العنوان مذكرات: صفحات من دفتر الذكريات «46»: الموضة العسكـرية الثورية
الكاتب الدكتور توفيق الشاوي
تاريخ النشر الثلاثاء 02-مايو-1995
مشاهدات 107
نشر في العدد 1148
نشر في الصفحة 45
الثلاثاء 02-مايو-1995
·
العناصر
المشبوهة التي وصلت لمراكز القيادة في الجيش هي التي قامت بالانقلاب العسكري 1991م
لمنع الشعب الجزائري من اختيار حكام لا ترضى عنهم فرنسا.
·
لم يكن
عبدالرحمن عزام وحده هو الموضة القديمة التي أزاحها الناصريون ليمكنوا للمد
الأمريكي الصهيوني في المنطقة العربية فقد أزاحوا الإسلاميين وكل العناصر الوطنية
الأصيلة.
·
المخابرات
المصرية تفتح صدرها لعباس فرحات زعيم حزب اندماج الجزائر مع فرنسا وتوصله ليكون
رئيس الحكومة المؤقتة التي زرعت في حركة الجهاد عملاء خدموا في الجيش الفرنسي لقهر
الشعب الجزائري.
المرحوم عبدالرحمن عزام باشا الأمين العام الأول
لجامعة الدول العربية وصاحب فكرة إنشائها وواضع أسس الأمانة العامة ونظمها وسيرها
منذ إنشائها عام 1945م، قررت الحكومة العسكرية الناصرية إخراجه من الجامعة دون سبب
معروف، وفي إحدى زياراتي له بمنزله بعد ذلك كان في مجلسه صحفي أجنبي ممن لهم حظوة
لدى العسكريين، وكان يحكي عن لقائه بعبدالناصر وأنه سأله عن سبب إخراج عبدالرحمن
عزام من الأمانة العامة وما الهدف من ذلك. فكان جوابه الوحيد تلك العبارة
الإنجليزية التي تعني أنه «موضة قديمة»!! He is out of date وضحك عبدالرحمن عزام من أعماق قلبه، وقال: أرجو ألا يعتبروا
الجامعة العربية ذاتها هي «موضة قديمة».
وكانت هذه لمحة عبقرية من عبدالرحمن عزام لأن
التطورات التي نشاهدها تدل على أن القضاء على الجامعة ذاتها هدف إستراتيجي للقوى
الصهيونية، وأن استبعاد عبدالرحمن عزام لم يكن إلا الخطوة الأولى نحو هذا الهدف
الصهيوني.
من حسن حظ المرحوم عزام باشا أنه انتقل إلى جوار
ربه قبل أن يرى ما نراه في هذه الأيام من صيحات تتردد على مسرح السياسة وفي بعض
وسائل الإعلام التي بدأت تعلن فعلًا أن الجامعة العربية «موضة قديمة»، وأن الشرق
الأوسط الذي تهيمن عليه إسرائيل وأمريكا وحلفاؤها هو «الموضة القادمة» في المخطط
الأجنبي البعيد المدى للهيمنة على العالم العربي والإسلامي، وإذا كان الناصريون
وخبراؤهم يحتجون بأنهم لم يريدوا ذلك ولم يتوقعوه، فهذا لا ينفي أنهم مهدوا له
الطريق وهيئوا له الأسباب.
دكتاتورية العسكر جاءت لتفرغ المنطقة للمد الصهيوني
إن الحكم الناصري اعتبر دكتاتوريته العسكرية هي
الموضة الجديدة في وقته وبنى على ذلك أن كل من يقف في وجه احتكاره للسلطة وبقائه
يجب استبعاده لأنه «رجعي» وموضة قديمة فات زمانها.
إنه لم يكن هو الذي صنع الموضة، بل إنه في الحقيقة
كان هو من صنيع الموضة، وأن الذي يصنعها غيرهم، ومن يصنعون الموضة ما زالوا يغيرون
فيها ويبدلون، وهي في نظري قوى أجنبية وفي مقدمتها الصهيونية التي لها أهداف إستراتيجية
ثابتة وعريقة تتجاوز كثيرًا طموحات الناصريين الشخصية أو الحزبية سواء في مصر أو
في العالم العربي والإسلامي.
إن الموضة التي جاءت بالحكم العسكري وفرضته على مصر
هي التي جاءت بغيره بعد ذلك وفرضته عليه ورمت به هو ونظامه في مزبلة التاريخ بعد
أن أدى دوره الذي حددته له، وهو بداية السياسة والتي تؤدي إلى اقتلاع جماعات
الجهاد الإسلامي ورموز الحركات الوطنية الأصلية والزعامات التقليدية التي تقف عقبة
في طريق «الموضة» الصهيونية والفرنسية والأمريكية سواء في مصر أو في بعض البلاد
العربية، والتي استطاعت أن تجد نماذج من النظم أكثر ملاءمةً لأهدافها. بل أكثر من
ذلك فإن هذه القوى الأجنبية كانت قد بدأت الموضة العسكرية والثورية قبل ذلك في
تركيا العثمانية؛ حيث دفعت أتاتورك وجماعته إلى إلغاء الخلافة لأنها «موضة قديمة»،
وبذلك مكن الاستعمار الأوروبي من احتلال جميع الأقطار العربية التي كانت تابعة
لتلك الخلافة، بل شجعوا قبله الثورة العربية الكبرى التي صنعها «لورنس» وعملاؤه في
الشرق العربي لإخراج الأتراك من العراق وسوريا ومن فلسطين والقدس، وسلموها
لحلفائهم الإنجليز الذين تعهدوا بتسليمها لليهود طبقًا لوعد «بلفور» الذي لم
يكونوا يعرفونه، ولتحظى فرنسا بسوريا ولبنان مكافأة لها على دعمها للصهيونية.
لا غرابة بعد ذلك أن جاء الناصريون فحولوا «حركة
الجيش المصري» إلى «ثورة يوليو»، لكي تتمم ما بدأه أتاتورك والثورة العربية
اللورنسية في المشرق بأن تفتح الباب للموضة الصهيونية بعد إنشاء إسرائيل، طريق
التسلل إلى مصر والمغرب العربي بعد أن تؤدي مهمتها في تفريغ المنطقة من المقاومة
الإسلامية والحركات الوطنية الأصيلة.
الناصريون نموذج لكل الطغاة
يتباهى السيد فتحي الديب بأن ثورته الناصرية قد
اكتسبت شهرة في أسلوبها الثوري لتحطيم الحركات الوطنية والأحزاب الأصيلة في مصر
حتى إنه ذكر في «ص 221» أن الأمير الحسن ولي عهد المغرب في لقائه الأول به في
مدريد كان أول ما استفسر عنه على حد تعبيره «أسلوب قيادة الثورة الناصرية والكيفية
التي تم بها التخلص من الأحزاب»، ويدعي في «ص 222» أنه فهم من ذلك أن ولي العهد
المغربي أكد كراهيته وحنقه على كل القيادات الحزبية والأحزاب وعزمه على الالتجاء
للعنف في تصفيتهم في أقرب فرصة ممكنة. وإذا صح ذلك الادعاء فإنه يتباهى بأن الأمير
إنما كان يريد في نظره الاهتداء بالنظام الناصري وتقليده.
لم يكن عزام باشا وحده هو الموضة القديمة التي
أزاحها الناصريون من طريق المد الصهيوني الأمريكي الأوروبي الذي يصنع الموضات
المتوالية، بل كان مصطفى النحاس ووزيره الجريء محمد صلاح الدين وحزب الوفد كله
بزعاماته وأركانه، ثم اللواء محمد نجيب قائد حركة الجيش المباركة وأول رئيس
للجمهورية، وعبدالرزاق السنهوري المقنن الذي رسم للحركة طريق إعادة الشرعية للبلاد،
فتنكر له الناصريون وضربوه وكادوا يقتلونه في مكتبه بمجلس الدولة، ثم أتبعوا به
قادة الإخوان وزعماءهم الذين حكموا عليهم بالإعدام بعد أن عاونوهم في حركة الجيش
المباركة، بل اعتقلوا جميع الإسلاميين الذين امتلأت بهم السجون والمعتقلات...إلخ.
ثم إن الناصريين بعد أن ظنوا أن الأمر قد استقر لهم
في مصر بدأوا في تنفيذ خطة مماثلة في الجزائر وشمال إفريقية على النحو الذي
رأيناه، فعملوا على استبعاد كل من له علاقة بالإخوان وجمعية العلماء الجزائريين
أولًا، ثم استبعاد زعيم حزب الشعب مصالي حاج وأعوانه الذين اعتقلوا في السجن
بالقاهرة ليزرعوا في صفوف الحركة الوطنية الأصيلة فتنًا مازالت آثارها تفتك
بالمجتمع الجزائري حتى اليوم.
بل إنهم بدأوا في اقتلاع المعالم التي تميز هوية
الأمة ووحدتها ومن بينها «الجامعة العربية» التي أراد بها عبدالرحمن عزام أن تكون
بديلًا عن الخلافة الإسلامية في المحافظة على الوحدة العربية، فأزاحوا منها عبدالرحمن
عزام ووضعوا فيها شيطانًا من شياطين الموضة وهو ضابط صغير لا يعرف شيئًا عن
الجامعة ودورها التاريخي في توحيد شعوبنا، فحولها إلى أداة للكيد للإسلاميين
والوطنيين.
مسؤولية الناصريين عن تسلل أعوان فرنسا لجبهة
التحرير
في كتاب السيد فتحي الديب وقائع كثيرة تدل على وجود
تنسيق بين المخابرات المصرية والفرنسية من أجل القضاء على نفوذ الإخوان المسلمين
في الجزائر والمغرب وإفريقيا بصفة عامة، وكذلك اقتلاع الأحزاب والحركات الوطنية
الأصيلة وخاصة حزب الشعب الجزائري الذي بدأ الكفاح الوطني لمقاومة النفوذ الأجنبي
على أساس اعتزاز الشعوب بهويتها العربية الإسلامية وتطلعها إلى الوحدة التي تستند
إلى تلك الأصالة التاريخية والعقيدية.
وسوف أكتفي بعرض بعض النتائج التي أدت إليها
السياسة قصيرة النظر التي اندفعت إليها المخابرات الناصرية من أجل هدف حزبي وقتي
وهو فرض سيطرتها على مسيرة الثورة الجزائرية بصورة يفسرها البعض أنها تهدف إلى
مطامع شخصية أو حزبية، لكنها في الحقيقة كانت تحقق للقوى الصهيونية والأجنبية
أهدافًا إستراتيجية بعيدة المدى.
وإذا كان الناصريون يحتجون بأنهم لم يكونوا يعرفون
ذلك أو لا يريدونه، فإنهم على الأقل قد ساروا نحوه بسبب إقحامهم أنفسهم في ميادين
لا خبرة لهم بها، وغرورهم الذي زين لهم أن مجرد تحطيم الحركات الإسلامية والأحزاب
الوطنية الأصيلة والزعامات التقليدية هو الذي يمكنهم من الاستقرار في مصر وبناء إمبراطورية
ناصرية باسم القومية العربية أو الاشتراكية العلمية الماركسية أو أي شعار آخر
يناسب «الموضة». وكلها لم تكن إلا مراحل وخطوات زينها لهم مستشارو السوء من
المتسللين الذين كان هدفهم هو تمهيد الطريق أمام الصهيونية لكي تدفع بعملائها
وأعوانها الذين ورثوا عبدالناصر وما زالوا مستقرين في مواقع كثيرة في مجتمعاتنا
يواصلون خطة «الموضة» التي تفرض الهيمنة الإسرائيلية على المنطقة تحت شعار الشرق
أوسطية على أنقاض الكفاح الوطني الذي بدده الناصريون ومزقوه بأساليب الإبادة
والاستئصال الثوري الذي شمل جميع القوى الحية والحركات الأصيلة في الأقطار العربية
واحدًا بعد الآخر.
في كتاب السيد فتحي الديب وقائع ذكرها عرضًا دون أن
يجهد نفسه في بحث أسبابها ولا نتائجها ولا الإشارة إلى مسؤوليته هو شخصيًا ومسؤولية
النظام العسكري الذي يمثله عنها، لأنها كلها كانت في نظره تكملة لما قاموا به في
عام 1954م من ضرب حركة الإخوان وما تلا ذلك من إقصاء الإسلاميين وجمعية العلماء
وزعماء حزب الشعب الجزائري في عام 1955م، فأفرغوا ميدان العمل الوطني من العناصر
الأصيلة ليرتع فيها المنافقون والمتسللون من جميع الأصناف والألوان، وتجمعت هذه
النتائج المشؤومة في عام 1956م الذي يصفه بأنه عام الأحداث الجسام.
لقد أشرنا إلى أن الهدف الأول الذي أعلنه في أول
لقاء له مع ممثلي الحركات الوطنية هو حرصه على استبعاد نفوذ جمعية العلماء ورئيسها
الكبير الأستاذ العظيم الشيخ البشير الإبراهيمي وممثله في مصر الشيخ الفضيل
الورتلاني، فيما يخص الإشراف على الطلبة الجزائريين الدارسين في الأزهر، وأن الشيخ
البشير رفض ذلك وصمم على استمرار إشرافه على الطلاب.
وهنا يذكر لنا مندوب المخابرات في ص 78 من كتابه أن
«الأخ بن بيللا قام باختيار عشرين طالبًا جزائريًا من الدارسين بالقاهرة للانضمام
للكفاح وتم تجميعهم بمعسكر الحرس الوطني لتدريبهم، واستمرت الدورة ثلاثة أشهر ومن
ضمنهم (بو خروبة) محمد هواري بومدين رئيس جمهورية الجزائر- فيما بعد. معنى ذلك
أنهم استبعدوا الطلاب الذين درسوا في مدارس جمعية العلماء، ورشحهم الشيخ البشير
الإبراهيمي للدراسة في الأزهر ودرسوا تحت إشرافه، ووضعوا ثقتهم في مجموعة عشوائية
دربوهم ثلاثة أشهر ليسلموهم قيادة الثورة، وكان من بينهم على حد قوله «هواري بومدين».
فماذا فعل «بومدين» الذي اختاروه ودربوه وسلموه
قيادة القوات المرابطة على الحدود المغربية والتونسية، نتيجة لاستبعاد جميع
المناضلين الذين أشرف عليهم الشيخ البشير أو دربهم الجهاز العسكري لحزب الشعب؟ ولجأوا
إلى أمثال بومدين فكانت النتيجة أنه هو الذي خطط للقضاء على بن بيللا واقتلاع
النفوذ المصري من الجزائر. كما يصف ذلك تفصيلًا السيد فتحي الديب في ص 630 إلى ص
636.
ونموذج آخر، لقد عدد لنا السيد فتحي الديب الخطوات
التي قام بها لاستبعاد أي دور لزعيم حزب الشعب الجزائري ومؤسس الحركة الوطنية
الجزائرية مصالي حاج، وتدبير كمين لاعتقال مندوبيه الذين أوفدهم للقاهرة بعد أن
أعلنوا تأييد مصالي حاج للثورة وانضمام مصالي لجبهة التحرير الجزائرية في صوت
العرب، وبدلًا من أن يكون ذلك بداية لوحدة الحركة الوطنية الجزائرية، بدأت
المخابرات المصرية إثارة الفتنة التي مزقت الحزب، وما زالت آثارها تدمر العمل
السياسي في الجزائر للآن.
أعوان فرنسا يقودون جبهة التحرير
إن ما فعلته المخابرات المصرية بإخلاء الساحة من
قادة حزب الشعب جعلهم يفتحون صدورهم لاستقبال المتسللين والانتهازيين الذين وجدوا
الفرصة سانحة ليملأوا الفراغ الناتج عن إقصاء الإسلاميين والوطنيين الأصلاء، فيذكر
لنا في ص 200 ما يلي:
«بدأ توافد الإخوة الجزائريين»، ووصل في نهاية
أبريل 1956م السيد فرحات عباس رئيس حزب البيان ومساعده الدكتور أحمد فرنسيس.
ولا ينسى السيد السفير أن يبين لنا أن هذه الشخصيات
الحزبية التي وفدت إليهم كانت تنادي بضرورة الوحدة مع فرنسا، وأنها لجأت إلى اتخاذ
موقف جديد للانصهار في بوتقة جبهة التحرير.
إن المخابرات المصرية قد فتحت صدرها للسيد عباس
فرحات المطالب باندماج الجزائر في الاتحاد الفرنسي وأعدت له مؤتمرًا صحفيًا في
فندق سميراميس يوم 25/ 4/ 1956م ليعلن حل حزبه والانضمام إلى جبهة التحرير
ومطالبته بالاستقلال.
والغريب أن السيد فتحي الديب ذكر لنا في ص 201 ما
قاله له فرحات عباس شخصيًا من أن أحد كبار شخصيات الإقامة العامة الفرنسية
بالجزائر قال لعباس فرحات: «اخرج إلى القاهرة وخذ موقفًا إلى جانب جيش التحرير
الجزائري لأن فرنسا انهارت».
بناء على توصية مخابرات فرنسا وصل عباس فرحات إلى
القاهرة واستقبلته المخابرات المصرية ليسد الفراغ الناتج عن استبعاد مصالي حاج
واعتقال أعوانه وتمزيق الحزب الوطني الأصيل، ونرى السيد فتحي الديب يتباهى بأنه هو
ومخابراته قد ألحقوا هزيمة كبرى بالمخابرات الفرنسية المسكينة التي يريد سيادته أن
يوهمنا بأنها لا علم لها بذهاب عباس فرحات للقاهرة ولا أنها هي التي نصحته بذلك.
ويدعي أن هذا المؤتمر الصحفي كان لطمة قوية لسياسة
فرنسا بالجزائر، ونصرًا عزيزًا لجبهة التحرير ولقيادة جيش التحرير.
ولكي يعرف القارئ ما ألحقه عباس فرحات من أضرار
بمسيرة الثورة أحيل القارئ لما ذكره السيد فتحي الديب عن الدور التخريبي الذي قام
به عباس فرحات، والذي يدل على أن دخوله جبهة التحرير كان نصرًا عزيزًا للمخابرات
الفرنسية وخيبة كبرى للناصريين ومخابراتهم.
إن هذا النصر العزيز الذي حققته السياسة الفرنسية
قد أصبح كارثة على جبهة التحرير عندما أصبح عباس فرحات الذي يتزعم حزبًا يطالب
بالفرنسية الكاملة للجزائر -بمباركة الحكومة الناصرية ومخابراتها- أول رئيس
للحكومة المؤقتة التي كونتها جبهة التحرير، وتمكن بذلك من أن ينفذ سياسة تحويل
الحكم الوطني في الجزائر إلى التعاون مع فرنسا ومعاداة الإسلام والعروبة والوطنية
الأصيلة، وسيرى القارئ كيف أنه هو الذي منع جبهة التحرير من إعلان الجزائر دولة
عربية إسلامية في إعلان الاستقلال وعارض اقتراحي بذلك كما سأذكره تفصيلًا في عام 1962م.
مما يؤسف له أن السيد فتحي الديب ينتهز فرصة
استقبالهم لعباس فرحات وترحيبهم به ليؤكد هدفه الأصلي وهو التشهير بجمعية العلماء
الجزائريين فيزعم في ص 200 أن وصوله لمصر أعقبه وصول الشيخ أحمد توفيق المدني أمين
عام جمعية العلماء الجزائريين والشيخ العباسي عضو الجمعية، وفي ص 201 يدعي أن
المؤتمر الصحفي الذي نظموه لعباس فرحات في فندق سميراميس أعلن فيه «انضمامه هو
وقادة جمعية العلماء إلى جبهة التحرير»، ونسي سيادته أن الشيخ البشير الإبراهيمي
رئيس جمعية العلماء كان أول مؤسس لجبهة التحرير في 1950م وهو الذي حرر ميثاق الجبهة
وكان أول الموقعين عليه هو والشيخ الفضيل الورتلاني كما يتبين من نص هذا الميثاق
الذي أشار له في ص 76 وأعاد نشره كاملًا ضمن الوثائق الملحقة بالكتاب ص 644.
فالزعم بأنهم أعلنوا في نهاية أبريل 1956 انضمامهم
للجبهة هو مغالطة كبرى قصد بها إعطاء دخول عباس فرحات إلى الجبهة هالة وطنية، رغم
أنها كانت خطة فرنسية نفذها هو وجماعته باسم المخابرات المصرية عن علم أو دون أن
يدركوا خطرها. وستكشف الوقائع التالية أنها لم تكن غلطة من المخابرات الناصرية، بل
كانت سياسة ثابتة يقصد بها التقارب مع فرنسا بعمل كل ما تريده لإقصاء التيار
الإسلامي وحزب الشعب عن العمل الوطني واستبعادهم من جبهة التحرير، حتى تقبل فرنسا
الاتفاق معها، ولم يقف تيار التسلل الذي مكن أعوان فرنسا من احتلال مراكز القوى في
جبهة التحرير عند حد عباس فرحات وحزبه بل شمل ما هو أخطر من ذلك وهو تمكين بعض
الضباط الجزائريين في الجيش الفرنسي من التسلل في صفوف جيش التحرير وقياداته،
الأمر الذي مكنهم من الوصول إلى مركز القوة في الجيش الوطني الجزائري الذي أنشأه
بومدين بعد الاستقلال.
تسلل ضباط فرنسا لمراكز القيادة في جيش الجزائر
وقد أشار السيد الديب في مواضع متعددة إلى ما سماه
السخط العام على الحكومة الجزائرية المؤقتة (التي كان يرأسها عباس فرحات) من كافة
قطاعات الشعب الجزائري في الداخل والخارج وقوات جيش التحرير الجزائري، بعد تردد
الأنباء التي تؤكد وجود اتصال سري بين مسؤولي الحكومة (التي يرأسها عباس فرحات)
وقيام الحكومة بالإطاحة ببعض قادة الولايات، واستبدالهم بقادة جدد من الضباط الذين
خدموا بالجيش الفرنسي وقاتلوا ضد جيش التحرير إلى عهد قريب (ص 298 من كتابه).
وفي ص 405 يقول ما یلي: «شهد شهر نوفمبر 1958م
محاولة للقيام بانقلاب عسكري على حكومة عباس فرحات بسبب إبعادها القادة الوطنيين
الذين ساهموا في الثورة منذ قيامها وإحلال عناصر مشبوهة ممن خدمت الاستعمار بهدف
السيطرة على الثورة لصالحهم الشخصي».
هذه العناصر المشبوهة التي وصلت إلى مراكز القوى في
الجيش هي التي قامت في عام 1991م بالانقلاب العسكري لمنع الشعب الجزائري من اختيار
حكام لا ترضى عنهم فرنسا، ومخابرات السيد فتحي الديب هي التي سهلت للمخابرات
الفرنسية ذلك بأن قامت بإخلاء الساحة من الإخوان المسلمين وغيرهم من الإسلاميين
ممن بقوا على الوفاء لزعيم حزب الشعب مصالي حاج وذلك كله لإحكام قبضتهم على جبهة
التحرير. لكنهم انتهوا وذهبوا وبقي عملاء فرنسا الذين فتحوا لهم الباب على مصراعيه
لينضموا إلى جبهة التحرير ويصلوا إلى مراكز القيادة فيها بدلًا من الإسلاميين
وأعضاء حزب الشعب.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل