العنوان صفحات من دفتر الذكريات (٥٦) مدريد والرباط ومولاي إدريس
الكاتب الدكتور توفيق الشاوي
تاريخ النشر الثلاثاء 18-يوليو-1995
مشاهدات 71
نشر في العدد 1158
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 18-يوليو-1995
- لقد عشت في المغرب وخرجت منه صديقًا لجميع قادة الأحزاب السياسية رغم ما بينهم من خصومات.
في طريقي من القاهرة مررت «بمدريد» لألتقي بصديقي الدكتور حافظ إبراهيم مرة ثانية، وأستعيد معه ذكريات لقائنا الأول منذ عشر سنوات في عام ١٩٤٩م، وكان حافظ إبراهيم لديه معلومات كثيرة هي في نظري موسوعة كاملة لأحوال المغرب وتطوراتها.
كان البند الأول في جعبته عن الجزائر، وخاصة عن صديقه أحمد بن بيلا المعتقل مع زملائه في فرنسا في ذلك الوقت، ولما أخبرته عن مراسلاتي معهم عن طريق محمد خيضر وأسرته وأسرة زميله حسين آية أحمد، قال لي: «إنك لا تعرف شيئًا في السياسة وأهنئك لأنك اهتممت برعاية شئون الأولاد والأسر وهذا يكفيك»، ولما أشرت لقلقي على هؤلاء الزعماء المعتقلين قال لي: «لا تقلق فهم جميعا في حرز أمين، لكنك عندما تلتقي بهم فيما بعد إذا يسر الله لك ذلك، فإنك لن تعرفهم لأنهم سيكونون شيئًا آخر».
منذ تعرفت به قبل عشر سنوات لاحظت أنه لا يستريح لأي اعتراض على ما يقوله، ويفضل أن يتكلم ويعرض وجهة نظره دون اكتراث بآراء سامعيه أو ملاحظاتهم، وقد نصحني كثير من الأصدقاء بأن أريح نفسي من إبداء أي اعتراض على ما يقول، وأن أستمع فقط لكي احتفظ بما يفيدني مما سمعته وأنسى الباقي.
كما أصر أخي الدكتور حافظ في المرة السابقة على أن يرافقني في رحلة الأندلس وبالأصح أن أرافقه في أول رحلة للأندلس التي كان يرغب في زيارته، فإنه في هذه المرة قرر أن يقوم بأول رحلة له للمغرب الذي استقل، وكان يتشوق لزيارته منذ أقام في «مدريد» وأصر أن أرافقه في هذه الرحلة الطويلة بالسيارة، وكان له منزل على شاطئ البحر في «الشاطئ الشمسي» قرب «ملقا» فذهبنا إليه في السيارة وقضينا يومين للراحة والاستجمام وبعدها انطلق بسيارته قاصدًا الجزيرة الخضراء وجبل طارق، وذكرني بما لقيته من عنت في زيارتي السابقة إلى «طنجة» لأنني لم أستمع إلى نصيحته عندما طلب مني عدم الإقدام على تلك المغامرة وأن أعود معه، واليوم عبرنا معًا إلى «طنجة» لنزورها وهي مدينة مغربية، ولكنها مازالت دولية، ونحن مطمئنان آمنان، لأن معنا جوازات صحيحة، ومنها توجهنا إلى «الرباط» وقصدنا منزل صديقه السفير محفوظ الخطيب الذي استضافه، وحضر إلي صديقي الدكتور محمود أبو السعود الذي استضافني مشكورًا بمنزله.
تحذير من التدخل في السياسة:
طوال هذه الرحلة استمتعت بأحاديث مطولة لا تنقطع من صديقي الدكتور حافظ إبراهيم وهو يقود سيارته ولا يشغله ذلك عن الحديث المتواصل، وأشهد لقد كنت مستمعًا نموذجيًّا ولم أقدم أي سؤال يقطع عليه حبل تفكيره إلا مرة واحدة عندما سألته عن رأيه في الانشقاق الذي حدث في صفوف حزب الاستقلال، عند ذلك أوقف سيارته وثار في وجهي قائلًا: «إنك ذاهب إلى المغرب لتشتغل في القانون والجامعة، وإياك أن تشغل نفسك بشئون سياستهم أو أحزابه إني أحذرك من ذلك».
إني أشكر صديقي حافظ إبراهيم على هذه النصيحة التي استفدت منها كثيرًا، فقد التزمت بهذا المبدأ وعشت في المغرب وخرجت منه وبقيت صديقًا لجميع قادة الأحزاب المختلفة رغم ما بينهم من خصومات ونزاعات ولم أشعر في أي يوم بالحاجة إلى سؤالهم عنها أو التدخل فيها رغم أنهم جميعًا كانوا يفضون إلي بما في نفوسهم، كما أنهم يستطيعون أن يشهدوا بأنني بقيت صديقًا مخلصًا للجميع، ولم تشب صداقتي لأي منهم شائبة من الشوائب الناتجة عن الخلافات التي حدثت فيما بينهم.
كان كثير منهم يبث لي شكواه من الآخرين ويعرض انتقاداته لما بدر منهم، لكن كنت أحتفظ بكل ذلك لنفسي، وعندما أتكلم مع أي واحد ينتمي إلى أحد الفريقين كنت أقدم له آرائي الشخصية التي أقتنع بها، ولم أتردد في ذلك لحظة واحدة.
لقد أشرت من قبل إلى قصة انشقاق المهدي بن بركة وأصحابه على زعامة علال الفاسي وعندما وصلت المغرب لاحظت أنهم يسعون إلى السيطرة على قواعد حزب الاستقلال الذي انشقوا عليه، وذلك بقصد القضاء على زعامة السيد علال الفاسي، وكنت واثقًا أن هذا كان بتحريض من حلفائهم في المخابرات الناصرية لأن القضاء على الأحزاب الوطنية كالقضاء على الحركات الإسلامية في شمال إفريقيا كان نقطة أساسية في برنامج الحكم العسكري في مصر.
لقد ساعدت الحكومة المصرية ومخابراتها المهدي بن بركة في أن يشق حزب الاستقلال نصفين ويضم إليه كثيرًا من عناصره في الخارج بل وفي الداخل أيضًا، وكانوا يسمون أنفسهم "المراكز الإقليمية لحزب الاستقلال"، لكن بعد ذلك فكروا في أن ينشئوا حزبًا جديدًا أسموه «الاتحاد الوطني للقوات الشعبية»، وكان هذا الحزب يضم العناصر الاستقلالية ذات الثقافة الحديثة، وتعتبر أنها تمثل الاتجاه العصري داخل الحزب، وكانوا يتبرمون بزعامة علال الفاسي لأنه من خريجي جامعة القرويين المماثلة للأزهر في مصر، وكان في نظرهم شيخًا قرويًّا، وكان فكره إسلاميًّا تقليديًّا، وكانوا يعتقدون أن ذوي الثقافة الأوروبية هم الذين يجب أن يأخذوا زمام القيادة للحركة الوطنية في هذه المرحلة بعد الاستقلال، كما كان الحال في كثير من الشعوب العربية.
هؤلاء كانوا يحظون بثقة وتشجيع من كثير من جماعات الأوروبيين والفرنسيين، بل والعرب «التقدميين»، لأنهم كانوا يستطيعون أن يتكلموا لغتهم ويهضموا آراءهم ولا يحسون بالتناقض بينهم وبين الفرنسيين أو العرب ذوي الثقافة العصرية، ولكن الذي أدهشني هو كيف استطاعوا أن يتقربوا من الملك حتى يعطيهم الوزارة بدلًا من وزارة حزب الاستقلال؟ لكن ظهر لي أن هذا كان مجرد إجراء شكلي لأن أغلب الوزراء كانوا مستقلين، بل كان أمرًا مؤقتًا، لأن وزارتهم لم تعمر طويلًا ولم يعودوا للحكم بعدها.
رغم صداقتي مع قادة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية المنشق عن حزب الاستقلال فلقد بقيت علاقتي وطيدة مع السيد علال الفاسي الذي كنت أعجب كثيرًا بآرائه واتجاهاته الإسلامية وأشاركه فيها، ولم يكن لصداقتي مع المهدي بن بركة وأصحابه أي تأثير على صداقتي مع السيد علال الفاسي وأعضاء حزبه جميعًا.
معارضتي للحكم العسكري:
ولقد كان المهدي بن بركة وأصحابه يعرفون جيدًا معارضتي للحكم العسكري في مصر الذي يتحالفون معه ويتعاونون معه، ولم ألحظ أن لديهم أي اعتراض على ذلك، وعندما التقيت ببعضهم في القاهرة عام ١٩٥٦م عقب خروجي من المعتقل كشفت لهم عن آثار التعذيب على جسمي، وقلت لهم: «إذا كنتم أنتم تقبلون على أنفسكم أن تكونوا أصدقاء حكام يستعملون هذه الأساليب فسوف تستعمل ضدكم في يوم من الأيام» فكانوا يضحكون ويقولون: «إن المغرب غير مصر، ولا يمكن أن يكون فيها حكم دكتاتوري أو عسكري»، ويمكن أن يسأل الأحياء منهم الآن عن رأيهم في ذلك التفاؤل.
كان لي أصدقاء كثيرون لا ينتمون لحزب الاستقلال، ولا لجماعة بن بركة.
كان أول ما فعلته عندما جلست بالصالون في أول يوم وصلت فيه المغرب بمنزل صديقي الدكتور محمود أبو السعود أن وجدت أمامي دفتر التليفونات المدينة الرباط، وفتحته من باب حب الاستطلاع ففوجئت بالصفحة الأولى تحت عنوان «الديوان الملكي» باسم زميل وصديق عرفته في باريس وهو مولاي أحمد العلوي الذي عين بالديوان الملكي فور عودته من باريس، وكان مختصًّا بالشئون الصحفية الإعلامية، وامتدت يدي إلى التليفون وأدرت رقم منزله وفوجئت به عندما سمع صوتي يقول لي بالحرف الواحد: «هذه أحسن مفاجأة لي هذا العام أن أسمع صوتك في التليفون تحدثني من الرباط».
دون أن يسترسل معي في الحديث قال لي فورًا «إنني سعيد الحظ لأنني أريد أن أراك فورًا ولكن الأفضل أن نلتقي غدًا، لأنه سيقام حفل رسمي بالمولد النبوي برئاسة جلالة الملك في مدينة مولاي إسماعيل، قرب مدينة «مكناس»، وما دمت مع محمود أبو السعود فأرجو أن تحضر معه إلى هناك غدًا وسأكون بانتظارك».
كان مولاي أحمد العلوي طالبًا في الطب بباريس عندما وصلت هناك، ومع ذلك كان اشتغاله بالشئون الصحفية والعلاقات العامة والسياسة أكثر من اشتغاله بالطب، ولذلك فإنه لم يتم دراسته وسارع بالعودة إلى المغرب فور عودة الملك محمد الخامس من المنفى وإعلان الاستقلال ونظرًا لأنه ينتمي إلى الأسرة العلوية فقد عينه الملك بديوانه مسئولًا عن شئون الصحافة والإعلام بمجرد عودته للمغرب، ثم عين وزيرًا عدة مرات واستقر به المقام مسئولًا عن مجموعة الصحف الفرنسية الحكومية وما زال حتى اليوم.
ومنذ عرفته في باريس كان مدمنًا على الاطلاع على الصحافة الفرنسية خاصة الصحف اليسارية، وكان يقرأها بنهم وشره حتى صار متأثرًا إلى حد كبير بوجهة نظرها في الشئون العربية والعالمية، وأذكر أنه عندما دعيت لإلقاء محاضرة عن الجامعة العربية في نادي الطلاب شارع «سان ميشيل ۱۱۵»، المشهور كان أكثر الطلاب حماسًا في مقاطعتي لمهاجمة الجامعة، حتى أنه وقف يعارض ما أقوله عن علاقة الجامعة بفكرة الوحدة العربية، وكان يردد ما تروجه الصحف الفرنسية من أن هذه الجامعة لا تمثل مصالح الشعوب العربية، وإنما هي مجرد أداة في يد السياسة البريطانية، وكان للفرنسيين مصلحة في ترويج هذه الفكرة والتشهير بالجامعة بسبب وقوف الجامعة ضد فرنسا في قضية سوريا ولبنان التي انتهت باستقلال هذين البلدين رغم أنف فرنسا التي اعتبرت ذلك هزيمة كبرى لها بعد هزيمتها الأولى أمام الجيش الألماني في بداية الحرب، أما هذه الهزيمة فإنها نسبتها إلى السياسة البريطانية مدعية أنها شجعت العرب على معارضة النفوذ الفرنسي، وكان كلما قام معترضًا على ما أقوله ولا أرد عليه يصبح صيحته التي رددها كثيرون من إخواننا فيما بعد وهو قوله: «الكلام لك يا شاوي».
وأعتقد أنه منذ عاد إلى المغرب واستقر به المقام في الديوان الملكي قد تخلى عن كثير من آرائه اليسارية، وإن كان مازال يحتفظ بالعلاقات الشخصية مع كثير من الصحفيين الفرنسيين من جميع الاتجاهات، حتى إن أحدهم أراد استفزازه في إحدى المناسبات فسأله عندما عين وزيرًاً: هل يفكر في إتمام دراسة الطب؟ فأجابه على الفور قائلًا: لن يحدث ذلك لأن بلادنا تستطيع أن تستعين بالأطباء الأجانب، لكنها لا تستطيع أن تستعين بهم كوزراء.
صداقتي لعبد الكريم الخطيب:
لقد أشرت مرارًا لصداقتي بالدكتور عبد الكريم الخطيب الذي رافقني في رحلتي عام ١٩٥٤م لزيارة مصالي حاج، ثم صار رئيس المجلس الوطني للمقاومة المغربية عندما بدأ الكفاح المسلح في المغرب.. وأدى ذلك إلى زيارته لمصر والاتصال بالمخابرات المصرية بعد اعتقالي عام ١٩٥٤م، وتعرف بأحمد بن بيلا وجميع قادة الجزائر وأصبح أكبر نصير للثورة الجزائرية بالمغرب وما زال كذلك حتى اليوم.
وقد لاحظت أن السيد فتحي الديب في كتابه يذكره بالثناء والتقدير ويؤكد تعاونه معهم مما أدى إلى تنكر حزب الاستقلال له وإخراجه من قيادة مجلس المقاومة، وحدث ذلك كله في فترة اعتقالي.. وكان أول خبر وصلني بعد خروجي من السجن الحربي هو اعتقاله بأمر الحكومة «الوطنية» الأولى بعد الاستقلال التي كان يشارك فيها حزب الاستقلال. لكن علاقته بالملك محمد الخامس وبولي العهد قد دفعت عنه أخطارًا كثيرة، وقد أنشأ حزبًا سماه الحركة الشعبية متعاونًا مع السيد حجوبي أحرضان وحرص على أن يكون اتجاهه إسلاميًّا، وبمجرد وصول الدكتور محمود أبو السعود للمغرب استعان به لإعداد أنظمة الحزب والإشراف على مجلته وكان شريكه السيد محجوبي أحرضان بريري النزعة، ولذلك لم يطل تعاونه مع الدكتور الخطيب الذي انفصل عنه.