العنوان مذكرات السلطان عبد الحميد
الكاتب محمد حرب عبد الحميد
تاريخ النشر الثلاثاء 09-سبتمبر-1975
مشاهدات 0
نشر في العدد 266
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 09-سبتمبر-1975
مذكرات السلطان عبد
الحميد
ترجمة الأستاذ محمد
حرب عبد الحميد
الأستاذ المساعد
بكلية الآداب بجامعة عين شمس
●
عبد الحميد خفض الديون التي
على الدولة إلى العشر.
●
والانقلابيون رفعوها إلى
ثلاثة عشر ضعفًا..
●
قرار دخول الحرب مع روسيا كان
جماعيًا ولم ينفرد به عبد الحميد
۳۰
مارت ۱۳۳۳
قصر بيلربي
قال لي مرا مرافقي: إنه سمع مناقشة حادة جرت في
إحدى القمرات الجانبية في باخرة «قاضي كوي» «۱» بين مجموعة تتألف من أربعة أو خمسة أشخاص.
انتقد أحدهم بحدة
الفقر الضارب أطنابه في هذه الأيام، وحمل الحكومة المسئولية. تصدى له آخر، أشقر
الشارب، ورد عليه غاضبا، وهو حاد الحركة واللسان.
- هذا الحريق تركه لنا عبد الحميد. سجن مدحت باشا ثم
قتله، واتبع طريقا كان ولا بد أن يؤدي بنا إلى هذا الحال.
عرف مرافقي بعد اهتمامه وتحريه أن قائل هذا
الكلام هو الطبيب ناظم بك السلانيكي.
كنت دائمًا أسمع عن الدكتور ناظم بك منذ عشرين
عامًا. كان يعمل ضدي مع
أحمد رضا بك كانوا يقولون لي: إنه أحد أركان الاتحاد والترقي المتعصبين. كان معجبًا بنفسه
ولا يعجبه أحد. كان رجلًا لا يصادق، فلا مودة فيه. کنت أتعقب أحيانًا
من مكاني في القصر حياة وحركات المخالفين لي. كنت أعرف أن الدكتور ناظم بك لا يعمل
بمهنته الأصلية، وهي الطب، وإنما يشتغل بالسياسة ولكن ما هي السياسة التي يشتغل
بها؟ هذا ما لم يكن واضحًا. فقد كان يشتغل بسياسات مختلطة، ولكنهم قالوا: إنما كانت له ميزة
واحدة: إنه كان وطنيًا
متميزًا بين رفاقه بحرصه الشديد على رفضه أية مأمورية يكلف بها، صغيرة كانت أم
كبيرة.
لن أتحدث هنا عن
شخص الدكتور ناظم بك، ذلك الرجل الذي وجد نفسه الصلاحية لتجريد اسمي حتى من اللقلب
الذي حملته عن إرث جدارة، وإنما سأتحدث عن هذا القدح المبتذل الذي وجهه إلى وهو جالس
في إحدى القمرات الجانبية في أخرة قاضي كوي.
هل أشعل عبد الحميد
حريقا أم لم يشعل؟ وهل كانت المواد المساعدة على الاشتعال موجودة أم لم تكن موجودة
عبر فترة تشتت بلغت الثلاثمائة عام سابقة على عهد عبد الحميد؟!
ليس هنا مكان
مناقشة هذا، لأنه تاريخ، والدكتور ناظم بك ورفاقه سيدخلون التاريخ ذات يوم.
لقد سلمت الحكومة في تموز ١٣٢٤ إلى هؤلاء «المجاهدين»!! وفي نيسان ۱۳۲5 سلمت السلطنة إلى صاحب الشوكة والجلالة
أخي.
في عهدي كانت حدودنا ممتدة من أشقو درة إلى خليج
البصرة، ومن البحر الأسود إلى صحاري أفريقيا.
وإذا عقدت مقارنة بين عددي «الماناق دو غوطه» الصادرين عام ۱۹۰۸
وهذا العام، فسيتضـح لخلفائي أني لم أخلف حريقا، وإنما ترکت منطقة هائلة تضم أكثر
من ثلاثين مليون نسمة، وجيشا. مضى على هذا عشر سنوات، فهل استطاعوا عمل ثلث ما
عملته أثناء مدة سلطنتي؟!
دعك من الثلث،
فلنقل: العشر.
فهل استطاعوه!؟
عندما توليت الحكم
كانت ديوننا العمومية تقرب من ثلاثمائة مليون ليرة، وفقت إلى تخفيضها إلى ثلاثين
مليون ليرة، أي إلى العشر، وذلك بعد دفع ما تطلبته حربان كبيرتان وعدة تمردات
داخلية. أما ناظم بك ورفاقه فقد رفعوا هذا لرقم من ثلاثين مليون ليرة حيث تركته
الى أربعمائة مليون ليرة، أي الى ثلاثة عشر أمثاله!!
يعني أن خلفائي- ولا أقصد هنا أخي،
فانه لا يملك من أمر السلطنة شيئًا، ولذلك أقول: خلفائي- أظهروا فعالية ونجاحًا عظيمين في زيادة
ديوننا.
كيف كانت الظروف
وقت توليتي العرش؟ أحاول أن أتذكر.
نعم، تمرد البوسنة
والهرسك.
هزموا الجيش وحاصروه في الجبل الأسود.
الصرب تعلن الحرب
بقوات منظمة وخطرة «۲».
من هذه البادرة انفجرت الحرب الروسية الفظيعة «۳».
بالطبع ليست من نتاج عهد سلطنتي كل هذه الوقائع
الداخلية والخارجية.
توليت السلطنة بعد خلع سلطانين متعاقبين، وأزمة
وزارية استمرت93 يومًا، وفراغ في السلطنة.
والأمة كانت تزعم أنها وصلت إلى رشدها.
عينت على الفور مدحت باشا في الصدارة العظمى،
وكان محل ثقة العموم. وبالتالي: أكون قد تركت للأمة المسائل التي اقترحتها
روسيا أو بمعنى آخر: قبول الحرب مع روسيا أو رفضها.
مدحت باشا، الذي كان محل ثقة كبيرة وحب بالغ من
الشعب ترأس «المجلس العمومي» الذي شكل لبحث المسألة ومناقشتها.
على هذا أكون غير مسئول عن حرب ٩٣ ولا عن
نتائجها. لا هي مسئوليتي الشخصية، ولا مسئوليتي كسلطان.
وعندما نتحدث عن
الحرب أقول: إن القادة الذين عينتهم في ذلك الوقت كانوا من القادة النادرين، ليس في
تلك الفترة فقط من تاريخ الدولة، وإنما أيضًا في الفترات السابقة واللاحقة لها.
وإنه لمما يخدش إنصاف التاريخ وعدالته أن تلقى
على وعلى عهدي مسئولية فشل هذه الحرب وأسبابها، كانعدام وسائل المواصلات وارتفاع
لهيب حركات العصيان التي امتدت داخل الأقليات غير المسلمة الروملي حتى وصلت إلى
داخل ولاية أدرنة.
سارعت لنجدة ضحايا
هذه الكوارث التي جرتها تلك الحرب.
لقد بذلت كل ما في وسعي لإيجاد المأوى وسبل
الإعاشة ووسائل التخفيف عن هؤلاء المهاجرين إخوتنا في الدين.
كانت قرى التهجير موجودة في كل أنحاء البلاد، من
إسطنبول إلى سيواس، إلى حلب. قدمت من جيبي الخاص تقربًا وزلفى إلى الله. لعباده الذين حملهم
أمانة في عنقي، نفقات الجوامع الشريفة في كثير من هذه القرى.
لم يفارق ذهني- ليس في أيام ضيقة
كأيامي هذه، وإنما في أكثر أيامي سعة ورخاء- منظر امتداد أيدي الجائعين من أفراد الشعب
إلى لقيمات تدخل معدتهم لكي تشبع بطون ثلاثة أشخاص أو خمسة حتى التخمة تحت شعار
التجارة الوطنية. كانت نفقات عباد الله، ووقودهم، وأدويتهم، لا
تفارق تفكيري أبدًا وأنا لا أذكر هذه الأمور في معرض الدفاع عن نفسي، لأن الذين
حلوا محلي دافعوا عني كثيرًا، بما فعلوه، حتى إني كنت أشكرهم كثيرًا على هذا، لو
لم يظهر شبح النكسة التي أحلوها بديني ودولتي.
لا أجد من حقي أن
أفخر بالخدمات المتواضعة التي عددتها، لأنها كانت واجبي. واليوم أنظر في ندم وفي أسى، وإذا عشت
فسأعترف بقلمي وبالتفصيل، بأنه كانت لي عدة مناح تقصير.
هيا إلى ذلك الوطني
الغيور الدكتور ناظم بك، ولأعلن أنه على حق، وإني معه، و:
- هذا الحريق تركه لنا عبد الحميد!!
لو كان هذا الطبيب المحب للحق إنسانًا رجلًا،
فيجب ألا ينكر أنهم بدلًا من أن يطفئوا بالماء ما خاله حريقًا، فقد سكبوا عليه
بترولًا.
يبدو أن كبر سني يمنعني من الكتابة أكثر من هذا. تعبت. وعندي حديث أيضًا
عن مدحت باشا، فإذا وجدت وقتًا، وشاء الله، فإني سأكتب غدًا عن هذا.
«۱» قاضي كوي هو حي في إسطنبول الأسيوية. ويوجد خط ملاحي
صغير يربط شطري إسطنبول الأوروبي
والآسيوي.
«۲» في «حاضر العالم الإسلامي» و «تعليقات على تاريخ ابن خلدون» لشكيب أرسلان شرح
تفصيلي لهذه الأحداث والثورات،
«۳» الحرب العثمانية الروسية عام ۱۸۷۷، وهي
تسمى عند الأتراك: حرب ۹۳، لأنها حدثت في تقويمهم عام ١٢٩٣.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل