العنوان مذكرات السلطان عبد الحميد
الكاتب محمد حرب عبد الحميد
تاريخ النشر الثلاثاء 23-سبتمبر-1975
مشاهدات 0
نشر في العدد 268
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 23-سبتمبر-1975
مذكرات السلطان عبد الحميد
ترجمة الأستاذ
محمد حرب عبد الحميد
المدرس المساعد
بكلية الآداب بجامعة عين شمس
تعليق الهوامش: محمد أحمد الراشد
الحلقة الرابعة
اسباب عزوفة عن
الحرب
لاستطاع عبد
الحميد دول بلقان
مذكرات آخر خليفة
إسلامي
٥ مارت ۱۳۳۳
قصر بيلربي
ادَّعَوا علي كثيرًا
بأنني أبديت ضعفًا في مسألة الروملي الشرقية.[1]
إظهار الضعف يعني عدم
الإفادة من القوة الموجودة، فأي قوة كانت موجودة ولم أستخدمها في الدفاع عن حق
الحاكمية في الروملي الشرقية؟ لم أسمع حتى الآن منصفًا قال وفكر بهذا.
استطاعت حکومتنا أن تعرف
بواقعة الاستيلاء على «فلبة» بعد أن سيطر عليها أمير البلغار «دوباتنبرج» وذلك عندما أخبرني بها عزت أفندي ناظر البرق، بعد أن علم بها من برقية
أرسلت إلى سفير روسيا.
كان سعيد باشا وقتها هو
الصدر الأعظم.
وفي بعض بياناته وكتاباته التي قرأتها بعد تركي
للعرش، رأيت بحيرة وأسف أن سعيد باشا قد حرف الوقائع لصالحه.
لم يعلم سعيد باشا باعتداء
البلغاريين أول الأمر. ولما شاعت هذه الواقعة في إستانبول أبدی ترددًا فترة، ثم اكتفى أثناء بحثها ببيان عاكف باشا رئيس مجلس شورى
الدولة.
كان لإرسال الجنود إلى فلبة
في ذلك الوقت لحل هذه المسألة مخاطر عدة، فلم يكن الجيش الذي تبعثر عام ٩٣ قد أعيد
تنظيم صفوفه بعد، والخزانة ما زالت خاوية على عروشها، بل وكان سد حاجات الجنود
وصرف مرتبات الموظفين يشكل عقبة كؤودًا، فالنقد اللازم لذلك لم يكن من السهل
إيجاده، وهناك ولايات لم يتسلم جنود الجندرمة فيها مرتباتهم منذ عشرين وثلاثين
شهرًا.
وجدت أنه من الخطر دخول
حرب في ذلك الوقت مجهولة النهاية، مظلمة، ندخلها في سبيل الدفاع عن حق السيادة
الذي لم يتبقَّ منه غير الاسم فقط.
قالوا: إنني أظهرت خور عزيمة في هذا الموضوع، لأنني لم أخصص له بعض الكتائب من
الفرقة الثانية المكلفة بحراسة القصر. ذهبت أو لم تذهب
بعض كتائب الفرقة الثانية، فما هي النتيجة التي كان من الممكن أن تحدث من جراء
هذا؟ هل يمكن لعدة كتائب من الفرقة الثانية أن تهزم الجيش البلغاري الذي انتصر في
ذلك الوقت على جيش الصرب الذي كان أكثر انتظامًا واستعدادًا بالقياس لنا؟!
نوايا الدول العظمى
وتحركاتها في هذا الموضوع كانت غير معلومة.
فبينما كانت الاحتمالات
الأولى تشير إلى توجيه الروس ضربة، فإذا هي تقف من البلغار في هذا موقف المعارضة
والعداء.
كان لا بد من تقديم
تضحيات قليلة بين الحين والحين لكي يمكن المحافظة على إمبراطورية ضخمة من الاهتزازات
العنيفة.
لم أكن أستطيع التحدي في
كل اتجاه، بينما كان الشرق والغرب كله ضدنا. لو كنت اندفعت إلى دخول الحرب ضد البلغار في فلبة، فلن يواصل البلغار
والصرب العداء، بل سيتحدان ضدنا، ولن تصبح المسألة في ذلك الوقت مسألة الروملي
الشرقية، لكنهم كانوا سيقولون معها بحل مسألة مقدونيا أيضًا.
عندما اعتدى البلغار على
الروملي الشرقية، اتحد اليونانيون معهم لإجبارنا على قبول مطالبهم في منطقة يانيا
والجزر.
هؤلاء اليونانيون حشدوا
حشودهم على حدود آلاسونيا، بحجة اختلال التوازن في البلقان، ولم تكن هناك قوة
تستطيع أن تمنع الجبل الأسود- الذي كان أقصى أمانيه أن
ينزل في أشقودرة- من الإفادة بهذه الفرصة.
ولو كنت فقدت أعصابي
وتدخلت بسبب إبعاد «غاورييل باشا» البلغاري عن ولايته للروملي الشرقية، لكنت أعددت بيدي في ذلك الوقت كارثة
عام ۱۳۲۸، حيث لم يكن لنا أدنى استعداد من جيش وميزانية.
إن الحرب البلقانية التي
حدثت مؤخرًا[2] جعلت قلبي ينزف دمًا، لكن يعزيني أني استطعت في أيلول ۱۳۰۲، وبموقف حازم
محتاط للأمور، أن أؤجل وقوع هذه الكارثة ٢٨ عامًا.
الذين يعرفون سعيد باشا
عن كثب، يعترفون بلا تردد، أن هذا
تلقيت نبأ وفاة حمدي باشا
والي سوريا وأنا في دار الضيافة وبناء على أهمية سوريا، سألت شیخ الإسلام عرياني
زادة أحمد أسعد أفندي عن أنسب الأشخاص للمنصب الشاغر، وكان رأي فضيلته تعيين ناظر
الأوقاف كامل باشا واليًا على سوريا بعد أن برز في قيامه بوظيفته في هذا المجال،
وبناء على حسن الصيت الذي اكتسبه. فهمت أن هناك تيارًا بين
الوزراء لإبعاد كامل باشا، ومن هنا كان تعيين كامل باشا مکان منافسه سعيد باشا.
وسواء كان سعيد باشا في
الصدارة أم بعيدًا عنها، فإنه لم يجبني أبدًا على سؤال سألته إياه بإجابة قاطعة.
لم أكن أعرف سعيد باشا
إلى اليوم الذي توليت فيه العرش. في ذلك الوقت أشار علي به
الداماد محمود باشا ناظر التجارة. كان كاتبه. وكان في الحقيقة كاتبًا مقتدرًا، ولم يكن أقل من ضياء باشا وكمال بك
وأمثالهم المشهورين في ذلك الوقت . وكان يفحص بنفسه ما يعرض
على الباب العالي، وكان مشغولًا بالأعمال اليومية. تجمع نفوذ الحكومة في القصر أثر من آثار رأيه واجتهاده
. ونظرًا لتمركز الحكومة في الباب العالي، وتمركز السلطنة في السراي، فيجب
تفوق السلطنة على الحكومة.
القائل لهذا الكلام هو
المرحوم نفسه، لكنه لم يذكر هذا قط في مذكراته التي نشرها بعد تنازلي عن العرش. كلامي مؤيد بالقيودات الموجودة في الباب العالي، ولو وجدت الوثائق التي «سربت» من خزانة الأوراق، فإنها يمكن أن تتم الأوراق التي ذهبت من قصر يلدز .
حمَّلني في مذكراته
مسئولية التقصير في مشكلتي تونس ومصر، بينما كان هو في ذلك اليوم يبعثر الأيام
والشهور في «ليت ولعل».
وإني أفخر بما أسنده إلي
على شكل تقصير.
لم أكن أتصور اتخاذ الحرب وسيلة لكل مسألة من
المسألتين، فأنا دائمًا ضد الحرب، ولو كنت اندفعت للمقاومة في تونس، فربما تسببت
في ضياع سوريا.
لو وقفت بعناد في مصر، لكنت بالتأكيد فقدت
فلسطين والعراق.
لم ينكر سعيد باشا نعمتي
فحسب، بل إني جد آسف لتحريفه حقائق الأمور.
لا يجوز أن أضع الحاكمية
الحقيقية في الخطر، وأندفع للمحافظة على الحاكمية اللفظية.
سعيد باشا المتردد
المتوهم كان يبدو أحيانًا شجاعًا. ففي فترة من فترات
المسألة المصرية أبدى إصرارًا على إعلان الحرب على إنجلترا، وإرسال جيش بري إلى
هناك. وكان يأمل في معارضة فرنسا لاحتلال الإنجليز مصر. منعت هذا. وعلى كل، فإني أوصيت ببحث الأمر مرة أخرى في
مجلس الوزراء في حضور الغازي أحمد مختار باشا. وزال هذا الخطر عند الاعتراض الحازم والسليم الذي أبداه مختار باشا.
وفرنسا حتى اليوم لم تمد
يدًا، ولم ترفع صوتًا.
إن شاء الله لن يحيق بهذه
الدولة هذه النتائج التي تزعجني.
صاحب الجلالة والشوكة
أخي، صاحب الإرادة الضعيفة، لا يستطيع مباشرة مهام أمور الدولة بنفسه.
وإني أنصح الأبناء والإخوة
الذين سيأتون بعد هذا، ألّا يدخلوا حربًا، قصيرة كانت أم طويلة. ومرة أخرى أقول: إن الحروب التي تنتهي
بالنصر ترهق الأمة، مثلها في ذلك مثل الحروب التي تنتهي بالهزيمة وأمور مثل «الرفعة والمجد» تظهر آثارها الجميلة على البلاد العامرة
الأطراف، الآمن يومها، الآمن غدها، أما الجائعون العراة في الأراضي الخربة، ويدعون
«الرفعة والمجد»، ويجرون خلفهما، فلن يكون هناك أمر مضحك مفجع
كأمرهم.[3]
أوجدت في الفترات الأخيرة
من سلطنتي أمل قیام اتحاد بلقاني، وكان سفيرنا في باريس منير باشا يعمل في سبيل
هذا الأمر سرًّا وجهرًا، وكانت دول البلقان أمام خطرين: روسيا والنمسا. مجهول ذلك الشكل الذي ستسفر عنه الأحوال، ولو أن
من المشاهد تفكك روسيا في الحرب العامة، إلا أن طالعها لم يتعين بعد، ولو أنها
تخلصت من الثورة التي تهزها من الداخل منذ أكثر من عام- رغم ضخامتها- فستظهر روسيا أكثر قوة. ما هو هناك اليوم[4] عبارة عن نضال فكري أشد من ذلك الذي كان في الثورة الفرنسية الكبيرة.
كنت أحاول أن أوقظ
البلقانيين أمام هذين الخطرين المشتركين.
كنت سأحصل على تعويضات
مجزية مقابل تضحية لفظية في مسألتي البوسنة والهرسك، مثل التراجع عن الحاكمية
هناك، وهي عبارة عن اسم جاف. وبدأ الملك كارول، ملك
رومانيا، يسير على الدرب رويدًا رويدًا، بعد أن كان محجمًا شاكًّا في أول الأمر.
حدث انقلاب تموز[5] في الوقت الذي
كانت فيه المحادثات، وكانت بدأت بالفعل تؤتي ثمارها، حتى إن منير باشا- وكان متوجهًا إلى إستانبول- عاد دون أن يمر بالمدينة.
حاولوا بعدي تأليف
العناصر الداخلية ببعضها البعض، فتحدوا العالم دون أن يقيموا هذا التآلف، وإذا بالاتفاق
الذي كنت حريصًا عليه وأريده، وبذلت الجهود في سبيله، قد تطور إلى شكل لم أكن أحبه
ولا أريده على الإطلاق. أعني أن الأمر انقلب إلى
الضد، إلى ضدنا.
فذات يوم انقضت علينا
أربع دول بلقانية.