; مذكرات جورج بوش... عندما ينكشف بعض المستور | مجلة المجتمع

العنوان مذكرات جورج بوش... عندما ينكشف بعض المستور

الكاتب عبد الباقي خليفة

تاريخ النشر السبت 27-نوفمبر-2010

مشاهدات 63

نشر في العدد 1928

نشر في الصفحة 26

السبت 27-نوفمبر-2010

لم تكن مذكرات جورج بوش الابن  »٥٠٠« صفحة، التي أطلق عليها ، لحظات القرار أو قرارات حاسمة، مثيرة للهتمام على المستوى العام سوى من ناحية تزامنها مع انتخابات التجديد النصفي بالكونجرس الأمريكي، والتي أعاد فيها الجمهوريون بعض الاعتبار لحزبهم، ليس بسبب أنهم الأفضل، بل لأن الديمقراطيين بزعامة  »باراك حسين أوباما«، لم يوفوا بوعودهم. 

ولاسيما التغيير: إذ إن الناخب الأمريكي مزاجي لا يبني مواقفه على برامج، وإنما فشل هذا فليأت الآخر، وهكذا تستمر الحلقة المفرغة في السياق الأمريكي.

وكانت الانتخابات الأخيرة فرصة ليظهر  »بوش«، ويسوق مذكراته التي تتحدث عن ١٤ قرارًا يرى أنها كانت حاسمة، وطبع منها خمسة ملايين نسخة، بعد أن بقي في الظلال فترة تزيد على العام. 

أما الجانب الآخر من الإثارة الكلاسيكية في مذكرات «بوش» فهو حديثه عن بعض الوقائع والمواقف مثل حديثه عن غزو افغانستان والعراق، وتوقفه عن احتساء الخمر وأحداث 11 سبتمبر ٢٠٠١م، والأزمة المالية العالمية، وخيبة أمله من رئيس الوزراء الروسي » فلاديمير بوتين«، وإمتناعه عن الإعتذار عن جرائمه في العراق، وكارثة إعصار كاتريناء. 

وخلافه مع الرئيس الفرنسي السابق  »جاك شيراك«، وكيف كان الملف اللبناني الوحيد الذي يجمعهما لطرد سورية منه، وكيف فكر في إصدار أوامر للقوات الأمريكية بشن هجوم على موقع سوري يشتبه في أنه موقع نووي بناءًا على طلب صهيوني عام ٢٠٠٧م، ولكنه تراجع عن ذلك في نهاية المطاف، مما دفع الكيان الصهيوني إلى تدمير المنشأة بنفسه ولم تسمع ركزًا للنظام السوري، لا من حيث رد الفعل العسكري، أو حتى التظلم إلى الأمم المتحدة، وحلف شمال الأطلسي  »ناتو«

والحقيقة إن هذا كان انكشافًا يبعث على الرثاء ليس لحال سورية فحسب، بل للوضع العربي الرسمي برمته، وما وصل إليه من مهانة واستسلام وخنوع وذل لم يسبق له مثيل.. وكان أقصى ما وصل إليه الموقف السوري من تصعيد خطير، هو الحلف بأغلظ الأيمان أن المنشأة لم تكن للأغراض النووية.

علاقات وطيدة

وبما أن قصف المنشأة السورية حدث سريعًا، وتم التكتم عليه من جميع الجهات الأمر الذي يدعو للاستغراب والربية.. فإن رواية الرئيس الأمريكي السابق للواقعة تكشف عن علاقات فوق عادية تتجاوز الرسميات والكلفة فيها مرفوعة كما يقال.

فرئيس الوزراء الصهيوني السابق إيهود »أولمرت«  يطلب من «بوش» في صيغة أمر: جورج.. إني أطلب منك أن تقصف المجمع.... وبالطبع، فإن بوش لا يروي الوقائع سردًا. 

وإنما يضع في الاعتبار الكثير من المصالح الأمريكية في المنطقة، وبالتالي، فإن المعلومات الواردة في مذكراته مشفرة بشكل معقد جدًا. ويجب قراءتها على هذا الأساس، والتعامل معها كمواد خام يجب أن تخضع للتحليل والدراسة، وليس مجرد معلومات معلبة أو مائدة جاهزة للتناول المباشر ويزعم «بوش» أنه ناقش الخيارات مع فريقه للأمن القومي، وأن الاستجابة للطلب الصهيوني كانت في عدد من الاقتراحات، ومن بينها عملية قصف للمجمع أو توجيه ضربة سرية من خلال فرق كوماندوز أمريكي، لكن تلك الخيارات تم التراجع عنها خوفًا من ردود أفعال قوية.

ولأن الاستخبارات الأمريكية بقيادة  »مايك هايدي«، في ذلك الوقت، لم تتأكد من وجود برنامج نووي داخل المجمع، فقد ذكر «بوش» أنه رد على أولمرت، بأنه لا يمكنه القيام بعمل مباشر ما لم يتأكد من وجود برنامج أسلحة.

ضوء أخضر

وما لم يقله «بوش» أنه تم الاتفاق على توجيه ضربة باسم الكيان الصهيوني أو الإيحاء بذلك، فالكيان الصهيوني لا يمكنه أن يفعل شيئًا بدون ضوء أخضر من واشنطن بل لا يمكنه أن يفعل ذلك دون مشاركة عسكرية آمريكية رئيسة في جريمة العدوان.. وهو لا يزال يحاول أن يجر الولايات المتحدة لضربة مماثلة لإيران، ولكن الوضع مختلف تمامًا، لأن إيران سترد الصاع صاعين في حال تعرضها العدوان.

ونفي  »بوش« إعطائه ضوءًا أخضر للكيان الصهيوني يؤكد التأييد الأمريكي لهذه المهمة. 

حيث يقول في مذكراته  »أولمرت«، لم يطلب ضوءًا أخضر، ولم أعطه إياه، لقد فعل ما حسب أنه ضروري لحماية إسرائيل... فلماذا لم يفعل ذلك مع إيران وبرنامجها النووي أكثر تقدمًا من سورية، إذا لم يكن في حاجة لضوء أخضر، ولم يعطه إياه ؟! لماذا أولمرت ومن بعده «نتنياهو» يترددان في مسألة إيران، إذا كانا ليسا في حاجة إلى ضوء أخضر أمريكي؟ بل مساعدة عسكرية وحرب بالوكالة، كما حصل في العراق التي غزاها  »بوش« بناء على معلومات استخبارية صهيونية تفيد بامتلاك العراق أسلحة دمار شامل، وهو ما لم يعثر عليه حتى الآن، وسبب ذلك حسرة في نفس  »بوش«، حتى اليوم، كما روى في مذكراته. 

لقد ذكرت صحيفة معاريف العبرية -بعد صدور المذكرات - أن «بوش» كان مبتهجًا بالضربة وليس متحفظًا عليها، فضلًا عن رفضها .. قال للمحيطين به هذا الشاب  »أولمرت« لديه شجاعة، لذا فأنا أحبه....

نسب «بوش» في مذكراته أقوالًا لعدد من القادة في العالم، ردوا جميعهم على ما ورد في تلك المذكرات تكذيبًا وتوضيحًا، ما عدا الزعماء العرب الذين التزموا الصمت المريب وعلى سبيل المثال، يوجه بوش اتهامًا غير مباشر للرئيس المصري حسني مبارك بأنه كان أحد الأطراف التي ساهمت في غزو العراق من خلال تأكيده وجود أسلحة دمار شامل لدى العراق.. ويقول في مذكراته إن الرئيس مبارك أطلع الجنرال  »تومي فرانكس« على أن العراق لديه أسلحة بيولوجية، وأنه سيستخدمها ضد قواتنا قبل عام ٢٠٠٢م. ورفض  »مبارك« التصريح بذلك الأمر علنًا خشية إثارة الشارع العربي، ولكن المعلومات الاستخبارية التي حصلت عليها من قائد في منطقة الشرق الأوسط يعرف  »صدام حسين« جيدًا كان لها تأثير على تفكيري لم يكشف عن اسم القائد. 

وإن كانت الأصابع متجهة لدولة مجاورة لفلسطين غير مصر.. وكما كانت هناك أخطار ترتبط بالقيام بتحرك، فإن عدم القيام بتحرك كان أيضًا ينطوي على أخطار فامتلاك صدام الأسلحة بيولوجية كان يمثل تهديدًا خطيرًا لنا جميعًا ... لكن المتحدث باسم الرئاسة المصرية نفى يوم الإثنين الماضي كل ما يتعلق بالرئيس مبارك في هذا الصدد وذلك بعد صمت دام أسبوعين

ردود عديدة

يتحدث بوش عن دور الرئيس السلطة الفلسطينية  »محمود عباس« في تازيم الأوضاع بالمنطقة، ليمثل ذلك غطاء للعدوان الصهيوني المتواصل على الأراضي الفلسطينية عبر الاستيطان وقتل الفلسطينيين في غزة والضفة والقدس والعمل على هدم المسجد الأقصى.. قال عباس: إنه على استعداد لمواجهة الارهابيين، ولكن قبل أن يترجم أقواله إلى أفعال فإنه بحاجة إلى المال وقوات أمنية يمكن الاعتماد عليها ...

ومن أخطر ما آورده  »بوش« في مذكراته حول فلسطين تبرير حصار غزة لصنع زعامة مزيفة وإنجاز كاذب لكل من  »محمود عباس« و سلام فياض فيقول: كنا نريد أن يرى سكان غزة التناقض الكبير بين ظروف معيشتهم تحت قيادة حماس، وتلك القائمة تحت قيادة السلطة الفلسطينية بالضفة الغربية، وكنت واثقًا أنهم مع الوقت سيطلبون التغيير...

الغريب أن العديد من المسؤولين السابقين والحاليين في العالم ردوا على الفقرات التي تخصهم في تلك المذكرات ما عدا العرب فالمستشار الألماني السابق  »جيرهارد شرودر« وصف الرئيس  »بوش «بالكذب حيث زعم الرئيس الأمريكي السابق أن  »شرودر آيد «الحرب على العراق، ولكن الأخير نفى ذلك بقوله : قلت بوضوح : إن ألمانيا ستكون وفية إلى جانب الولايات المتحدة إذا تبين أن العراق - كما كانت افغانستان  تشكل ملاذًا ونقطة انطلاق المقاتلين من تنظيم «القاعدة».

إيران والحلفاء العرب

يتحدث «بوش» في مذكراته عن رحلته إلى الشرق الأوسط، عام ۲۰۰۸م، قائلًا: في مطلع ۲۰۰۸م قمت برحلة إلى الشرق الأوسط حيث حاولت إقناع القادة هناك بأننا ما زلنا ملتزمين بالتعامل مع إيران.. ووجد قادة إسرائيل، وحلفاؤنا العرب أنفسهم في لحظة نادرة من الوحدة، حيث كانوا جميعهم قلقين جدًا من إيران، وكانوا غاية في الغضب من التقييم المشترك الذي أصدرته أجهزة الاستخبارات القومية، مشيرًا إلى أن تقييم أجهزة الاستخبارات قيده ومنعه من استخدام الخيار العسكري .. فأين كان الكيان الصهيوني؟ وكيف لم يستطع تكرار تجربة مجمع سورية ؟! لقد عبر جورج بوش الابن عن غضبه من تقييم أجهزة الإستخبارات النشاطات إيران النووية، واصفًا ذلك بأنه كان له أثر كبير، لكنه لم يكن تأثيرًا جيدًا ...

الرابط المختصر :