العنوان مخاطر إخضاع الدين لأهواء السياسة
الكاتب عبدالقادر بن محمد العماري
تاريخ النشر الثلاثاء 24-يناير-1995
مشاهدات 66
نشر في العدد 1135
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 24-يناير-1995
قد يستغرب بعض الناس أن ندعو إلى إبعاد الدين عن السياسة في هذه
المقالة لأننا كثيرًا ما كتبنا عن اتصال الدين بالسياسة، وأن الإسلام دين وسياسة،
ولا يفصل بين الدين والسياسة إلا العلمانيون، وما زلنا نؤكد ونقول: يجب أن تكون
السياسة متفقة مع الدين ولا تعارضه، وأن الإسلام قد أقام دولة، وأن رسول الله صلى
الله عليه وسلم أول من أقام دولة الإسلام في المدينة، ومنها انطلقت دعوة الإسلام
التي تقوم على أساس تغيير المجتمعات ورفع الظلم، وإقامة العدل، والحكم بما أنزل
الله، ولكن الذي نريد أن نقوله هنا: إنه يجب ألا يُسخَّر الدين من أجل السياسة،
ولا يتخذ وسيلة لتحقيق أغراض سياسية، فالدين هو الذي يجب أن يوجه السياسة، لا
السياسة توجه الدين.
لقد نشطت في الآونة الأخيرة منظمات مشبوهة تدعو لمؤتمرات للأديان تبين
أنها تهدف لترسيخ الأمر الواقع المبني على الظلم بحجة تطبيع العلاقات بين أهل
الأديان ونشر السلام ومحاربة التطرف.
دعوات مشبوهة
المسلمون هم المعتدى عليهم وهم الذين يتعرضون للاضطهاد، وهم ضحايا
لغطرسة أتباع الديانات الأخرى، والإسلام هو المحارب، وهو الذي تشن عليه الحملات من
هنا وهناك، ويتعرض لهجمات التنصير واستغلال ظروف أتباعه من أجل أن يتخلوا عنه،
وتلصق به التهم المزيفة من قبل الآخرين.
مع الأسف، إننا وقد أصبحنا كغثاء السيل خرج من بيننا من يتهافتون على
هذه المؤتمرات كتهافت الفراش على النار، فما إن توجه الدعوات حتى يسرعوا إلى تلبيتها
ويسعدوا بها، فترسل لهم تذاكر السفر، وتحجز لهم الغرف في أرقى الفنادق فيسرون
بذلك، ويكثرون سواد القوم، ويرضون الدنية في دينهم، ويهيئون الفرص لأعداء الإسلام
ليحققوا أهدافهم من هذه المؤتمرات واللقاءات، والعجب أن بعض هؤلاء ما برحوا في
بلدانهم يعارضون تدخل الدين في السياسة، ويدعون إلى ما يسمونه المجتمع المدني،
ولكن ما دامت هناك مصلحة خاصة فلن يمانعوا أن يلبسوا العمائم ويتحدثوا باسم الدين،
ويجلسوا مع القساوسة والحاخامات، وقد كانوا يقولون: لا دين في السياسة، ولا سياسة
في الدين.
يا له من فكر، ويا لهم من مفكرين علمانيين، هؤلاء نوع من الذين نقول
لهم أبعدوا الدين عن السياسة، ونوع آخر محسوبون على أنهم من علماء الدين، وقد تكون
لهم صفة دينية رسمية، ولكنهم - مع الأسف - واقعون تحت تأثير السلطة، فإن شرقت
شرقوا، وإن غربت غربوا من غير مراعاة لما يقوله الدين، وإذا اقتضت الأحوال تعسفوا
في تفسير النصوص وتمحلوا الأعذار، وأفرطوا في تزيين رغبات من بيدهم الأمر والنهي،
وجعلوا أنفسهم أبواقًا للباطل في وجه الحق، وافتعلوا معارك جانبية مع من لا يرضى
عنهم من يحركهم ويوجههم متجاوزين ومتجاهلين ما يأمرهم به الدين من الوقوف مع الحق
ضد الباطل، فوقفوا في صف الظلمة، وزينوا لهم ظلمهم، فقالوا عن اغتصاب أموال الناس
إنها عدالة، وعن هدم الأخلاق إنه تقدم وانفتاح على العصر، فبرروا أفعال المتحكمين
في رقاب الناس مع علمهم بما اقترفوه من ظلم وتشريد للمواطنين من بلادهم، ونهب
أموالهم، والزج بالآلاف في السجون من غير ذنب، غير دعوتهم إلى الإصلاح وتحكيم كتاب
الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعضهم سقط شهيدًا وهو يصارع الباطل، ومع
ذلك يتعرضون للذم والشتم والهجوم المقذع من أناس المفروض فيهم أن يكونوا إلى
جانبهم وليس ضدهم، ولكنها المصالح الشخصية والأهواء التي تنسيهم واجبهم نحو الحق،
فيستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير.
مؤتمرات لتفريق المسلمين وأخرى لتنصيرهم
قد عقدت مؤتمرات لتفريق كلمة المسلمين وزعزعة عقيدتهم لتمكين الأعداء
من السيطرة والهيمنة عليهم، وآخرها مؤتمر مدريد الذي عقد تحت شعار "السلام في
الديانات الثلاث".
وقبل ذلك فهناك مؤتمرات بعضها لم يدعُ لها أحد من المسلمين لكنها تصب
كلها في هدف واحد هو غزو المسلمين في عقائدهم وأوطانهم ومجتمعاتهم.
لقد علمنا ديننا كيف نجادل أهل الكتاب فقال: (وَلَا تُجَادِلُوا أهْلَ
الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ
وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ
وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) (سورة العنكبوت: 46).
لكن نحن الآن أمام الذين ظلموا منهم فماذا نفعل؟
لقد عُقد في أمريكا مؤتمر يبحث أمثل الطرق لتنصير المسلمين وقرروا في
هذا المؤتمر رصد مبلغ ألف مليون دولار لهذا الغرض، وصوروا المسلمين في حوارات
وأبحاث هذا المؤتمر أنهم أعداء عيسى ابن مريم - عليه السلام - أليس هذا من الكذب
والتزييف وقرآننا يقول: (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا
وَمَا أُنْزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ
وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ
رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) (سورة
البقرة: 136).
المسيح في القرآن الكريم
وقال عن عيسى: (وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا ۚ
وَكَانَ أمْرًا مَقْضِيًّا) (سورة مريم: 21).
(...قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا *
قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا *
وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ
مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا
* وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ
حَيًّا) (سورة مريم: 29-33).
(إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي
عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ
النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا ۖ وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ
وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ۖ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ
الطَّيْرِ بِإِذْنِي...)
(سورة
المائدة: 110).
وحفل القرآن بمعجزات عيسى - عليه السلام - وقال عن أمه: (وَإِذْ
قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ
وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ * يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ
وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ) (سورة آل عمران: 42-43).
نحن المسلمين الذين نعتبر المسيح نبيًا ورسولًا مَثله مَثل نبينا محمد
صلى الله عليه وسلم ولا نفرق بين أحد من رسله، كيف يُقال إننا أعداء المسيح؟
أعداؤه هم الذين اتهموه بأنه ابن زنا، وأن أمه خاطئة، وادعوا أنهم قتلوه، وصلبوه،
أما نحن المسلمين فنقول كما يقول القرآن: (مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا
رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ۖ كَانَا
يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ...) (سورة المائدة: 75).
(إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ
يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا
فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ * وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي
الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ) (سورة آل عمران: 45-46).
وعندما تآمر عليه اليهود وأرادوا أن يقتلوه وأن يصلبوه نجاه الله منهم
بمعجزة منه، كما جاء في القرآن: (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِنْ
شُبِّهَ لَهُمْ ۚ) (سورة النساء: 157).
فمن إذن يحب المسيح أكثر من المسلمين، ونحن نضعه في الموضع الذي وضعه
الله فيه فهو روح من الله ورسول الله وكلمته ولا نكفر بالله فنؤلهه ونقول إنه ابن
الله، وإنه ثالث ثلاثة، فذلك القول الذي لا يرضاه المسيح لنفسه، (قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا ۗ
سُبْحَانَهُ ۖ هُوَ الْغَنِيُّ ۖ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ
ۚ إِنْ عِندَكُم مِّن سُلْطَانٍ بِهَٰذَا ۚ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا
تَعْلَمُونَ (68) قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا
يُفْلِحُونَ (69) مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ
نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ) (سورة يونس:
68-70).
هناك في موقف الجزاء من مشاهد يوم القيامة ما ينقله القرآن ليرشد
الحائرين في هذه الدنيا (وَإِذْ
قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي
وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ ۖ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي
أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ۚ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ۚ
تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ۚ إِنَّكَ أَنتَ
عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ
اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ۚ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ
فِيهِمْ ۖ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنتَ
عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) (سورة المائدة: 116-117).
منصفو النصارى يؤيدون القرآن الكريم
فما نؤمن به نحن المسلمين في المسيح وفي الديانة المسيحية هو الدين
الصحيح والنصرانية الصحيحة التي أنزلها الله على عيسى، وأما ما يعتقده المسيحيون
اليوم فهو من الدين المحرف الذي أُدخل على المسيحية على يد بولس، وما يقوله
الإسلام عن عيسى - عليه السلام - هو ما توصل إليه الباحثون المنصفون في الديانات
من المسيحيين أنفسهم أمثال شارل جنيبير - رئيس قسم تاريخ الأديان في جامعة باريس -
فقد قال في كتابه "المسيحية.. نشأتها.. تطورها": "والنتيجة الأكيدة
لدراسات الباحثين هي أن عيسى لم يدعُ قط أنه ابن الله ولا يسمح أي نص من نصوص
الأناجيل بإطلاق تعبير "ابن الله" على عيسى، فتلك لغة لم يبدأ في
استخدامها سوى المسيحيين الذين تأثروا بالثقافة اليونانية، إنها اللغة التي
استخدمها القديس بولس، كما استخدمها مؤلف الإنجيل الرابع بولس اليهودي فهو المنشئ
الحقيقي لهذا الدين المحرف، وهو وراء الإنجيل الذي نص بصراحة على ألوهية عيسى وهو
إنجيل يوحنا الذي نقل في إنجيله مقولات عن عيسى "أنا والآب واحد"
"أنا من الآب والآب مني".
كما أن من الأمور المزيفة في الإنجيل مسألة أرض الميعاد وإقامة دولة
"إسرائيل"، ويخشى أن يُجر المسلمون إلى الموافقة على التحريفات في
الديانة المسيحية من أجل إرضاء الآخرين ويؤمنون بما ليس في القرآن، وهذا يجر إلى
الكفر، فالله يقول: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ
ثَلَاثَةٍ) (سورة المائدة: 73).
(وَقَالَتِ
الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ
اللَّهِ ۖ ذَٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ ۖ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ
كَفَرُوا مِن قَبْلُ ۚ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ۚ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ (30) اتَّخَذُوا
أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ
مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ لَّا إِلَٰهَ
إِلَّا هُوَ ۚ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) (سورة
التوبة: 30-31).
(هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ
لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) (سورة التوبة:
33).
فعلى المسلمين أن يتمسكوا بدينهم ولا تخدعهم الدعايات المزيفة فالحق
أبلج، والباطل لجلج، ونقولها بصراحة: لا تدخلوا السياسة في الدين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل