بيلا للكلام الذي قلته، وإن كان لم يبدُ عليه اقتناع؛ فالسبب- في نظري- هو أن الذي أثاره هو أن ذهاب محمد خيضر للإذاعة ومخاطبته للجماهير يدل في نظره على تطلعه للزعامة، وقد أقنعه الكثيرون بأنها حق له دون منافس، وأيقنت لذلك أن حوله طائفة من المنافقين، والشيوعيين والعلمانيين المتفرنسين، الذين يستغلون طموحه الشخصي للإيقاع بينه وبين محمد خيضر، وبينه وبيني، وبين كل من يتكلم عن الإسلام، وبدأت أحس أنني شخصيًا طالما أنني معروف بأنني من دعاة الفكر الإسلامي، وما زلت أعتبر انتصار ثورة الجزائر انتصارًا للإسلام، ولذلك فإن حاشية الاشتراكية الناصرية لن تستريح لما أقدمه من اقتراحات.
الاحتفال بيوم الاستقلال
كان رمضان في بداية الصيف في تلك الأيام، وقد عرض محمد خيضر على المكتب السياسي برنامجًا للاحتفال بعيد استقلال الجزائر في الخامس من يوليو، يتضمن دعوة أكبر عدد ممن كان لهم دور في تأييد جبهة التحرير في مرحلة الجهاد، سواء كانوا من رجال السياسة أو الصحافة أو غيرها من المجالات الأخرى.
وقد طلب محمد خيضر أن يكون صديقنا في مدريد الدكتور حافظ إبراهيم أول المدعوين، ووافقته على ذلك، وطلب مني أن أقنع بن بيلا بذلك؛ لأنه يعلم أنه كان هناك فتور في علاقته معه لأسباب لا أعرفها، ولما حدثت أحمد في ذلك تردد، ولكنه وافق على إرسال الدعوة له، بل أنه عندما أبلغته بموعد وصول حافظ أصر على أن يذهب بنفسه معي لمقابلته، وكانت هذه المرة الوحيدة التي ظهرت فيها بجانب بن بيلا في خارج فيلا «جولي»، وركبت معه في سيارته، وتحدثنا طويلاً في الطريق عن أمور كثيرة، وشعرت بأنه يواجه مشاكل كثيرة، ويتمنى أن يساعده خيضر ويعاونه؛ حتى يجتاز هذه المرحلة، وعندما وصلنا للمطار قال لي: إن له رجاءً، وهو أن وقته لا يتسع للاستماع إلى أحاديث الدكتور حافظ إبراهيم- التي يعرف ما تحتاجه من وقت- وطلب مني أن أنوب عنه أنا ومحمد خيضر في «الاستماع» إلى كل ما يقوله الدكتور حافظ وألخصه له، وعندما وصل حافظ تركتهما معًا طول الطريق، ثم تسلمت مهمتي بعد وصوله للفندق، أما محمد خيضر فقد كان هو أيضًا مشغولاً بمقابلة جميع المدعوين، ولاحظ أنه أسرف في الدعوات، مما سيكلف كثيرًا في نفقات الضيافة في الفنادق والسيارات وما إلى ذلك، ولكنه رد عليَّ بأن «الحزب» أي جبهة التحرير يجب أن تستعد لمرحلة جديدة؛ لتقوم بدورها في كفاح الشعوب العربية والأفريقية المناضلة في سبيل تحررها ووحدتها.
أعتقد أن طموح خيضر لكي يقوم بدور إيجابي على المستوى العربي والأفريقي قد استغله البعض من اليساريين وعملاء النظام الناصري، لإثارة مخاوف بن بيلا من منافسة خيضر له على المسرح العربي، وأعتقد أنهم هم الذين كانوا يخشون ذلك، لأنهم كانوا مستريحين لالتزام بن بيلا بالخط الذي رسموه له، ولم يكن لديهم ثقة ماثلة في قدرتهم على إلزام خيضر بمناهجهم فيما يختص بالمجابهة مع التيار الإسلامي عامة، والإخوان خاصة.
قرب نهاية الصيف كنت أستعد للعودة لعملي في المغرب، ولكني اقترحت على خيضر وبن بيلا معًا أن أترك مكاني هناك إذا كان لهم رغبة في بقائي بجانبهم، على أن أعين أستاذًا في كلية الحقوق بالعاصمة الجزائرية، وأبدوا حماسهم لذلك، وبعد ذلك لاحظت من جانب أحمد تسويفًا في اتخاذ قرار بهذا الشأن، وعلمت أنه عين أحد الفرنسيين اليساريين مديرًا للجامعة، وكان أول عمل لهذا المدير الجديد أن طلب عزل الأمين العام للجامعة، الذي كان في ذلك الوقت الأستاذ الهاشمي التيجاني الذي أنشأ جمعية القيم، وكان معروفًا بحماسه للفكر الإسلامي، وعلمت أن التيجاني اضطر للبحث عن منصب آخر ينقل إليه، فلم يجد من الوزراء من يلجأ إليه سوى «محصاص» الذي كان وزيرًا للزراعة، وكان من أصحاب العواطف والفكر الإسلامي، فانتقل من الجامعة إلى وزارة الزراعة.
قلت لصديقي خيضر: إنني سأعود لعملي القضائي بالمغرب، لكنه رجاني أن أبقى بجانبهم، واتصل بالدكتور الخطيب صديقنا بالمغرب، ورجاه أن يتوسط لدى الملك الحسن الثاني ليوافق على إعارتي للمكتب السياسي لمدة عام، وأعطاني كتابًا بذلك أخذته معي للمغرب، وبفضل مجهود الدكتور الخطيب وافق الملك الحسن الثاني على هذه الإعارة، ولاحظت حرص بن بيلا على عودتي، وتبين فيما بعد أنه كان يرسم لكي أذهب مع خيضر في رحلة إلى «المشرق» لحاجة في نفس يعقوب، ويعقوب هنا ليس هو بن بيلا فقط كما يتبادر إلى ذهن القارئ، لكنه في نظري كانت الجهات التي تريد الانفراد بـ «بن بيلا» وإبعاده عن محمد خيضر؛ لأنه في نظرهم أطوع لهم عندنا يكون منفردًا أو معزولاً عن أصدقائه، وفي مقدمتهم أعني بذلك عبد الناصر وأعوانه من الاشتراكيين..