; مذكرات رضا نور .. كيف خسرنا الموصل وكسبها الإنجليز؟! | مجلة المجتمع

العنوان مذكرات رضا نور .. كيف خسرنا الموصل وكسبها الإنجليز؟!

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 18-مايو-1982

مشاهدات 69

نشر في العدد 571

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 18-مايو-1982

مصطفى كمال يهدد النواب المعارضين لإلغاء السلطنة: بالموت

 بذلك انتهت مشكلة وجود وفد إستانبول في مؤتمر لوزان، وكان الأمير ألاي الفرنسي «موجين» حاضرًا في القسم الخاص بالمستمعين في المجلس، وهو ممثل الفرنسيين في أنقرة منذ فترة طويلة. وبعد انتهاء هذه الجلسة، قام وجاء إليّ قائلًا ما مضمونه: «كان المجلس بصورته اليوم مدهشًا، كان الجو مكهربًا أكثر من المعتاد، كنت أترقب باهتمام كيف ستحل هذه المشكلة، إن هذه الجلسة أهم جلسة في تاريخ تركيا. لك تهنئتي، مصطفى كمال دخل أزمير وحقق انتصارًا عظيمًا، لكنك بما فعلته هذا، حققت انتصارًا عظيمًا وأعظم بكثير مما حققه مصطفى كمال. إن هذه الأمة تستطيع نسيان مصطفى كمال، لكنها لا تستطيع نسيانك». إن هذا الحماس الذي قوبل به تقريري بتوقيع ثمانين عضوًا -وهذا يقارب الأغلبية- جعل المجموعة البرلمانية الثانية تقوم بعمل دعاية مضادة لتقريري، فقام مصطفى كمال وهدد أعضاء هذه المجموعة بالموت فسكتوا عن الاعتراض.

 تم إبلاغ إستانبول بهذا القرار، فانتهت حكومة إستانبول، بعد ذلك قام المجلس بانتخاب عبد المجيد أفندي خليفة، وفي رأيي أن الخليفة يجب أن يكون أكثر أهل البلاد علمًا وشرفًا.

إلغاء الخلافة جنون

 وفي خطابه الرسمي يحاول مصطفى كمال نسب هذا الشرف لنفسه، ولم يذكرني فيه بحرف واحد.

 وفي مسألة الخلافة يقول مصطفى كمال: «أنا الذي أقمت الحكومة العلمانية وفصلت الدين عن الدولة»، مع أني أنا الذي عملت على هذا، فقد كتبت أنا التقرير الذي ينص على هذا، ولم يكن لدى مصطفى كمال أي خبر عنه. لم يكن يعرف حتى معنى كلمة علمانية، لم يكن حتى يعلم ما معناها، يقول أيضًا: «لقد تركت الخلافة لمدة أخرى «بعد إلغاء السلطنة» دون احتوائها على حقوق صريحة» أما أنا فأبقيت عليها بحقوق صريحة، ولو كنت أريد إلغاءها لألغيتها وسط الحماس الذي صاحب تقريري.. وأنا من أعضاء الخلافة جدًا وما زلت هكذا الآن، إن إلغاء الخلافة جناية، إن إلغاء الخلافة عمل من أعمال مصطفى كمال، فلينظر إلى موسوليني الذي أعطى للفاتيكان في روما القوة والدعم، فليعتبر مصطفى كمال بهذا، لماذا تلغى الخلافة؟ فليكن للمسيحيين بابويتهم وللمسلمين خلافتهم، إلغاء الخلافة جنون، بإلغائها أصبح المسلمون بلا قوة، ولا مركز ولا أمل، أصبحوا غرباء، من كان يقطع الغصن الذي يقف عليه؟! لا يستطيع هذا إلا مجنون، لأنه أطاح بما في يده من قوة مادية ومعنوية، يدعي مصطفى كمال أن الخلافة لم تعد قوة لكن هذا الادعاء خطأ، بفضل الخلافة قدم لنا الهنود الدعم المادي والمعنوي الكثير، كيف ينكر مصطفى كمال هذا؟ ليست الخلافة مؤسسة دينية فقط، إنها قوة مادية ومعنوية للدولة والوطن، عرب فلسطين يستفيدون من الخلافة، ويجمعون من الهند نقودًا هامة.

 وصلنا إلى لوزان، عقد أول اجتماع في ٢١ تشرين الثاني ۱۳۳۸ «۱۹۲۲م». ما نحن مقدمون عليه عظيم، أمامنا مسألة تصفية الامتيازات الأجنبية، كان عقد أول اجتماع في مباحثات لوزان بحضور اللورد كيرزون «وزير الخارجية الإنجليزية»، ورئيس الوزراء الفرنسي «يوفانكره»، وموسوليني «رئيس وزراء إيطاليا»، وكانت المباحثات تعقد في قصر تاريخي حولوه الآن إلى فندق، واسمه -أي المبنى- قلعة «شاتو أوشي».

مصطفى كمال يريد توقيع معاهدة لوزان بأي ثمن

 ليس معنا نحن الوفد التركي أي استعداد من ملفات وغيرها، اللورد كيرزون هنا ومعه مجموعة من الدبلوماسيين الرسميين. كما أن هذا الوفد يصحب معه ملفات هائلة، ماذا سنعمل؟! وليس معنا نحن إلا عدد من التعليمات مكتوبة في قطعة ورق وبالقلم الرصاص، انتحى لي مصطفى كمال وبعصمت جانبًا وقال: «أساسكم هو «المهم الصلح»، لو رجعوا في كلامهم، ولو رفضوا إعطاءنا إقليم تراكيا، فلا تتعبوا أنفسكم. دعوكما من هنا واعقدا الصلح، وحتى لو استدعى الموقف أن تتركا إستانبول اتركوها» وهذه هي أوامر مصطفى كمال الشفاهية. دهشت! كيف يفكر هذا الرجل هكذا في تركيا وإستانبول، غالبًا إنه يريد الصلح بأي ثمن، وفي لوزان كان عصمت يقول لي: كثيرًا عن الموصل: «يا عزيزي دعك من هذا ولنعقد الصلح». وكنت أقول له: «لا يمكن! لا بد أن نبذل كل مقاومتنا أولًا»، وكان يقول لي: «هيا نعطهم الموصل حتى لا تضيع الفرصة». ماذا يعمل عصمت فأوامر سيده تقضي بهذا، ومن المحتمل أن الإنجليز لو كانوا عملوا بالنسبة لإستابنول وتركيا، مثلما عملوا في الموصل، لكان تنازل عصمت عنها.

 الحمد لله فإن الإنجليز لم يعترضوا على إستابول وتركيا، لكن مشكلة الحدود حول أدرنة كانت صعبة، مسألة هذه الحدود تولاها عصمت فقط ليست الحدود هنا في صالحنا.

 لا أدري هل كان من الممكن عمل شيء أفضل من هذا؟! كان بجانب عصمت توفيق الكلداني «أصبح أمينًا لرئاسة الجمهورية بعد ذلك، ولم أكن موجودًا أنا في اللجنة التي وضعت أساس هذه المباحثات ولجانها المتخصصة».

كنت أرى نفسي حقيرًا أمام المفاوض الأوروبي

 بدأت الجلسة وكنت خائفًا، كنت أظن أن هؤلاء الناس كبيرو القدر جدًا، إني متردد جدًا في لقائهم والتباحث معهم، أمضيت خمسة أيام تقريبًا في المراقبة والاستطلاع، درست كل واحد منهم، تشجعت والحقيقة أني كنت خائفًا جدًا في البداية من هؤلاء الأفرنج، وكنت أرى نفسي حقيرًا بالنسبة لهم، الواقع أنني ألفت المباحثات وأنا في روسيا، لكن الأمر هنا يختلف لأن الذين أقابلهم الآن نخبة من ديبلوماسي أوروبا ولا بد من تنظيم وقت العمل، وأردنا نحن بدورنا التدخل في هذا.

 لم يسمحوا لنا دول الحلفاء، عملت كل شيء، عينوا الرؤساء منهم وأبلغونا، أمامنا ثماني دول: إنكلترا، فرنسا، إيطاليا، اليابان، رومانيا، الصرب «الصرب – ضروان - سلوفين» واليونان.

 كان لورد كيرزون يقوم بعمل كل شيء تقريبًا، ويجعل الآخرين يوافقونه، يعني أنه المسيطر على المؤتمر هو «إنجلترا».

 رأس لورد كيرزون الجلسة الأولى، وكانت اللغات الرسمية هي الفرنسية والإنجليزية والإيطالية. أما غير ذلك من اللغات فممنوع كانوا يرسلون لنا جدول عمل الجلسة قبل يوم واحد منها، ونقوم نحن بإعداد الإجابات لهذا الجدول، نريد دعوة حكومات روسيا وأوكرانيا وكورجستان.

 الرئاسة في المؤتمر كما يتصورها الحلفاء: للإنجليز والفرنسيين والإيطاليين. طلبنا نحن أن يكون الرئيس منا أحيانًا، لم يعر أحد هذا الكلام اهتمامًا ولا يريد الأمريكيون إلا دور المراقب في المؤتمر. أما عن الدورات، فكان مؤتمر لوزان عبارة عن دورين، ثم تكونت لجنتان للنظر في:

1- المسائل الخاصة بالأراضي «الحدود» والشئون العسكرية.

2- ومسألة الأجانب والأقليات الموجودة في تركيا.

3- والشئون المالية والعسكرية «المرافئ، السكك الحديدية، الشركات...» وغيرها والشئون الصحية، وكان على رأس هاتين اللجنتين رؤساء البعثات الإنجليزية والفرنسية والإيطالية، وكان لكل لجنة حق تكوين لجان فنية.

مصطفى كمال يريد ترك الموصل للإنجليز

 حدود العراق متعلقة بمسألة الموصل، وحاولنا حل هذه المشكلة بشكل خاص منذ الأيام الأولى للمؤتمر، أحضر الإنجليز عربيًا من بغداد ولم نوافق نحن على اشتراكه ولم يشترك. وكان عصمت يقول لي كثيرًا «هيا لنتنازل عن الموصل ونخلص منها»، وكنت أعترض عليه وأقول «الموصل» أهم أراضينا، لو حدث علينا هجوم فسيحدث من هناك، لنحاول وهناك إحتمال في حصولنا عليها، أما هو فقد كان يقول «لا تحاول وإلا فستتحول المعاهدة إلى صلح» وكنت لا أقتنع بهذا، يقول لنا الإنجليز «معنى إعطاء الموصل لكم، يساوي نزولكم إلى بغداد» أي إنهم يخافون من هذا.

 عندما عجز عصمت عن إقناعي بترك مسألة الموصل، كتب إلى أنقرة فسألت الحكومة هيئة أركان الحرب، فقال فوزي باشا فلنأخذ «الموصل»، وهذا ما أعطاني القوة، ولا شك أن عصمت يريد تنفيذ ما قاله لنا مصطفى كمال عند توجيهنا إلى لوزان من ترك الموصل، وليست المسالة مسألة مزرعة أبيه حتى تنفذ أمر سیده.

المستشار العسكري للوفد التركي، كلداني، جعلنا نترك السليمانية للإنجليز:

 حدث تقدم كبير في المباحثات الخاصة مع الإنجليز، جاءنا الإنجليز ذات يوم ومعهم اقتراح جديد، وفي أيديهم خرائط رسموا عليها الحدود، وقالوا لنا ها هي ذي يسير هذا الرسم من شمال الموصل قريبًا من حدودها ويتركون لنا، سجن السليمانية كله لنا، إن هذا الشيء عظيم، معنى هذا أن الأمل يزداد في أخذ الموصل. قال لنا مستشارنا العسكري في المؤتمر وتوفيق: «ماذا سنستفيد من السليمانية؟»، إنها منطقة جبلية، إذ لم تكن الموصل معنا، فلا يمكن حتى مجرد الذهاب إلى هناك وستصبح عبئًا علينا، ولأني غير عسكري فلا أفهم في هذا، وأرى أن عصمت يسأل توفيقًا عن هذه المسائل.

 توفيق موصلي أساسًا، وفي الحقيقة أن وجهه آشوري كلداني تمامًا، وقد سميته أنا توفيق الكلداني.

كيف خسرنا الموصل وكسبها الإنجليز

 خدعني توفيق هذا عندما قال: إن السليمانية لا تهمنا لو كنا أخذنا السليمانية!! بعد سنتين ترك عصمت الموصل كلها، وظفوا فتحي لهذا العمل، وصلت المسألة إلى عصبة الأمم المتحدة أكثر الآراء كانت معنا! إلا أن جمال حسني سفيرنا في بون اقترح على أحد الأعضاء رشوة، فغضب هذا العضو وصوت ضدنا، وكسب الإنجليز بفارق ضئيل جدًا في الأصوات وخسرنا الموصل، ولا بد أن تكون النتيجة هكذا إذا كان أمثال جمال حسني السكير الجاهل، يعينون سفراء.

الرابط المختصر :