العنوان مخاوف كبيرة من تفجر الصراع بين قادة المقاومة: مستقبل الشيشان بعد الاستقلال
الكاتب د. حمدي عبد الحافظ
تاريخ النشر الثلاثاء 07-يناير-1997
مشاهدات 99
نشر في العدد 1233
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 07-يناير-1997
- ستة عشر مرشحًا للرئاسة في الشيشان بينهم خمسة من قادة الفصائل الجهادية
- قادة الفصائل الجهادية الخمسة يحاولون الاتفاق على مرشح واحد من بينهم لمواجهة المرشحين السياسيين
- أربعون حزبًا ومنظمة سياسية شيشانية تتنافس في الانتخابات البرلمانية التي ستجري في نفس الوقت الذي تتم فيه الانتخابات الرئاسية
خلافًا للعديد من الجمهوريات السوفييتية السابقة أو الروسية الحالية، لم تنضم الجمهورية الشيشانية إلى الاتحاد الروسي طوعًا، ولم يوقع زعيم شيشاني واحد على معاهدة لالتحاق بلاده بالدولة الروسية في الماضي أو في الحاضر، بل وناضل الشيشانيون من أجل استقلالهم أثناء انتفاضة الشيخ منصور في القرن الثامن عشر والحرب القوقازية في النصف الأول من القرن الماضي، وانتفاضة عام 1877م بزعامة الشيخ شامل، وتلتها الانتفاضات المتعاقبة طوال العصر السوفييتي خاصة في الفترة ما بين 1918م و1930م، ثم خلال الحرب العالمية الثانية وفي عام 1991م، وبذلك يكون تاريخ الشعب الشيشاني المعاصر سلسلة متواصلة من الانتفاضات التي سطر فيها صفحات ناصعة من البسالة والفداء من أجل الاستقلال وتقرير المصير.
وفي محاولة لقمع الثورة داخل الشعب الشيشاني مارست روسيا ضده حملات التمشيط والتشريد والانتقام والتنكيل طوال الفترة التي خضعت فيها الأراضي الشيشانية للسيطرة والاحتلال الروسيين والتي تقدر بحوالي (132) عامًا، وهي الفترة التي ظلت بولندا خلالها ضمن الإمبراطورية الروسية، وتقل عن فترة بقاء عدد من بلدان الاتحاد السوفييتي السابق، التي نالت استقلالها عام 1991م، ضمن الدولة الروسية.
وطبقًا لتبريرات الكرملين، فإن حملته الأخيرة التي تحولت إلى حرب همجية راح ضحيتها أكثر من مائة ألف شيشاني استهدفت إعادة الشرعية إلى الجمهورية الشيشانية وضمان وحدة الأراضي الروسية، وإخماد ثورة الشعب الشيشاني التي قادها جوهر دوداييف مع مطلع عام 1991م.
لقد كان واضحًا منذ البداية وقبل صدور قرار غزو الأراضي الشيشانية في الحادي عشر من ديسمبر عام 1994م، أن أهدافًا مغايرة عن تلك التي أعلنها الكرملين تقف وراء الحملة العسكرية الروسية الأخيرة ضد الشعب الشيشاني، منها سعي المجموعات الاقتصادية المتصارعة في روسيا للاستيلاء على المنشآت النفطية والثروات الشيشانية، وذلك في مجرى عملية الخصخصة التي بدأت في يناير عام 1992م.
وتؤكد المصادر المطلعة في جروزني أن ضخ النفط الروسي إلى الشيشان لم يتوقف طوال فترة الحرب، وفي ظروف عدم وضوح الوضع القانوني معها، ووقف سريان القوانين الروسية فوق الأراضي الشيشانية، ومن بينها قوانين الضرائب- كانت لتوريدات النفط هذه عائدات باهظة لا مثيل لها تدفقت إلى جيوب الزمرة الروسية.
كانت الآبار الشيشانية -قبل الحرب العالمية الثانية- تنتج عشر النفط في الاتحاد السوفييتي السابق، وقرابة نصف النفط في روسيا الاتحادية، وربما تعمدت موسكو استنزاف الموارد الشيشانية وتطوير صناعة النفط في مناطق أخرى للتقليل من أهمية الجمهورية الثائرة التي كانت تعرف حينذاك بالجمهورية الشيشانية الأنجوشية «قبل انفصال جمهورية أنجوشيا عنها عام 1992م بتحريض من الكرملين».
وتواصل انخفاض إنتاج النفط في الشيشان ليصل إلى (50) مليون برميل (1.5% من إجمالي النفط الروسي) عام 1980م و(40) مليون برميل عام 1985م و(27) مليون برميل عام 1992م، غير أن معامل التكرير في العاصمة جروزني كانت تعتمد على حد كبير على النفط الخام المضخوخ من مناطق أخرى.
كما تلعب الجمهورية الشيشانية دورًا ملحوظًا ومؤثرًا في شبكة النقل والمواصلات بالقوقاز، وتتقاطع فيها الطرق التي تربط روسيا وبلدان رابطة الكومنولث، ويتمتع «المسار الشمال»، من السكك الحديدية الذي يربط المدينة الروسية راستوف والعاصمة الأذربيجانية باكو «عبر مدينتي مازدوك وجور ميس الشيشانيتين» بأهمية إستراتيجية بالنسبة لروسيا، كما يمر الطريق الجنوبي من الأوتوستراد بين نزران وجودرميس، وتمر بالعاصمة جروزني، ليخدم الحركة المحلية والترانزيت على حد سواء، إن مدينة جودرميس الشيشانية بمثابة «عقدة» في شبكة المواصلات الأساسية في القوقاز لتربط بين روسيا وأذربيجان وتمتد حتى شواطئ بحر قزوين.
جروزني العاصمة:
أنشأ الجيش الروسي خلال حملاته العسكرية في القوقاز في القرن المنصرم قلعة جروزني (تيممًا باسم القائد الروسي الشهير إيفان جروزني أو إيفان الرهيب) ضمن مجموعة القلاع والمواقع المحصنة لترهيب سكان المنطقة حتى باسمها، وأخذت القلعة في النمو، وتحولت إلى مدينة في عام 1869م بعد استيلاء القوات الروسية على منطقة القوقاز بأكملها، وحملت اسمها «جروزني».
ويدرك الروس -قبل غيرهم- أن استقلال الشيشان سوف يفقدهم إمكانية الوصول المباشر حتى الأقاليم القوقازية الباقية ضمن الكيان الفيدرالي الروسي، بما فيها داغستان، وبالنظر إلى متانة العلاقات بين الشعوب القوقازية واستمرار انخفاض نسبة الروس والناطقين بالروسية في القوقاز «أقل من 8 % في الوقت الحاضر» يخشى الكرملين انتقال عدوى الاستقلال إلى الأقاليم الأخرى.
وليس بمقدور موسكو سلب مفاتيح القوقاز من الشيشان؛ إذ يتطلب ذلك نفقات مالية باهظة لشق الطرق وشبكة المواصلات البديلة من روسيا إلى المنطقة عبر «استراخسان».
ويراهن الروس على إمكانية ممارسة الضغوط والحصار الاقتصادي على الشيشان، حيث تحتل الجمهورية الشيشانية المرتبة الأخيرة بين معدلات ومستوى التنمية الاقتصادية والاجتماعية فيها، وتواجه الشيشان مشكلة الاكتفاء الذاتي من المواد الزراعية، بعد أن انخفض محصول القمح فيها من (500) ألف طن عام 1990م، إلى (300) ألف طن عام 1992م، وانخفضت رؤوس الماشية بنسبة (60%) خلال السنوات الثلاثة التي سبقت غزو القوات الروسية لها في ديسمبر عام 1994م.
كما أن مصادر الري الشيشانية، ممثلة في قناة «الخاشوري» وقناة «لينين» تأتي من خارج الأراضي الشيشانية، حيث تمر الأولى بأراضي جمهورية أوستيا الشمالية، والثانية بمقاطعة ستافريبل.
وفي الوقت الراهن يزيد تعداد الشعب الشيشاني على مليون نسمة، يقطن حوالي (800) ألف منهم الديار الشيشانية، وينتشر الباقون في مختلف البقاع الروسية، وطبقًا لتعداد عام 1989م، نسبة الشيشانيين من سكان الجمهورية أكثر من (69%) وارتفعت إلى (76%) عام 1994م، ومن المتوقع أن تتخطى الآن (85%)، حيث لا يوجد في الاتحاد الروسي أقلية عرقية أخرى تقيم في كيانها القومي بمثل هذه الكثافة، وتزداد هذه الكثافة مع استمرار هجرة الروس والناطقين بالروسية مغادرتهم الأراضي الشيشانية بعد الحرب الأخيرة في القوقاز، هذا وقد تصدى الشيشانيون لكافة إجراءات «الترويس» واحتفظوا بأصالتهم وثقافتهم، ويعتبر أكثر من (98%) منهم اللغة الشيشانية اللغة الأولى بالنسبة لهم.
إسلامية إسلامية:
أعلنت الشيشان دولة إسلامية مرتين، كانت الأولى في عهد الإمام شامل في القرن الماضي، والثانية في عهد جوهر دوداييف عام 1991م.
وعلى عكس الشيخ شامل الذي سعى إلى القضاء على الزعامات العشائرية متسلحًا «بالأخوة في الدين» راهن جوهر دوداييف على العلاقات العشائرية في مواجهة الروس في بداية تسعينيات، كما سعى دوداييف إلى استبدال القانون الوضعي بالشريعة الإسلامية، لتواصل المؤسسات الدينية دعم مكانتها لتصبح المرجع الأعلى للمجتمع الشيشاني المعاصر.
مخاوف من «أفغانستان ثانية» في الشيشان:
من المقرر أن تنتهي القوات الروسية من الانسحاب من الأراضي الشيشانية في الثاني والعشرين من يناير الجاري، أي قبل أسبوع واحد على موعد إجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية في الشيشان.
وجاء الانسحاب الروسي غير المشروط تنفيذًا للاتفاق الذي وقعه الجانبان في الثالث والعشرين من أغسطس الماضي، ليفتح الطريق مام التسوية السلمية للنزاع الدامي بين روسيا الاتحادية والجمهورية الشيشانية.
والمعروف أن اتفاق المبادئ الذي وقعه الجنرال ليبيد وقائد القوات الشيشانية أصلان مسخادوف -في الأول من سبتمبر الماضي- نص على إنهاء الحرب في القوقاز، وسحب القوات الروسية من المنطقة، وإرجاء بحث الوضع النهائي للجمهورية الشيشانية وعلاقاتها مع الاتحاد الروسي لخمس سنوات قادمة، أي بعد انتهاء فترة الرئاسة الحالية «الثانية» للرئيس يلتسين.
وجاء قرار الرئيس يلتسين في الثالث والعشرين من نوفمبر الماضي بإنهاء الوجود العسكري الروسي في الشيشان، وسحب الفرقتين (101 و205) والتي يعود تاريخ مرابطتهما إلى العهد السوفييتي السابق، استجابة لمطالب الزعماء الشيشان، وإصرارهم على الانتهاء من انسحاب القوات الروسية من كافة الأراضي الشيشانية قبل حلول السابع والعشرين من يناير الجاري، وهو الموعد المحدد لإجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية فيها.
وبعد يومين على المرسوم الرئاسي بإنهاء الوجود الروسي في الشيشان، وقع رئيس الحكومة الروسية فيكتور تشيرنوميردن مع رئيس الحكومة الائتلافية في الشيشان أصلان مسخادوف في الخامس والعشرين من نوفمبر الماضي على اتفاقية جديدة، حظرت اللجوء إلى القوة أو التهديد بها لدى معالجة القضايا الخلافية بينهم، كما نصت الاتفاقية المذكورة على استمرار سريان القوانين الروسية فوق الأراضي الشيشانية، حتى موعد إجراء الانتخابات في سابع والعشرين من يناير الجاري، ولم تستبعد تمديد هذه الفترة بناء على رغبة الطرفين.
الحملة الرئاسية:
في هذه الأثناء تتواصل الحملة الانتخابية في الشيشان بعد أن أعطت اللجنة المشرفة عليها إشارة البدء لستة عشرة مرشحًا على المقعد الرئاسي للمنافسة فيها، وفي مقدمتهم الزعيم الشيشاني سليم خان ياندربييف، ورئيس الحكومة الائتلافية أصلان مسخادوف، والنائب الأول له مولدي أدوجوف، وقائد الجبهة الوسطى شامل باساييف، ورئيس البرلمان الأسبق يوسب صصلان بك، وعضو البرلمان الحالي ليتش سعيدوف، وقائد جبهة «زاندوك» عايد أمير أبو ليف، والرائد المتقاعد زايندي مولاتوف، والأستاذ في جامعة جروزني حامد أبو بكيروف.
وطبقًا لنتائج استطلاعات الرأي المحلية فإن رئيس الحكومة الائتلافية المؤقتة في الشيشان أصلان مسخادوف يواصل التقدم على منافسيه الآخرين، وأن شعبيته في تنام مطرد بين أوساط العسكريين والمدنيين على حد سواء.
ويتوقع المراقبون احتدام المنافسة بين زعماء المقاومة الخمسة المرشحين وهم ياندربييف ومسخادوف، وباساييف، وزاكاييف، وأدوجوف، ويخشون من تفجر الصراع في صفوف المقاتلين وتكرار السيناريو الأفغاني في الشيشان، من جانبها لا تخفي موسكو تعاطفها مع مسخادوف المعروف بمواقفه المعتدلة والذي تولى التفاوض مع الجانب الروسي منذ الفترة الأولى لغزو القوات الروسية للشيشان من 11 ديسمبر عام 1994م.
ويملك مسخادوف خبرة كبيرة في إدارة شؤون الاقتصاد في زمن السلم، ويضاعف من مخاطر تكرار «السيناريو الأفغاني» في الشيشان مبادرة القادة الميدانيين بإنشاء مناطق مستقلة بهم مثل منطقة جودرميس الخاضعة لسلمان رعدوييف.
وخلافًا للموقف من روسيا، وتباين وجهات نظر المرشحين الرئيسيين حول طبيعة العلاقة المستقبلية بين موسكو وجروزني، هناك خلافات عميقة بينهم حول كيفية إدارة الاقتصاد، فالبعض يطالب بالتحرير الكامل للاقتصاد الشيشاني والتحول إلى الاقتصاد الحر، بينما يؤيد البعض الآخر إبقاء السيطرة الحكومية عليه لضمان السيطرة على عصب الحياة، وللحيلولة دون نشوب مزيد من الصراعات على الملكية والثروة بين المجموعات المتنافسة داخل السلطة وخارجها.
دوداييف «الحي - الميت»:
جسد إقدام القائد الميداني سلمان رعدوييف على اختطاف اثنين وعشرين جنديًا وضابطًا من قوات وزارة الداخلية الروسية بالقرب من بلدة خسافيورت الداغستانية في الثالث عشر من ديسمبر الماضي الصراع القائم بين قادة المقاومة بعد توقف العمليات الحربية ضد الوجود الروسي في الشيشان.
ورجح المراقبون امتناع «رعدوبيف» عن التقدم بمطالب جادة للكرملين مقابل إطلاق سراح الرهائن بأن يكون للحادث علاقة بالصراعات داخل القيادة الشيشانية عشية الانتخابات المقبلة فيها، ويشير المراقبون إلى أن «رعدوييف» أراد من وراء العملية الأخيرة إعاقة الانتخابات الرئاسية في الشيشان، نظرًا لقناعته بأن صهره الرئيس الأسبق جوهر دوداييف ما زال على قيد الحياة، مما يعني انعدام شرعية الانتخابات المقبلة.
وكان «رعدوييف» قد أكد في حديث الصحيفة «أرجومنتي إيفاكتي» حقائق ووقائع الروسية، في مطلع ديسمبر الماضي، بقاء صهره دوداييف على قيد الحياة، وأنه أي دوداييف يواصل العلاج في دولة أوروبية، لم يشأ الكشف عنها بعد إصابته أثناء محاولة اغتياله في مايو الماضي.
وأشار «رعدوييف» إلى أن غياب صهره عن الساحة الشيشانية ساهم في كشف القيادات المتخاذلة في صفوف المقاومة «قاصدًا ياندربييف وجماعته»، والتي تسعى لمقايضة انتصار الشعب الشيشاني بحفنة من الروبلات الروسية.
وجدد «رعدوييف» في حديثه للصحيفة الروسية رفضه للاتفاقيات التي وقعها الزعماء الشيشان مع الكرملين، وحذر من النوايا الروسية، وسعي موسكو لالتقاط أنفاسها بعد الهزيمة التي لحقت بقواتها خلال حرب العشرين شهرًا المنصرمة لتستأنف حربها الشرسة ضد الشعب الشيشاني، وأكد عزمه على مواصلة الكفاح لتحقيق الاستقلال الكامل وغير المنقوص عن روسيا الاتحادية.
يذكر أن مصادر روسية شيشانية كانت قد أكدت مقتل «رعدوييف» ذاته أثناء معركة بير فوما يسك الشهيرة في يناير، إلا أنه عاود الظهور داخل الأراضي الشيشانية بعد بضعة أشهر، تمكن خلالها من السفر إلى الخارج والعلاج من الإصابات البالغة التي لحقت به أثناء المواجهة الدامية مع قوات العمليات الخاصة الروسية.
كما جاء حادث قتل ستة من العاملين في الصليب الأحمر في بلدة نوفي أواجي الشيشانية، في السادس عشر من ديسمبر الماضي، ليبرهن على وجود قوى متنفذة لها مصلحة في زعزعة الوضع في الشيشان بعد انسحاب القوات الروسية منها، وفي خلق أجواء من الشك في قدرة القيادة الشيشانية الحالية على السيطرة على مقاليد الحكم، وفرض الأمن، وحماية أرواح الأبرياء.
وكانت التحقيقات الأولية التي أجرتها السلطات الأمنية في الشيشان، في حادث مقتل العاملين في الصليب الأحمر- قد استبعدت أن تكون السرقة هي الدافع وراء الجريمة، مما يؤكد البعد السياسي لها عشية الانتخابات المقبلة التي يتنافس فيها رموز المقاومة الشيشانية.
وبالرغم من وعود القيادة الشيشانية العمل على كشف ملابسات الحادث والقبض على الجناة وتسليمهم لبلدان الضحايا، أو لأي هيئة دولية لمحاكمتهم باعتبارهم مجرمين دوليين، قررت الأمم المتحدة وقف تقديم المساعدات الإنسانية لأكثر من ربع مليون لاجئ شيشاني سواء داخل الأراضي الشيشانية أو خارجها، في أماكن تجمعهم في المعسكرات الجماعية المنتشرة في الجمهورية القوقازية المجاورة، كما أعلنت منظمات الإغاثة الدولية الأخرى مثل «أطباء بلا حدود» أو «أطباء العالم» وقف نشاطها في الشيشان، وسحب بعثاتها منها احتجاجًا على مقتل العاملين في الصليب الآخر.
وكان النائب الأول لرئيس الحكومة الشيشانية مولدي أدوجوف قد أشار إلى احتمال تورط أجهزة الأمن الروسية في حادث مقتل العاملين في الصليب الأحمر واستغلاله في التشهير بالقيادة الشيشانية والإساءة إليها في الداخل والخارج.
فرصة للاتفاق وفرصتان للفوز:
وفي ظل هذا الوضع أعلن رئيس لجنة الانتخابات الشيشانية محمد سعيدوف قرب الانتهاء من إعداد كشوف الناخبين، وذلك قبل حلول الثاني والعشرين من يناير الجاري، تمهيدًا لتسليمها للمرشحين والمراقبين للاطلاع عليها، ولم يستبعد سعيدوف إرجاء الانتخابات ما لم تنه القوات الروسية الانسحاب من الأراضي الشيشانية قبل حلول السابع والعشرين من يناير الجاري، وأضاف القول بأن هناك إجماعًا بين المرشحين للانتخابات الرئاسية على إرجائها في حالة بقاء ولو جندي روسي واحد داخل الأراضي الشيشانية.
كما استبعد سعيدوف طلب العون من لجنة الانتخابات الفيدرالية الروسية، سواء فيما يتعلق بتنظيم العملية الانتخابية أو توفير الموارد المالية اللازمة لها، وأشار إلى بدء تسجيل المنظمات الأجنبية والدولية الراغبة في الإشراف على الانتخابات ومراقبة عملية التصويت وفرز أصوات الناخبين، وقدر سعيدوف عدد الناخبين الشيشان بحوالي (350) ألف ناخب، وأشار إلى حرص اللجنة التي يترأسها على منح المواطنين الفرصة للمشاركة في الانتخابات المقبلة، وإرسال صناديق الاقتراع إلى أماكن تواجدهم المتناثرة في موسكو وكييف وألماتا والجمهوريات القوقازية المجاورة، التي لجأ إليها عدد كبير من اللاجئين أثناء العمليات الحربية التي أعقبت الغزو الروسي لبلاده في ديسمبر عام 1994م.
في هذه الأثناء يحاول زعماء المقاومة الشيشانية المرشحون للانتخابات الرئاسية ياندربييف ومسخادوف، وزاكاييف، وباساييف وادو جوف التوصل إلى اتفاق يقضي بترشيح أحدهم، ووقوف الآخرين خلفه لضمان فوزه على مرشحي القوى السياسية الأخرى.
وكان الزعماء الخمسة قد عقدوا جلسة استمرت لثلاث ساعات كاملة، في الرابع والعشرين من ديسمبر الماضي، للاتفاق على مرشح واحد من بينهم، والحيلولة دون انقسام المجتمع الشيشاني في هذه المرحلة الحرجة.
ولم يتمكن المشاركون في الاجتماع المذكور -الذي حضره مفتي الجمهورية الشيشانية الشيخ محمد حسين، وكبار رجال الدين والأعيان فيها- من إنجاز المهمة المنشودة، إلا أنهم اتفقوا على مواصلة التشاور والتنسيق لضمان فوز مرشحي المقاومة في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.
وفي حالة الاتفاق على مرشح واحد للمقعد الرئاسي من بين زعماء المقاومة الخمسة المرشحين، فإن الباقين سيشغلون المناصب الرئيسية الأخرى في الشيشان؛ مما يعزز فرص التعاضد الشعبي في المرحلة المقبلة، والتي تتطلب جهودًا خارقة لإعادة إعمار الاقتصاد الشيشاني الذي دمرته الحرب.
هذا وقد عزز رفض كل من الزعيم الشيشاني الموالي لموسكو دوكو زافجاييف ورئيس البرلمان الروسي الأسبق رسلان حسب الله توف المشاركة في الانتخابات المقبلة في الشيشان من فرص مرشحي المقاومة للفوز فيها، سواء اتفقوا على مرشح واحد فيما بينهم، أو تنافسوا مع الآخرين على المقعد الرئاسي.
وفيما يتعلق بمعركة الانتخابات البرلمانية التي تجرى جنبًا إلى جنب مع الانتخابات الرئاسية في السابع والعشرين من يناير الجاري، فقد أثارت لجنة الانتخابات إلى تنافس أربعين حزبًا ومنظمة سياسية على مقاعد البرلمان البالغ عددها (93) مقعدًا، ويجمع المراقبون على احتمال فوز حزب الاستقلال الوطني المتحالف مع المقاومة بأغلبية المقاعد فيها.
وإلى أن يأتي موعد الانتخابات التي تشكل مرحلة انتقالية حاسمة في مستقبل الشيشان، فإن تغيرات وتحالفات وتنازلات مرتقبة يمكن أن يكون لها دورها في رسم مستقبل أمة مسلمة، رفضت على مدار تاريخها أن تكون أمة محتلة أو مستعمرة حتى ولو بقيت تجاهد خمسمائة عام.