; مذكرات رضا نور.. مصطفى كمال يفكر في الهرب من أنقرة | مجلة المجتمع

العنوان مذكرات رضا نور.. مصطفى كمال يفكر في الهرب من أنقرة

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الجمعة 16-أبريل-1982

مشاهدات 59

نشر في العدد 565

نشر في الصفحة 36

الجمعة 16-أبريل-1982

نواب مجلس الأمة في أنقرة لا يدرون شيئًا عن الموقف، كما أنه ليس لدى مصطفى كمال أي خبر يثلج الصدر. إنه مضطرب هو والحكومة في مسألة الفرار من أنقرة. ليس لديه شيء آخر يفكر فيه. أمر مصطفى كمال بجمع أشيائه الخاصة.

كنا نتحدث: بكير سامي وثلاثون من نواب المجلس: قالوا: «ماذا بك» قلت: ما هو الوضع، هل تعرفون؟ قالوا: «لا» كل تفكير مصطفى كمال انصب في الهرب والكل يعرف هذا. إذ لا بد أن نعقد جلسة عاجلة للمجلس. شكّلوا لجنة تحقيق من الزملاء، وانتخبوني فيها. هيا بسرعة فالوقت مكسب واليونانيون لا بد ويزحفون على أنقرة. وقلنا هذا وتكونت لجنة من 14 عضوًا.

أبلغنا الحكومة بذلك. وكتبوا لعصمت بهذا. عصمت لا يريد استقبالنا، حتى لا تظهر فضائحه علانية. إنه رجل خبيث، أيمكن التفكير في شيء مثل هذا اليوم، كل الذي يفكر فيه ألا تظهر فضائح قيادته أمام الجميع ثم كيف يمنع نواب مجلس الأمة؟ عصمت يقول النواب والمدنيون لا يتدخلون في الأمور العسكرية. «إن هذا يعتبر شغبا، إن هذا مغاير للنظام» قلت: «إن هذا الرجل تسبب في إبادة الجيش ثم انظر ماذا يقول لنا عزيزي لماذا تضطرب ونحن قادمون للتحقيق؟ نحن لم نحضر للجبهة لكي نأخذ القيادة منك. ولن نتعارك معك أمام الضباط والجنود ولن نحرض الجنود على التمرد. وهل هذا وقته؟! إن الأمة تريد أن تعرف الوضع والحال أليس هذا من حقها؟ والنتيجة أنه اشتد في رفضه لزيارتنا للجبهة للتحقيق. وأصررنا نحن. لكننا أخذنا طريقنا إلى الجبهة ولم يعترضنا. لكنه اختفى عن أعيننا. 

  • سبب الهزيمة: سوء القيادة وجهلها

زرنا الجبهة من أولها لآخرها. نقوم بجولتنا، أتحدث مع الضباط من مختلف الرتب حتى مع الأومباشية والجاويشية والجنود. أسحبهم إلى جانب ونتحدث.. أريد معلومات. حدثونا عن الحرب. كلام الجميع متفق. وكان كل الجيش يتكلم من فم واحد. يقولون. لم يكن عددنا وعدتنا وذخائرنا أقل مما لدى العدو. خاصة وأننا كنا أخذنا مواضعنا جيدًا. وخنادقنا كانت ممتازة. وكان من المستحيل أن ننهزم. إن هزيمتنا سببها القيادة سوء القيادة وجهلها. إننا نريد قيادة حكيمة. كانت هذه الجملة الأخيرة بالذات وكأنها جملة سر لدى الجميع.. استمروا في أقوالهم «نحتاج لقائد حكيم» وأعطونا السلاح والقوة القديمة التي في خط اسكيشهر وافيون وبالتأكيد سنقضي على العدو هنا. هزيمتنا كانت عبثًا نحن لم ندخل الحرب، حتى نهزم. عصمت ليس جديرًا بأن يكون قائدًا. إذًا هذا هو حكمة اعتراض عصمت على قيامنا بالتحقيق في الجبهة. ومع ذلك يقوم مصطفى كمال في خطابه الرسمي بتغطية وستر أخطاء عصمت ذلك لأنه شريك له في المسألة.

  • ضباط بواسل يبكون في الحرب

لأنهم لا يستطيعون مواجهة الأمة مهزومين

في أحد الأماكن في الجبهة التقيت بأربعة من الضباط ذوي الرتب العالية مجتمعين، ما شرحوه لي هو نفس الشيء. ما يريدونه هو نفس القوة القديمة وإدارة حكيمة. انطلقت قائلًا: «آه.. يا لها من خسارة فبدأ هؤلاء الضباط في البكاء.. إنه لمنظر محزن وفظيع أن يبكي رجال الحرب في يوم مثل هذا اليوم وفي الجبهة» أخذت أنا أيضًا في البكاء يبكون وهم يتكلمون «اعملوا كل جهودكم في أن تعطونا القوة القديمة وقائدًا جيدًا! لم نعد نستطيع مواجهة الأمة! إننا نخجل من الأمة. افعلوا ما قلناه لكم. بالتأكيد سنهزم اليونان هنا ونقضي عليهم. ودماؤنا ستسيل أنهارًا لهذا الهدف» ومرة أخرى أخذنا في البكاء معهم وعدتهم خيرًا وسريت عنهم الضباط في منتهى الحمية، وفي منتهى البسالة، وكانت هذه أول مرة يدخل فيها الأمل القلب ويملؤه. 

داومت التحقيق. وكم من ليال بتناها في العراء على الأرض تجولنا ورأينا مناظر كثيرة ودائمًا أسمع نفس الشيء. إذًا فليس من الضروري الاستمرار في التحقيق فقد تبلور الأمر ووضح، وهو الآتي: «يتلخص في أن الأمل لم ينته» خاصة وأن حمية الضباط في أوجها ويخجلون من الهزيمة، ويريدون أن يغسلوا وصمة العار. وسيحاربون بحماس عظيم. وكلهم يقولون إنهم سيهزمون العدو. شخّصنا المرض والآن يلزمهم قائد حكيم ويجب إعطاؤهم جيشًا كالسابق بالبنادق والمدافع والذخيرة.

والمسألة عبارة عن هذا. ولا بد لعمل هذا، أن نسرع بالوصول إلى أنقرة.. لا بد من السرعة.

  • عصمت يخشى مجلس الأمة

كان وضع الجيش كالتالي: جيش مكون من مائة وعشرين ألف شخص تناثر وتبعثر، لم يبق منه غير عشرين أو خمسة وعشرين ألفًا فر الباقون، حتى أن جنديًّا قطع ثمانين كيلومترًا في الساعة أروني هذا الجندي. يقول الضباط إن هذه السرعة نادرة في تاريخ الحرب كانوا يتصورون أنه ينتعل مداسًا، ولكن لم يكن بقدميه شيء. يقول الضباط إن الجنود وهم يهربون يلقون بكل ملابسهم مع معاطف وجاكتات وغيرها حتى يكونوا أكثر سرعة وإن الجندي في ذلك الوقت يرى أن المنديل شيء ثقيل يمنعه من الفرار.

لا أحدث أحدًا بنتيجة التحقيقات ولا فيما سأفعل، لن أفشي ما سأقوله حتى لا يذهب هباءً. أريد أن أشرح للمجلس الموقف وأقول فيه ما يجب عمله وكل ذلك بضربة مفاجئة. 

وبينما أنا على ذلك إذا بعصمت باشا يزورني في البيت، جلس عصمت بجانبي، يبدو عليه الاضطراب، لا يتحدث وبعد الترحيب والتحية وردها قال: «أريد التحدث معك، هيا لنذهب إلى بيتنا وافقت كان الوقت حينها قد قرب من منتصف الليل وقمنا وذهبنا إلى منزله وهناك سألني عدة أسئلة: «ماذا رأيتم في الجيش؟ ما هو انطباعكم؟ وماذا ستقولون في المجلس؟ هل النواب ضدي؟ يعني كأنهم سيستطيعون عمل شيء ضدي؟... إلخ؟ 

مفهوم أن عصمت مضطرب نتيجة ما فعله. يخاف من المجلس. يبحث عما سأقوله والذي لم أكن أعرفه أن النوادي في أنقرة ونحن ما زلنا في الجبهة، طلبوا تقديم عصمت وهو السبب في هذه الهزيمة إلى ديوان الحرب. وبالطبع عمل مصطفى كمال على التصدي لهذا، لاشتراكه في الهزيمة، ولم يكن لدي أنا خبر عن كل هذا مضبوط! إذًا لقد جاء لزيارتي ثم أخذني لبيته من أجل هذا السبب. كل اضطرابه بسبب أنا يا ترى هل سنطلب تقديمه لديوان الحرب؟! كان يريد معرفة هذا!!

انفجرت فيه قائلًا: الجيش كله ضدك. يقولون «إن القيادة الجاهلة هي سبب وضعنا هذا وإلا فمن المستحيل أن نهزم، نريد إدارة حكيمة» أنت تقول إن المجلس لا يستطيع عمل شيء ضدك، وأنا أظن أن المجلس سيمسكك بل وحتى سيشنقك على بابه؛ فأنت مسئول عن هذه الهزيمة. فقال لي: لست أنا فقط المسئول لكني كنت أنفذ أوامر مصطفى كمال باشا.

ومع بزوغ الفجر عدت للبيت يعني استمرت هذه المناقشة الجادة حوالي خمس أوست ساعات.

أعددت بعض المذكرات لإلقاء خطابي في المجلس. آمل في الدفاع. كانوا يشتكون هناك من أمر آخر قالوه لي وهو أن «فوزي رئيس هيئة أركان الحرب كان يريد إكمال النقص في الجيش فاستدعى الأفراد القرعة الجدد وأرسل هؤلاء الأفراد غير المدربين إلى الجيش»، وذلك عندما وصل الجيش إلى صقاريا وهناك قالوا له: «ليس في هؤلاء فائدة. بالعكس إنهم يضروننا لا يعرفون إصابة الهدف ولا يعرفون النظام، يفرون من أول طلقة للبندقية أو المدفع. وهم بهذا يلقون الخوف في قلوب الجنود المدربين، ومن هنا يحدث الاضطراب والذعر في الجيش. بأي عقل يرسل هذا الرجل هؤلاء الأنفار! فليسحبهم من الجبهة!».

تجيء الآن مسألة السلاح: يقولون ليس لدينا بنادق مصيبة حققت في هذا علمت أن 35,000 بندقية روسية الصنع أحضرناها نحن من روسيا، موضوعة في حمام قديم أمام الحكومة وليس لدى فوزي وزير الدفاع ورئيس هيئة أركان الحرب خبر عنها. 

أعددت الأمر وجريت إلى المجلس كان مصطفى كمال ينتظرني في الممر قابلني باضطراب. كان أصفر الوجه نظر إليّ وكأنه ينتظر النجدة مني، عيناه متجهتان إلى الأرض يا لك من أيام!! قال: «ماذا ستعمل؟ وماذا ستعمل»، تحول مصطفى كمال إلى حمل وديع يطلب مني أن أنجده فقلت له: «فلنعمل جلسة سرية. افتتح الجلسة سريعًا» قال: «حسنا!» جرى وفتح الجلسة وأعطاني الكلمة صعدت إلى المنصة. وألقيت خطابًا استمر حوالي ساعتين أو ثلاث ساعات وهو خطاب في عدة أقسام، ولبه هو الآتي:

«1- الجيش: حاله ووضعه».

 «2- ما يريده الضباط والوعد الذي قطعوه على أنفسهم بإزالة وصمة العار». «3- التدابير التي ستتخذ».

«انهزم الجيش هزيمة نكراء وفر من فر وتبعثر وضع الجيش، والذي تبقى منه والذي استطاع أن يأتي إلى ما وراء صقاريا عبارة عن 20 إلى 25 ألف شخص بنادقهم قديمة خاصة السونكي قليل جدًّا. وليس مع المشاة سيوف وجزء مع المدافع مفقود الجنود يفتقرون إلى الملابس لا يوجد خيام اضطراب فظيع».

الضباط يخجلون من الهزيمة، الإدارة الجاهلة التي دفعت بنا إلى هذه الحالة، وإلا فلم نكن لنهزم، أعدادنا كانت كافية وموقعنا كان طيبًا، إلا أننا نريد قيادة حكيمة أعطونا جنودًا بالعدد القديم وبالشكل القديم أعطونا سلاحًا وذخيرة ضعوا قائدًا حكيمًا خبيرًا بشئون الحرب، ونحن نبيد اليونانيين بالتأكيد.

«إيها الزملاء إني سعيد لأن معنويات جنودنا عالية. كما أن من الممكن إعطاءهم ما يريدون، شكرا لله، فإذا اليونانيون لم يتحركوا بعد، لقد منحونا الوقت للنجاح في هذا الأمر، لدينا الأمل العظيم لا تيأسوا. لا تقطعوا الأمل إطلاقًا. الإمكانات موجودة لدحر العدو في صقاريا. 

التدابير التي ستتخذ إننا نعيش أهم وأخطر لحظات في حياتنا القومية وما نتخذه من تدابير في هذا السبيل هي أهم وأخطر تدابير: 

- يترك كل أفراد الوطن أعمالهم ويتوجهون إلى صقاريا لخدمة البلاد.

- لا بد للجيش من الأكل والبترول والصابون وغيره، وعلى الحكومة وضع يدها على كل ما لدى الأفراد وما في الدكاكين من أشياء لتقديمها للجيش والواقع أن هذا أمر ثقيل. وسيحدث في هذا سوء تطبيق واستغلال وسوء استعمال ولكن ماذا نفعل؟ يكفي أن تتحدالأمة مهما كان الأمر، إذا انتهت الأمة فما فائدة المال.

- جمع كل ما عند الأفراد من ماوزر وبنادق وطلقات وغيرها وتسليمها للجيش بسرعة.

- جمع السيوف القديمة من المنازل وتقديمها للفرسان.

- هيئة أركان الحرب دفعت بالأنفار غير المدربين إلى الجبهة وهذا خطأ لا بد منإرجاعهم فورًا والعمل على تهيئتهم لحمل البندقية وتعليمهم الرماية.

- على مصطفى كمال أن يكون هو القائد العام للجبهة قيادة فعلية.

- الحرب ستكون في صقاريا ولن ينسحب الجيش خلف نهر قيزيل أيرماق وستبقى الحكومة وسنبقى نحن في أنقرة والذهاب منها انحلال.

- نفذوا هذا فورًا، ولتطبقه الحكومة سريعًا».

الرابط المختصر :