العنوان مذكرات السلطان عبد الحميد
الكاتب محمد حرب عبد الحميد
تاريخ النشر الثلاثاء 30-سبتمبر-1975
مشاهدات 15
نشر في العدد 269
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 30-سبتمبر-1975
مذكرات السلطان عبد الحميد
• الثوار عملاء يقبضون من الإنجليز الأموال
• عبد الحميد يعود لإيضاح أبعاد خلافه مع
وزيره مدحت باشا
• عبد الحميد يقول: صدر دولتي يعتمد على
ظهر عدوها
الحلقة الخامسة
ترجمة الأستاذ محمد حرب عبد الحميد
المدرس المساعد بكلية الآداب بجامعة عين
شمس
6 مارت 1333
قصر بيلربي
عند إعادة قراءة ما كتبته عن مدحت باشا،
وجدت أني مررت على إحدى النقاط مر الكرام. ترددت كثيرًا عندما فكرت في تركها، ولكن
ليس من شيء أخفيه عن الله وعن التاريخ. مهما اختبأ الشيء ومهما تسترنا عليه، فلا
بد أن يظهر يومًا بكل تفرعاته.
إن سلطانًا مثلي حكم الدولة العثمانية
زهاء ثلاثين عامًا، يجب أن يفصح عن كل ما يعرف، حتى ولو كانت الحقيقة تبدو له
مؤلمة كالسم.
كنت أعلم أن السرعسكر عربي باشا قد أخذ من
الإنجليز أموالاً. إن رجلاً من رجال الدولة يأخذ مالاً من دولة أخرى لا بد وأن
يكون قد قدم لها خدمات. يعني هذا أيضًا أن خلع المرحوم عمي السلطان عبد العزيز
وتولية السلطان مراد العرش بدلاً منه، لم يكن حسدًا فقط من حسين عوني باشا، ولكنه
إرضاء لرغبة دولة أخرى أيضًا.
وكما كتبت من قبل، فإن السلطان عبد العزيز
كان قد جرد حسين عوني باشا من رتبته ونياشينه، ونفاه إلى إسبرطة. لم يكن حسين عوني
باشا في ذلك الوقت يملك شروي نقير، بالإضافة إلى أنه كان مريضًا.
عندما أُبلِغَت إليه إرادة عمي، كان في
منزله؛ تملكته الحيرة والدهشة، وظهر عليه الندم الشديد. كان يفكر في أنه لا يمتلك
شيئًا، وأنه لم يستطع تأمين دخل له حتى ذلك اليوم. كثيرًا ما سُمِعَ حسين عوني
باشا وهو يقول في تلك الأيام: "آه، لو تسنح لي فرصة أخرى لعرفت ماذا
أفعل!".
كان لحسين عوني باشا مزاياه، كما كانت له
عيوبه؛ كان يثق بنفسه كثيرًا، وكان يظن أنه يعرف ما لا يعرفه أحد.
وكانت الهدايا القيمة التي قدمها، سواء
للقصر أم لأصدقائه المقربين، بعد عودته من أوروبا، تفوق كثيرًا قدرة باشا حديث
العودة من المنفى الذي قاسى فيه الفقر والحرمان. تلك الأيام لم تغب عن عيني، وأنا
للآن ما زلت مندهشًا متسائلاً: كيف لم يلاحظ المرحوم عمي هذا؟ رغم أن الباشا قدم
له شمعدانًا ثنائيًا مرصعًا عالي القيمة تاريخيًا، واشتراه من باريس بثلاثة آلاف
ذهبًا! علمت بعد ذلك أن تحقيقًا تم في أمر هذا الشراء.
أبلغني موسوروس باشا بهذا، وكان مدحت باشا
وقتها صدرًا أعظم، وكان حسين عوني باشا رفيقًا لمدحت باشا، واشتركا معًا في إنزال
عمي عن عرشه.
مدحت باشا أيضًا -مثل حسين عوني باشا-
اتبع سياسة مؤيدة للإنجليز، وكان دائمًا يفصح عن ثقته في الإنجليز.
أُحِطْتُ بجو تنعدم فيه الثقة. ليس عندي
دليل على اتهام مدحت باشا، ولكن واضح للعيان أن للإنجليز يدًا في عزل عمي عبد
العزيز خان، وصدر دولتي يعتمد على ظهر عدوها. كان من الجنون تسليم الملك لإنسان لا
يتبع إلا خطاهم، وبدأت أتبع حركاتهم بدقة.
لم يهزني شيء في حياتي هزًا ضخمًا قدر شخص
يرتفع إلى مقام قيادة الجيش أو إلى مقام الصدارة العظمى ويقبل نقودًا من دولة
أجنبية!
هذا شيء أكثر من احتمالي.
إذا كان مدحت باشا عابرًا نفس الطريق، فإن
هذا يعني أن الدولة وقعت في الشرك.
كانت الغوائل تحيط بالدولة في ذلك الوقت؛
كنا في حالة حرب مع الصرب والجبل الأسود، والروس على وشك إعلان الحرب، والدول
الأجنبية التي اجتمعت في الترسانة كانوا مؤيدين للروس، يطلبون إعطاء الأرض للصرب
والجبل الأسود والاعتراف باستقلال بلغاريا تحت اسم الاستقلال الذاتي.
اختلت الأمور في كريت، بل حتى في إسطنبول
نفسها؛ يقع فيها كل يوم الجديد من الاضطرابات. الطلاب الكبار في مدرستي الفاتح
وبايزيد، الذين أصروا على التمرد، أتوا حتى أبواب القصر وهم يصيحون هاتفين:
"يحيا القانون الأساسي! يحيا مدحت باشا!". ونظرًا لأن مدحت باشا كان
الصدر الأعظم، فما الواجب عمله لهم لإصدار القانون الأساسي وهو يبعث كل يوم فتنة
ويهدف إلى إفساد الجو؟
بتوالي الأحداث أصبح مدحت باشا في موقف
عدم الثقة بي. وفي هذا الوقت الذي كنت أحجم فيه تمامًا عن الدخول في حرب، إذا بي
أرى أننا ندخل الحرب خطوة خطوة. انتهى مؤتمر وزراء خارجية الدول الكبرى المجتمع في
الترسانة بتوجيه إنذار إلى دولتنا: فإما أن ننفذ ما قالوه بالحرف الواحد، وإما
أنهم يدخلون الحرب معنا بالتعاون مع روسيا ضدنا!
قال مدحت باشا: إن الإنجليز والفرنسيين
سيقفون معنا مؤيدين لنا. وإذا بي في نفس الوقت أتلقى -عن طريق موظف خاص من السفارة
الإنجليزية- رسالة من سالسبوري وزير الخارجية الإنجليزية، يقول لي فيها بصراحة:
إنه في حالة قبولنا الحرب ضد روسيا، فإنهم لن يستطيعوا تقديم أي عون لنا!
أصابتني الحيرة، لكني حاولت مواجهة
الأحداث صابرًا. لم يركن مدحت باشا إلى التوافق مع الدول الكبرى؛ قرروا في مجلس
الوزراء رفض اقتراحات الدول الكبرى، وكان هذا يعني الحرب.
استدعيته إلى القصر على عجل، وطلبت منه
عقد مجلس عام من كبار رجال الدولة قبل إبلاغ الدول الكبرى بقرار موبوء ثقيل مثل
قرار مجلس الوزراء هذا.
انصاع للأمر رغمًا عنه، وهكذا عقد المجلس.
نفذ إرادتي، ولكنه لم يهمل الاستعداد
لاتخاذ قرار يريده هو. أخذ الكلمة الأولى بعده الصدر الأعظم السابق محمد رشدي
باشا، رفيقه في عملية خلع عمي عبد العزيز، فقال: "ليس لأرباب الشرف إلا طريق
واحد، وأنا أؤيد الرفض القطعي لاقتراحات المؤتمر"، قال هذا وخرج.
لو ذُكِرَ في أدب البطولة لأمة من الأمم
عمل رجل كبير من رجال الدولة كالصدر الأعظم السابق، ليمكن استنتاج ما يحدث بعد
ذلك.
صدر القرار كما أراده مدحت باشا، وبه
أصبحت الدولة العثمانية في حالة الحرب، وبه أيضًا اشتركت في الحرب ضدنا -غير الصرب
والجبل الأسود- كل من روسيا وإنجلترا والنمسا والمجر وألمانيا وفرنسا وإيطاليا.
سألت الصدر الأعظم وقائد الجيش عن أحوال
الجيش وتجهيزاته، فقالا لي: إن مئتي ألف جندي تحت السلاح، وأنهم يمكن أن يواجهوا
بقوة كل هجوم يأتي من جانب العدو.
في هذا الوقت تلقيت برقية من الغازي أحمد
مختار باشا، يعلمني فيها أن لديه تحت قيادته ثلاثين ألف جندي، وأنه لا يستطيع بقوة
صغيرة بهذا الحجم مواجهة قوات العدو، والتي تبلغ مئات الألوف!
وبسرعة استدعيت الصدر الأعظم وقائد الجيش
إلى القصر، وأطلعتهم على البرقية. تهرب الصدر الأعظم من الموقف قائلاً: إنه لا
يعرف استعدادات الجيش، وارتُجَّ على قائد الجيش، واعتقدت بأنه من الجنون الدخول في
حرب بأشخاص يحمل الواحد فيهم الذنب والمسؤولية بسهولة، مع عدم إدراك العواقب في
هذا الموضوع الخطير.
لكن الشعب متعلق بمدحت باشا، وينتظر منه
المعجزات، وإبعاده سيكون خطأً من الدولة.
لا يمكن إحراز نصر بصدر أعظم يجهل عدد
الجنود في الجيش، بل يمكن عن طريقه التأكد من إحراز الهزيمة. ومع هذا صبرت وحاولت
أن أكمل نقائصه.
مدحت باشا يريد تنفيذ ما يريده؛ بعد فترة
طلب إقالة ناظر المالية الذي سبق أن زكى تعيينه بالمديح فيه.
سألت عن السبب حسبما يقتضيه القانون
الأساسي، قال: إنه رجل دولة ناجح، ولكن -حسب مصلحة العمل- ينبغي إقالته. كنت أعرف
أنه لا يتوافق مع القانون الأساسي إقصاء شخص ناجح عن عمله. رد عليّ قائلاً: إنه
تسبب في خسارة تبلغ 35,000 ليرة من خزانة الدولة بقرار اتخذه. قدم لي ثلاث مذكرات
لا تتوافق مع بعضها البعض، فطلبت عرض الموضوع؛ غضب وأرغى وأزبد، وبدلاً من أن يوضح
لي، قال للموظف الذي أحضر المذكرة: "إني سأرسل كل من يعين في المالية إلى
السراي، ويقبضون مرتباتهم منها!".
لا أدري إن كان في إنجلترا، أو في فرنسا
التي يهيم بها الباشا، يجيب رئيس الوزراء بهذا الشكل على سلطان؟
ورغم هذا فقد صبرت.
كنت أعلم أن كمال بك وضياء بك ورشدي باشا
وآخرين من رفاقهم يجتمعون كل مساء في قصر مدحت باشا، يعاقرون الخمر ويتحدثون.
وذات مرة قال مدحت باشا: "ليس في
الأسرة المالكة العثمانية خير يُرجَى، ولم يبق إلا الاتجاه نحو الجمهورية. ترى كيف
يمكن هذا؟ إن عدة أشخاص مثلكم يفهمون المسألة الآتية: يوجد في العالم حتى الآن ما
يسمى بآل عثمان، ماذا يحدث لو ظهر ما يسمى بآل مدحت؟".
علمت بهذا من أحد الذين حضروا هذه الجلسة.
وأخيرًا جاءت مذكرة من نظارة الداخلية
تقول إن أحد الذين يأكلون ويشربون كل ليلة في قصر مدحت باشا قال: "أخذ مدحت
الاستقلال، وبفضل هذا نجعل المُرَاد مُرَادًا" (2).
كانوا قبل هذا أيضًا نهضوا لتهريب أخي
السلطان مراد من القصر وهو بملابس النساء، وظهر أن الذين تصدوا لهذا العمل الفاشل
بعض الشخصيات الماسونية مثل مدحت باشا.
إنجلترا كانت دائبة على تسيير الفتن عن
طريق الماسونية.
وكان مدحت باشا لم يكتف بإثارة ما أثار من
مشاكل، فهو من ناحية يريد خلق أزمة في السراي، ومن ناحية أخرى يريد الزج بالبلاد
في أتون الحرب. وقد حاول سن بعض الأعمال التي لا يتصورها العقل، مثل تعيين ولاة من
الأقلية في ولايات الأغلبية فيها مسلمون، وقبول طلبة من الأروام في المدرسة
الحربية التي هي عماد الجيش.
أعمال كهذه يمكن أن تؤدي -معاذ الله- إلى
تقويض الدولة من أساسها. لم أوقع هذه القرارات، ولذلك أرسل لي خطابًا أذكر منه
-وكان خطابًا بعيدًا عن الأدب بمعنييه-:
"إن مقصدنا من إعلان القانون الأساسي
أن ننهي استبداد السراي، ويجب على ذاتكم الشاهانية أن تعلم واجباتكم."
فهمت جيدًا أنني لو تركت كل أعمالي وتفرغت
لإصلاح أخطاء مدحت باشا، فإني لن أستطيع النجاح في هذا.
كان الملك العثماني يهتز من أساسه بناءً
على هذا كله؛ كنت أرى أن الصدر الأعظم يؤيد الإنكليز ويتعاون معهم، سواء بدافع من
ماسونيته، أو بدافع من أسباب أخرى خاصة جدًا به.
ولم أعد أحتمل، فاستندت إلى صلاحياتي في
القانون الأساسي وعزلته عن الصدارة العظمى، وأبعدته خارج الحدود.
وذهب إلى برنديزي.
وعندما خرج من السراي، عبر عن أنانيته
البالغة بقوله: "رحم الله هذه الأمة!".
(1) هذه الإشارة التي غفلنا عنها خلال
تعقيباتنا على الحلقة الثالثة تنفي ما استعجل به قلمنا من اتهام حسين عوني
بالارتشاء، ولا بد من الدقة في كلامنا، وإن كانت التهمة له في هذه الحلقة أعظم
وأكبر. - الراشد.
(2) يعني أنهم سيفرضون السلطان مراد مرة
أخرى بعد خلعه، وكان قد خلع بموافقة رجال الدولة لضعف أعصابه، ولكن مدحت وحزبه
أرادوه لاستغلال ضعفه، ولاعتناقه الماسونية مثلهم. - الراشد.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل