العنوان صفحات من دفتر الذكريات (60) تونس.. ومولد الزعيم «المانستيرلي»
الكاتب الدكتور توفيق الشاوي
تاريخ النشر الثلاثاء 15-أغسطس-1995
مشاهدات 58
نشر في العدد 1162
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 15-أغسطس-1995
إلغاء الجامعات الإسلامية ومحاربة ذوي الفكر الإسلامي من أول أهداف المخطط الماسوني في البلاد العربية والإسلامية.
في ربيع 1960 م -أول عام قضيته في الرباط بالمغرب- أثناء لقاء لي مع السيد: الحبيب الشطي الذي كان سفيرًا لتونس بالرباط في ذلك الوقت، حدثته عن ذكريات رحلتي الأولى إلى تونس في عام 1948م، فاقترح عليَّ أن أزور تونس بعد استقلالها لأرى ما حدث فيها من «تطور» على يد رئيسه: الحبيب بورقيبة، ووجه لي الدعوة لحضور «مولد الرئيس» الذي يحتفل به في شهر أغسطس من كل عام، وتبادلنا الأحاديث حول ولع سكان أفريقيا الشمالية بالمولد، وأشار إلى أن كل مدينة أو ناحية لها مقام لأحد الأولياء، ويسرفون في احتفالهم بهذه الموالد.
قلت له: إنني ألاحظ أن كثيرًا من أصحاب الأهواء والمصالح يستغلون الاحتفالات الشعبية بالموالد لترويج تجارتهم أو أفكارهم، وخاصة الشطحات التي يغرم بها الحرفيون، والبضائع الفاسدة التي يعرضها التجار والاستغلاليون، وأشرت إلى الضجة التي تروج في صحف المغرب بشأن كارثة الزيت المغشوش، الذي دفع به بعض التجار الجشعين إلى السوق في مناسبة «المولد النبوي» الذي حضرته فور وصولي إلى المغرب هذا العام، وأن مئات من الأشخاص قد ماتوا بسببه أو أصيبوا بأمراض خطيرة، وإنني شخصيًا قاسيت من هذه الحلوى المسمومة التي قدمت لنا في المولد في «مولاي إدريس»، وأن قضايا المتهمين بترويج هذه «الزيوت» ما زالت تعرض على الدائرة الجنائية بالمجلس الأعلى التي أنا عضو بها.
احتفال مولد بورقيبة
قال: إن احتفال «مولد الرئيس» في تونس هو احتفال رسمي لا شعبي، ولذلك فسوف لا أتعرض للحلوى المغشوشة، وسيكون الرئيس بورقيبة سعيدًا للقائك بعد أن أصبح «رئيسًا للجمهورية»، وعرفت منه أن صديقي السيد: حمادي بدرة هو الآن سفير تونس في «روما» وسيكون سعيدًا بلقائي ويسهل لي كل إجراءات السفر.
لقد كنت مترددًا في الذهاب لتونس، لأنني أعرف ما أعلنه بورقيبة من اتجاهات أثارت الإسلاميين في تونس وغيرها، وخاصة إلغاء جامعة الزيتونة، وإصدار ما سماه مدونة الأحوال الشخصية «بورقيبة»، وما يقال عن إعلان إنكاره لفريضة الصيام، ودعوته أعضاء حزبه للإفطار، كما دعا الجميع لذلك.
لذلك أثرت قضاء عطلة الصيف في أوروبا، ولكني عندما كنت هناك اتصلت بالسيد حمادي بدرة في روما فألح علي في زيارته وشجعني على السفر إلى تونس، كما شجعني على ذلك بعض أصدقائي في أوروبا من الطلاب والشباب، لأن وجودي في تونس سيكون فرصة للاتصال بعدد كبير من شباب التيار الإسلامي وشيوخه الذين يعرفونهم وزودوني بأسماء وعناوين كثيرة تسهل لي ذلك، كما أن وجودي سيشجع كثيرين على تبني الآراء الاستقلالية الوطنية المعارضة للاتجاه الحكومي -وعندما وصلت تونس استقبلني مندوب من وزارة الخارجية، ثم التقيت بالسيد علال العويتي - مدير مكتب الرئيس بورقيبة -الذي عرفته في مصر، والذي أعد لي برنامج الإقامة في تونس، وحدد لي موعدًا لمقابلة بورقيبة الذي دعاني للغداء، معه في قصر «قرطاج».
وبعد الغداء مع الرئيس طاف بي في أبهاء القصر، وخاصة ذلك البهو الذي علقت فيه لوحات زيتية تمثل «بايات تونس»، وذكر لي أنه استقدم مهندسًا عالميًا لإنشاء هذا القصر، لأن «البايات» كانوا «مفلسين»، ولم يتركوا في تونس قصورًا مثل القصور التي أنشأها حكام مصر والتي أعجب بها «وذكر لي قصر القبة وعابدين والزعفران في القاهرة، وقصر رأس التين والمنتزه في الإسكندرية»، أما هنا فانظر إلى هذا المبنى المجاور الذي كان قصر الباي المخلوع فإنه «لا يصلح لشيء»، ولذلك «اضطررت» إلى إنشاء هذا القصر، وقد تكلف مبلغًا كبيرًا لكنه يستحق.. كما ترى!!.
أكد بورقيبة شخصيًا عليَّ لحضور الاحتفال بعيد ميلاده الذي سيكون في ذلك العام من حسن حظي بمدينة القيروان التاريخية، وقبل أن أغادر العاصمة زرت ساحة الغنم، ومعهد المعلمين الذي نزلت به في زيارتي السابقة في عهد الحماية، كما زرت معقل الزعيم وهو منزل بورقيبة، الذي التقيت فيه مع المنجي سليم في تلك الزيارة، ثم ذهبت إلى مدينة الحمامات، وقضيت هناك فترة في فندق «الفراتي» حتى جاء موعد الذهاب إلى القيروان.
بورقيبة يدعو إلى عدم صيام رمضان
وهناك أخذوني إلى مسجد القيروان الشهير، وفوجئت بأنني جالس إلى جانب السيد: محمد صادق المجددي -سفير الأفغان في مصر- الذي كان لنا به علاقة وثيقة، ورأينا الرئيس بورقيبة يصعد المنبر ويلقي خطبته المشهورة التي أعلن فيها من منبر «عقبة بن نافع» أنه باعتباره ولي الأمر قد اجتهد وقرر أن تونس في مرحلة جهاد لبناء اقتصاد وطني، وصوم رمضان يضعف قدرة الناس على العمل من أجل البناء «الاقتصادي» ولذلك فإنه رأى عدم وجوب الصوم، رغم ما يقوله بعض العلماء «التقليديين» الذين لا يهتمون بمراعاة مقتضيات وظروف العهد الجديد.
وفي اليوم التالي دعينا لزيارة بورقيبة في مقره الرسمي، وجلست على يمينه بجوار المرحوم الشيخ المجددي، وكان أول ما قاله بورقيبة إنه سألني عن رأيي في خطابه بالأمس؟.. فقلت له: إن هذا موضوع يحتاج إلى حديث على شاطئ «النيل» إن كان عندكم نيل في «تونس»، قال: نعم عندنا وادٍ، وسوف أذهب إليه غدًا للاستجمام هناك، فيمكنك أن تحضر لي يوم الأحد القادم، وقال لي الشيخ المجددي معاتبًا بعد ذلك: إنه كان يريد منك أن تثني على خطابه، وتؤيد صراحة أو ضمنًا ما دعا إليه بشأن الصوم، فقلت له: أنت أولى بذلك، لأنك من كبار العلماء، قال: أعوذ بالله، إنه بلا شك يعرف رأيي مقدمًا، ولذلك سألك أنت ولم يسألني، ويكفيه حضوري، ولو كنت أعرف ما سيقوله لما حضرت إلى تونس مطلقًا.
وفي القيروان دعينا لمرافقة الرئيس وحاشيته في موكبه لافتتاح أحد المشروعات، وتصادف أن كان بجانبي في الموكب أحد أعوانه من الوزراء المقربين، وهو السيد أحمد بن صالح، الذي كان لي به وبأخيه محمد بن صالح علاقة وثيقة أثناء دراستنا في باريس، وقام بدور هام في زيارتي «للمنصف باي» في مدينة «بو» بفرنسا، كما أنه رتب لي لقائي بزعيم الاتحاد التونسي للشغل الشهيد فرحات حشاد، وكان أحمد بن صالح متحمسًا للاشتراكية العمالية، وكانت له صلة وثيقة بالزعيم بورقيبة، لكنه انقلب عليه فيما بعد وحكم عليه بالإعدام فهرب من تونس ولم يعد لها إلا بعد الانقلاب عليه، وأثناء سيرنا أسر إليَّ بأنه لم يكن يصوم رمضان من قبل، ولكنه بدأ الصوم منذ أعلن بورقيبة معارضته لذلك، وأن كثيرًا من التونسيين لم يكونوا حريصين على الصيام ولكنهم أصبحوا يتمسكون به لتأكيد معارضتهم لهذا «الاجتهاد» البورقيبي، وأن الحزب يدرس اتخاذ إجراءات مشددة لفرض الإفطار على أعضائه وغيرهم من العاملين بالدولة، وهذا يزيد سخط الجماهير على الحزب وحكومته.
مطار في قرية بورقيبة
أصر مرافقنا المعين من قبل وزارة الخارجية على أن نزور «المانستير» لأنها بلد الرئيس بورقيبة التي ولد ونشأ فيها، ويعطيها اهتمامًا خاصًا حتى أنه أنشأ لها مطارًا دوليًا لتشجيع السياح على زيارتها، كما بنى فيها مسجدًا كبيرًا ومقبرة ليدفن فيها بعد عمر طويل، وقد زرنا أيضًا القصر الذي بناه لنفسه على الشاطئ، وهو قصر فخم يليق بالزعيم «المانستيرلي» وبهذه المناسبة سألتني زوجتي عن معلوماتي عن «المانستيرلي» صاحب القصر الأثري الذي زرناه على شاطئ النيل في جزيرة الروضة عند مقياس النيل بمصر، ولكني بكل أسف لم أستطع أن أقدم لها أية معلومة عن ذلك المانستيرلي القديم، ويكفيني هذا المانستيرلي الجديد!!. كما انتهزت الفرصة وزرت جميع مدن الساحل التي زرتها في المرة السابقة عام 1947م.
زرت بورقيبة في استراحته لتوديعه وذكرت له أنه سألني عن رأيي في خطابه بشأن الصوم، وقلت له: أنت تعرف السنهوري أستاذ الجيل، وله رسالة بالفرنسية قدمها لجامعة ليون عام 1926 م، بعنوان «الخلافة» وبدأت ترجمتها، ورأيه في هذا الموضوع هو أن الإسلام لا يجيز لأي مجتهد سواء كان عالمًا أو كان يتولى أمور المسلمين بأية صفة كانت أن يفرض آراءه على الناس، لأن في ذلك حجرًا على حرية الاجتهاد التي يضمنها الإسلام لكل من يقدر عليه، كما أنه يصادر حق الأفراد في الاختيار بين المذاهب المتعددة والآراء المختلفة، وإذا سمحنا لولي الأمر أن يفرض اجتهاده على الناس -فمعنى ذلك حرمان غيره من ذوي الفكر والرأي أن يعلنوا ما يخالف رأيه، وحرمان جمهور الناس من حقهم الشرعي من الاستماع للآراء أو المذاهب المخالفة لرأيه والاقتناع بها والانحياز لها، وقلت له: إنني مستعد لكي أرسل له نسخة من هذه الرسالة وهي فرنسية، وليست من تأليف أحد من المشايخ «التقليديين»، وهنا توقف بورقيبة لحظة ثم قال: إنه يعتبر أن من حقه أن يفرض رأيه على أعضاء الحزب، لأنه هو رئيس الحزب والمسئول عن نظامه وسياسته، إن بورقيبة حاول الاستفادة من زيارتي أنا والسيد صادق المجددي، في الدعوة لآرائه، إلا أن ذلك لم يقنع أحدًا، وخاصة العلماء والشباب والطلاب من أعضاء التيار الإسلامي الناشئ الذين اتصلوا بنا وتحدثوا إلينا، وعرفوا آراءنا، واطمأنوا إليها، وعبروا لنا عن انتقاداتهم لبورقيبة وحزبه وأفكاره، وسياسته المعادية للإسلام.
كان أول من اتصلت به في هذه الزيارة هو الشيخ الفاضل بن عاشور، وغيره من العلماء الذين التقيت بهم في زيارتي السابقة في عهد الحماية، وكانوا في هذه المرة أكثر تشاؤمًا، وشكا كثير منهم من الاتجاهات العلمانية واللا دينية لبورقيبة وجماعته، والتي بدأها بإلغاء جامعة الزيتونة، وإصدار مجلة «الأحوال الشخصية» التي لا يقرون ما فيها من أحكام تتعلق بتحريم تعدد الزوجات والطلاق.
إلغاء المعاهد والجامعات الإسلامية
وبهذه المناسبة فقد لاحظت فيما بعد أن فكرة إلغاء الجامعات الإسلامية كانت دائمًا أول أهداف الخطط الماسونية والصهيونية، وإن كانوا يستغلون في تنفيذها بعض الانتهازيين الذين يستولون على السلطة دون أن يكون لهم ثقافة إسلامية، وخاصة من درسوا في المدارس الأجنبية، أو الحكومية العصرية، أو المعاهد العسكرية، فهذا الصنف ليس له أية صلة بمنابع الثقافة الإسلامية، ويسهل إغراؤهم بالهجوم على الجامعات والمعاهد الإسلامية، وأول من فعل ذلك هم الكماليون في تركيا، أما في العالم العربي فقد كان بورقيبة أول من أقدم على ذلك، فألغى جامعة الزيتونة، وفي المغرب استطاع بعض المستشارين للملك محمد الخامس أن ينفذوا ذلك بحجة إدماج جامعة القرويين في جامعة تحمل اسم محمد الخامس مقرها الرباط، وإن كانت أعيدت بعد ذلك كجامعة مستقلة.
تطوير الأزهر.. ثالثة الأثافي
وثالثة الأثافي هي «تطوير الأزهر» الذي نفذه عبد الناصر، وأخيرًا تبعه في ذلك القذافي بإلغاء جامعة البيضاء الإسلامية التي أنشأها الملك السنوسي، ثم النميري الذي استغله حلفاؤه الشيوعيون فكان أول ما قرره بعد نجاح انقلابه العسكري هو إلغاء جامعة أم درمان الإسلامية، بل وإلغاء المعاهد الدينية التابعة لها، ورغم إعادة تلك الجامعة فيما بعد في عهد النميري نفسه، إلا أن المعاهد الدينية لم تعد للآن في السودان، رغم تعدد الحكومات التي جاءت بعد عزل النميري.
إلى جانب العلماء الذين التقيت بهم في تونس في هذه الزيارة زارني عدد من شباب «الدعوة» الذين يمثلون الجيل الناشئ في التيار الإسلامي، وكانوا يشكون من تخاذل العلماء التقليديين بقدر ما يشكون من تآمر بورقيبة وحزبه على الثقافة والفكر الإسلامي.
وفي الصيف التالي عام 1961م، سمعت نبأ اغتيال صالح بن يوسف على يد أحد عملاء بورقيبة،[1] ولذلك انصرفت عن التفكير في شئون تونس، وزدت اقتناعًا بأن مصير استقلال تونس وعروبتها وإسلامها سوف يتقرر في الجزائر، ولذلك وجهت كل جهدي للسير في طريق الجزائر.
=============
هامش
[1] كان اغتياله في أحد الفنادق بمدينة «فرانكفورت» الألمانية على يد أحد «أقاربه» وذلك في 12\8\1961م، وقد أعلن ذلك بورقيبة بنفسه، وقدم له مكافأة على وطنيته...!!