; صفحات من دفتر الذكريات (55) أصدقائي.. في المغرب الأقصى | مجلة المجتمع

العنوان صفحات من دفتر الذكريات (55) أصدقائي.. في المغرب الأقصى

الكاتب الدكتور توفيق الشاوي

تاريخ النشر الثلاثاء 11-يوليو-1995

مشاهدات 69

نشر في العدد 1157

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 11-يوليو-1995

 علاقتي الشخصية بشباب الحركة الوطنية المغربية هي سبب انتقالي من مصر إلى المغرب عام 1956م.

الذين دبروا الفتنة واضطهاد «الإخوان» في مصر استطاعوا بذر فتنة الشقاق في الحركة الوطنية المغربية.

لقد قاسي الوطنيون المغاربة من أجل الحصول على الاستقلال، وكان الحزب الوطني المغربي، وما زال حتى الآن - يحمل اسم «الاستقلال»، ونجحوا في عام 1956م في تحقيق أملهم في عودة الملك محمد الخامس إلى عرشه وإعلان الاستقلال، وتم ذلك أثناء وجودي في السجن الحربي في مصر، وعندما خرجت من المعتقل كان أول من لقيته من المغاربة هو صديقي الدكتور عبد الكريم الخطيب الذي كان في طريق عودته من الحج، وأذكر أنني عندما كنت أودعه عائدًا لبلاده قلت له: أرجوك ألا تنسى قضية الجزائر، فقال لي مبتسمًا: «يا توفيق.. إن عندنا مثلًا شعبيًّا يقول: لا توصي اليتامَى على النواح!!»، يشير بذلك إلى أنه جزائري، وأبوه هاجر من الجزائر واستقر بالمغرب، لكن بقية أقاربه وأسرته ما زالوا جزائريين، ومنهم الدكتور يوسف الخطيب الذي كان قائد الولاية الرابعة التي تسيطر على العاصمة الجزائرية وكان الدكتور عبد الكريم الخطيب قد شارك في المقاومة المغربية حتى أصبح رئيس المجلس الأعلى للمقاومة، لكني فهمت أنه تخلى عن هذا الموقع، لأن حزب الاستقلال قرر أن يتم سيطرته عليه.

كان هذا أول مظهر من مظاهر الشقاق في الحركة الوطنية المغربية علمت به، ظهر لي فيما بعد أن سبب ذلك أن عملاء المخابرات الناصرية كانوا بصدد التحريض على انشقاق آخر أكبر داخل حزب الاستقلال نفسه، والذي قاده هو المهدي بن بركة وجماعته، ولا أعرف ما هي الجهة التي استدرجت المهدي وجماعته إلى التعاون مع المخابرات والحكومة المصرية، بل أكثر من ذلك فإن الملك محمد الخامس شجع هذا الانشقاق لدرجة أنه عين صديقي عبد الله إبراهيم أحد زعماء هؤلاء المنشقين رئيسا للحكومة بدلًا من الحاج أحمد بلافريج، أما بن بركة فاكتفى بأن يكون رئيسًا للجمعية الوطنية أي البرلمان المغربي في ذلك الوقت وقد استنتجت من ذلك أنه لا بد أن تكون هناك اتصالات على مستوى عالٍ جمعت بين هذه الأطراف الثلاثة، ولا أبرئ بعض العناصر الفرنسية التي يهمها زعزعة الحكم الوطني وتمزيق حزب الاستقلال.

فوجئت في أحد الأيام أثناء الصيف بزيارة من اثنين من قادة هذا الانشقاق هما عبد الرحمن اليوسفي، والفقيه البصري وعرفت أنهما جاءا لتوثيق علاقتهما بالعسكريين الذين يتحكمون في مصر ويعدان لزيارة رئيس الوزراء المغربي الجديد عبد الله إبراهيم، وأذكر أنني عندما فهمت ذلك اعترضت عليه، وكشفت لهما عن «ساقي» لأريهما آثار التعذيب الذي لقيته على يد أصدقائهما من حكام مصر، وكان ردهما على ذلك هي العبارة المأثورة في المغرب.. «في سبيل الله»!!.

بعد ذلك جاء صديقهما السيد عبد الله إبراهيم -رئيس وزراء المغرب- في زيارة رسمية لمصر، والتقيت به في جلسة خاصة بالسفارة المغربية، واستعدنا ذكريات باريس لأنه كان أول من تعرفت به من المغاربة في باريس عام 1946م، وكان بيننا أحاديث طويلة ولم أشأ أن أناقش معه ما قاموا به في المغرب، لأن الجو في مصر لم يكن يشجع على ذلك، وآثرت أن أؤجل ذلك الحوار بعد ذهابي للمغرب، لأنه اقترح عليَّ أن أتعاقد مع وزارة العدل المغربية، وعلل ذلك بأن حكومته بصدد إعداد مجموعات قوانين مغربية جديدة ويحتاجون لمساعدتهم في ذلك، وقال: إنه يتعهد بالحصول لي على الترخيص بالخروج، لأن له بالرئيس عبد الناصر علاقة من ذلك، وقبل سفره أبلغني أن عبد الناصر قد وافق شخصيًّا على السماح لي بالسفر للمغرب، وأنه أعطى تعليمات أمامه بذلك، ومن ناحيته فإنه سيقوم بالإجراءات عن طريق وزارة العدل المغربية والسفير المغربي بالقاهرة، وهذا هو ما حدث فعلًا، وسافرت للمغرب للعمل هناك.

هكذا كانت علاقتي الشخصية بشباب الحركات الوطنية المغربية وطلابها في باريس هي السبب في انتقالي من مصر إلى المغرب في عام 1956م، والغريب أن ذلك كان على يد من قادوا عملية الانشقاق في حزب الاستقلال، وأنشئوا ما يسمى بالاتحاد الاشتراكي المغربي بتأييد من عبد الناصر والتعاون معه، ومع اتحاده الاشتراكي المصري الذي أنشأه لمحاربة الإخوان، وجعل هدفه القضاء على الحركة الإسلامية، وأدت حملته على الإخوان إلى فصلي من الجامعة واعتقالي من عام 1954م، إلى عام 1956م. 

لقد آلمني أن أول ما أواجهه بعد خروجي من المعتقل هو أن أكتشف أن من دبروا الفتنة لاضطهاد «الإخوان المسلمون» واعتقالهم ومطاردتهم قد استطاعوا أن يدفعوا العناصر الوطنية في المغرب إلى الشقاق الذي بدأ كما رأينا بالفتنة بين عبد الكريم الخطيب وحزب الاستقلال أولًا، ثم بين زعيم حزب الاستقلال علال الفاسي وحكومته التي كان يرأسها الحاج أحمد بلافريج، ثم استطاعت إحداث انشقاق داخل حزب الاستقلال نفسه، وانفصال بن بركة وجماعته عن الحزب وإنشائهم الاتحاد الاشتراكي المغربي؛ ليكون متحالفًا مع الاتحاد الاشتراكي المصري، وربما يطمعون في أن يكون امتدادا له، وظنوا أنهم يستغلون بعض العناصر في حاشية الملك ويتعاونون معها للقضاء على حزب الاستقلال وإحلال الاتحاد الاشتراكي محله، لكن هذه العناصر كانت أذكى منهم، فقد نجحت في إقصاء جناحي حزب الاستقلال معا، وإبعاد الاتحاد الاشتراكي وزعمائه جميعًا - بعد نجاحهم في إبعاد الاستقلال وزعيمه علال الفاسي: 

إن حزب الاستقلال المغربي هو الذي قام بالدور الأكبر في تحقيق استقلال المغرب الأقصى وعودة الملك محمد الخامس إلى عرشه، لكن الملك لم يعد وحده، وإنما عادت معه حاشيته، وأكثرهم من ذوي الثقافة الفرنسية الذين يعتبرون حزب الاستقلال واستقرار الحكم الوطني خطرًا على نفوذهم. وعملوا للإيقاع بين الملك والحزب، ونجحوا في إقصاء علال الفاسي -زعيم الحزب- الذي كان من ذوي الثقافة العربية من علماء القرويين وقضى في المنفى تسع سنوات واستغلوا لذلك أولًا بعض ممثلي البرجوازية في فاس، ثم بعد ذلك دفعوا بن بركة وجماعته للانفصال عن الحزب بحجة الاشتراكية.

رغم أن علال الفاسي لم يكن ممن يوصفون بالبرجوازية، إلا أنه بعد عودته اعتبره كثيرون من شباب الحزب مسئولًا عن أخطاء القادة البرجوازيين، وبدأ بن بركة ومن معه من أعضاء الحزب حركة تمرد على زعامة علال الفاسي وحزبه، بحجة رغبتهم في التحرر من سيطرة هذه البرجوازية التقليدية، وكانت بعض العناصر الداخلية بل وبعض الدوائر الأجنبية تشجعهم على ذلك، وفي مقدمتهم المخابرات الناصرية التي رفعت شعار الاشتراكية كوسيلة لاستبعاد جميع الحركات الإسلامية والأحزاب الوطنية في مصر أولًا، ثم مقاومة «الإخوان المسلمون»، ووصايتهم على حركة الجيش رغم أنهم كانوا القوة الشعبية الوحيدة التي تحالفت مع هؤلاء الضباط، لكنهم اعتبروها منافسة لهم على السلطة بعد نجاح الحركة وأنها بسبب تشددها في مواصلة المقاومة ضد الإنجليز تحُول دون وصولهم للاتفاق مع بريطانيا وأمريكا التي تبنت الانقلاب والنظام العسكري وأيدته وساعدته لتحقيق أهدافها ومصالحها في المنطقة العربية بشرط أن يتولى الحكم مقاومة الاتجاه الإسلامي.

كان وزير العدل المغربي في أول وزارة وطنية هو السيد عبد الكريم بن جلون الذي تعرفت عليه في باريس عندما جاء رئيسًا لوفد حزب الاستقلال في عام 1946م، وبناء على طلب الدكتور محمود أبو السعود كان هو الذي أرسل لي خطابًا رسميًّا عن طريق السفير المغربي السيد عبد الخالق الطريس يلح عليَّ في المجيء للمغرب لمعاونته في عملية التقنين التي بدأها بإعداد مجلة «الأحوال الشخصية» التي كانت أول قانون يصدره الملك بعد الاستقلال، ويعتز به جميع رجال الفقه والقانون بأنه نموذج متميز لتقنين قواعد الأحوال الشخصية على مذهب الإمام مالك.

وصلت المغرب في صيف عام 1959م قادمًا من مدريد، وكان في نيتي أن أكون أستاذًا بكلية الحقوق بالرباط، وكان الدكتور محمود أبو السعود يدرس فيها، وكان معه صديقنا المرحوم الأستاذ حسن عشماوي وكان صديقي عبد الكريم بن جلون الذي طلبني عندما كان وزيرًا للعدل قد أصبح وزيرًا للتعليم، ومسئولًا عن جامعة محمد الخامس بالرباط، ومع ذلك أصر على أن أعين بوزارة العدل مستشارًا بالمحكمة العليا «التي تسمَّى هناك المجلس الأعلى» والتي تعادل محكمة النقض في النظام المصري وأقنع الملك محمد الخامس فأصدر مرسومًا «ظهيرًا» ملكيًا بذلك، وفي نفس الوقت انتدبت لإلقاء دروس في كلية الحقوق بالجامعة.

ومع ذلك فإن إقامتي بالمغرب لم تكن في نظري إلا محطة، في طريقي إلى الجزائر.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 96

129

الثلاثاء 18-أبريل-1972

مذكرات زوجة