العنوان محنة عشرة ملايين مسلم في حرب الهوتو والتوتسي
الكاتب شعبان عبد الرحمن
تاريخ النشر الثلاثاء 26-نوفمبر-1996
مشاهدات 97
نشر في العدد 1227
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 26-نوفمبر-1996
ليس للدين أو العقيدة علاقة مباشرة أو غير مباشرة بالحرب الأهلية المجنونة بين الهوتو والتوتسي في منطقة البحيرات الكبرى الإفريقية «بورندي ورواندا وزائير»، فقد استحوذت القبلية بهوسها وأحقادها المركبة عبر التاريخ على تفاصيل هذه الحرب وأشعلت أتونها ومازالت تغذيها وفرضت نفسها فرضًا على المسلمين في هذه المنطقة فكانوا هم أكثر الفئات تضررًا بها.
يشكل المسلمون نسبة لا بأس بها من سكان المنطقة إذ يصل تعدادهم في زائير إلى 9 ملايين مسلم بنسبة ٢٠% من السكان البالغ عددهم ٤٩ مليون نسمة ويشكلون ١٤% من سكان رواندا البالغ عددهم ١٤ مليون نسمة، بينما تصل نسبتهم في بورندي إلى 1% من بين ٧,٣ ملايين نسمة.
ويعتنق ٦٠% من سكان هذه الدول المسيحية ويعد المذهب الكاثوليكي هو المذهب الغالب على المسيحيين هناك فقد عرف أهالي هذه البلاد المسيحية على أيدي قوى الاستعمار البلجيكي والألماني التي احتلت هذه البلاد في فترات سابقة وعلى صعيد القبلية فإن الهوتو يشكلون ٨٥% من سكان هذه الدول، ويشكل التونسي ١٤% بينما تبقى 1% نسبة لقبيلة «بيجمي نوبا» وهي القبيلة التي تضم السكان الأصليين للمنطقة.
بذور الإسلام الأولى
وقد عرفت رواندا وبورندي الإسلام منذ القرن والأول الهجري، عندما قدمت إليها وفود من المهاجرين من المسلمين من شبه الجزيرة العربية، وشكلوا من كيجالي عاصمة رواندا الحالية هناك نواة لمجتمع مسلم نشر الإسلام بالسلوك الطيب والمعاملة الحميدة، وامتدت دعوة الإسلام إلى باقي المناطق الإفريقية المجاورة.
أما زائير فقد دخلها الإسلام في منتصف القرن التاسع عشر وبالتحديد عام ١٨٤٠م وذلك عن طريق التجار المسلمين القادمين من مصر واليمن والخليج العربي وخاصة عمان، وقد جذب هؤلاء التجار لهذه المناطق تجارة العاج من الفيل، التي كانت رائجة ومريحة في ذلك الوقت، وقد كان لأخلاقهم وسلوكهم الإسلامي الحميد أيضًا تأثيره العميق في نفوس الزائيريين فوجد الإسلام طريقه إلى قلوب الناس وأخذ يتمكن منهم، ولو أن الإسلام ترك حرًا منذ ذلك الوقت لقضى تمامًا على القبلية البغيضة التي تكاد تعصف بالمنطقة، لكن قوى الاستعمار الألماني والبلجيكي وقفت حائلًا على طول الخط بين الإسلام وبين الناس، والمعروف أن قوى الاستعمار كانت تصطحب معها دائمًا الإرساليات التبشيرية جنبًا إلى جنب مع القوات العسكرية لتذويب هوية الشعوب والدخول بهم إلى المسيحية في نفس الوقت الذي تتم فيه السيطرة على مقدراتهم السياسية ونهب ثرواتهم الاقتصادية، وهذا ما حدث بالضبط من قبل الاستعمار الألماني والبلجيكي لهذه المناطق، فقد هجم الاستعمار البلجيكي على زائير عام ١٨٨٥م.
وانتشرت الإرساليات المسيحية في طول البلاد وعرضها، حيث أخذت تحاول اقتلاع بذور الإيمان من قلوب الناس لكن المسلمين لم يخدعوا ولم يرضخوا وواصلوا الاستمساك بدينهم والدعوة إليه فشن المستعمرون ضدهم حربًا لا هوادة فيها من الاضطهاد، وقاموا بنفي زعمائهم من إقليم «مانيما» الذي كانوا يتركزون فيه إلى القرى النائية على أطراف البلاد حتى يحولوا بينهم وبين نشر الإسلام كما حرموا المسلمين من حريتهم في العبادة ومنعوهم من إقامة مدارس خاصة بهم لتعليم أولادهم حتى يضطروهم لتلقي التعليم في المدارس المسيحية، وقد أدى ذلك بالمسلمين إلى الإحجام عن تعليم أولادهم نهائيًا مفضلين الجهل على تذويب الهوية، ولعل ذلك هو السبب في أن الغالبية العظمى من المسلمين يعانون أمية القراءة والكتابة، وترتب عليه حرمانهم من تبوؤ مواقع في الحياة المدنية أو العسكرية فضلًا عن المواقع الحساسة والتي كانت في معظمها من نصيب المسيحيين.
المسلمون بعد استقلال زائير
يقول الحاج دبلو وأما ليمبا رئيس الجمعية الإسلامية ووزير الزراعة الأسبق وعضو البركان السابق إن أوضاع المسلمين المتساوية تحسنت إلى حد ما بعد حصول زائير على الاستقلال حيث تمكن زعماؤهم المنفيون من العودة إلى إقليم «مانيما» مرة أخرى لكنهم ظلوا محرومين من إنشاء مدارسهم الخاصة، كما ظلوا محرومين من ممارسة حقوقهم السياسية ومن تولي الوظائف العامة، فمن بين ٨٠٠ نائب في البرلمان لا يوجد للمسلمين سوى ٢٦ نائبًا وهي نسبة ضئيلة للغاية لكن ومع استمرار المطالبة بالحقوق اعترفت حكومة الرئيس موبوتو سيسي سيكو بالجمعية الإسلامية لتكون بذلك الجمعية الإسلامية الوحيدة المعترف بها، كما تم السماح للمسلمين ببناء ٣٦٠ مدرسة ابتدائية وثانوية ساعدت الدولة في تشييد ١٥۰ منها، صحيح أن تشييد هذه المباني قد جاء بطريقة بدائية، هكذا يضيف الحاج دبلو ويشير في لقائي به خلال زيارته مؤخرًا للكويت إلى أنه بينما يذهب أبناء المسلمين إلى هذه المدارس المتهالكة حفاة يذهب أبناء المسيحيين إلى مدارس نظيفة تم تشييدها على أحدث النظم متمتعين بالأناقة والنظافة.
ويؤكد أن حالة الفقر التي يحياها المسلمون تتفاقم، إذ مازال مورد رزقهم الأساسي هو الزراعة على الطريقة البدائية، وهو ما أعجزهم عن الاستمرار وفي إلحاق أولادهم بالجامعات»٥٠جامعة ومدرسة عليا في زائير» بسبب التكاليف الباهظة، فأصبح هناك مائة مسلم فقط بين كل 5 آلاف خريج جامعي سنويًا، وتلك نسبة متدنية جدًا بحق المسلمين.
ويعترف الرجل بأن هناك دورًا تقوم به المؤسسات الإسلامية في دول العالم الإسلامي نحو زائير من خلال المنح الدراسية التي يتم تقديمها لأبناء المسلمين لنيل التعليم الجامعي، لكنه يشير إلى أن المنح تتخصص في الدراسات الإسلامية و كل هذه والمطلوب هو تخصيص بعضها في العلوم الحديثة من حتى يجد الحاصلون على المنحة عملًا في الحياة الواقعية يمارسونه بالإضافة للدعوة الإسلامية، ويؤكد أن الأزهر الشريف قد وافق على زيادة المنح الدراسية ١٢ منحة سنويًا بدلًا من ست منح، لكنه يلح في التأكيد على ضرورة إسراع دول العالم الإسلامي بالإسهام في بناء مزيد من المدارس، والإسهام في بناء الجامعة الإسلامية التي وافقت الحكومة على وإنشائها في كنشاسا حتى يتمكن المسلمون من تعويض ما فات من الحرمان التعليمي.
صورة أخرى من الفقر
صورة أخرى من الضيق الذي يعانيه المسلمون في زائير يسوقها الحاج دبلو وهي أن الفقر المدقع الذي يعيشه المسلمون هناك يعجزهم عن دفع رواتب ٢٠ ألفًا من الخطباء والدعاة، بينما على الجانب الآخر يعيش المنصرون في رغد من العيش وتقوم الجمعيات التنصيرية بتنفيذ خططها مستخدمة أحدث أدوات العصر، وعلى سبيل المثال فإن هذه الجمعيات تمتلك أكثر من ١٢ محطة بث راديو وتليفزيون تنشر من خلالها التعاليم المسيحية في شتى أنحاء الدولة، كما تقوم بدفع حوافز مغرية للعاملين في محطات الراديو والتليفزيون الحكومي لإعطاء مزيد من الفرص لبث الفكر التنصيري، صحيح أن هناك فرصة للمسلمين للتحدث عن الإسلام في الإذاعة والتليفزيون ولكنها فرصة ضئيلة وضيقة تصل إلى ساعة واحدة كل شهر بالتليفزيون والساعات في الراديو بينما البث التنصيري يعمل ليل نهار.
ويشير إلى أن هناك أكثر من كنيسة تعمل في نشر التعاليم المسيحية، فهناك الكنيسة الكاثوليكية والبروتستانتية ذات الأصل الأمريكي والإنجليزي، وأخرى ذات الأصل الزائيري، وكلها تتلقى مساعدات ضخمة تمكنها من تنفيذ مخططاتها، وهو ما يؤثر بدون شك على المد الإسلامي، ولذلك فإن لدينا خططًا طموحة في امتلاك محطة إذاعة وتليفزيون خاصة بنا، ويستدرك الحاج دبلو مؤكدًا : نحن لا نتوقف لحظة عن الدعوة للإسلام، ولا تنتظر حتى يتم تحقيق ما نتمناه، وإنما مواصل نشر الدعوة الإسلامية في كل القرى والحمد لله فإن الناس يقبلون على الإسلام بصورة جيدة لكن الحرب أوقفت كل شيء وهذا شأنها تحدث شللًا في الحياة كلها.
وهكذا فإذا كانت أحوال المسلمين على هذه الدرجة من الفقر والتدهور والحرمان في الأحوال الطبيعية فلا شك أنهم يكونون أول المتضررين في حالة الحرب وخاصة إذا كانت من طراز حرب التوتسي والهوتو التي تتخذ من القبلية معيارها الوحيد.
رواندا وبورندي
وربما كان المسلمون في زائير أحسن حالًا من إخوانهم المسلمين في رواندا وبورندي وقد لا تتضح مأساتهم في بورندي كثيرًا لأنهم يمثلون 1% من السكان لكنها تكون أكثر اتضاحًا في رواندا، حيث ترتفع نسبة وجودهم أكثر (١٤%) وعلى العموم فإن أحوال المسلمين في الدولتين على مر التاريخ في أحوال واحدة لا تتجزأ، فقد كانت الدولتان حتى وقت قريب كيانًا سياسيًا واحدًا حتى تم تقسيمها إلى دولتين.
ولم يفلت المسلمون هناك على امتداد التاريخ من حملات الاضطهاد الاستعماري المنظمة للقضاء على هويتهم ولتذويبها في هويته التنصيرية، كما عانى المسلمون في سبيل ذلك الفقر والجوع والاضطهاد والقتل والحرمان من التعليم نفس المأساة التي صنعها الاستعمار في أي دولة حل بها تكررت مع مسلمي بورندي ورواندا، لكن المسلمين يفضل إيمانهم بدينهم وتشبثهم بعقيدتهم قاوموا كل
قبل الهوتو والتوتسي المسلمون في رواندا وبورندي وزائير عاشوا تاريخًا مريرًا من الاضطهاد على أيدي الاستعمار الألماني والبلجيكي
عمليات التذويب التي مورست ضدهم فكان نصيبهم مزيدًا من الاضطهاد والإذلال، وما زالت ذكريات هذا الاضطهاد محفورة في قلوب المسلمين هناك، ولعل أشد الذكريات حزنًا ما حدث للمسلمين في مدينة كيجالي، عاصمة رواندا حيث قامت قوات الاحتلال الألماني للبلاد بتجميع المسلمين الموجودين في المدينة وزجت بهم في معسكرات اعتقال أحيطت بالأسلاك الشائكة، ولم يستطع مسلم واحد الخروج من هذه المعسكرات إلا بعد الحصول على إذن مكتوب من الحاكم الألماني، وقد اتخذت سلطات الاحتلال هذا الإجراء ضد المسلمين من أجل عزل المسلمين عن بقية السكان حتى يفسح المجال للبعثات التنصيرية لتمارس تنصيرها للشعب في طول البلاد وعرضها دون منافس، خاصة أن الدعوة الإسلامية كانت تكتسب كل يوم أنصارًا جددًا، وهو ما أفزع سلطات الاستعمار الألماني وهدد بفشل خططهم التنصيرية، ولم يعزل الاحتلال الألماني المسلمين في المعسكرات فقط وإنما مارس ضدهم ألوانًا من الإذلال، حيث تم إجبارهم على تربية الخنزير في مناطق تواجدهم على أن يكون الشخص الذي يقوم بذبح الخنازير هو إمام المسلمين في المنطقة.
وقد واصل الاستعمار البلجيكي نفس مخطط الاضطهاد الذي بدأه الاستعمار الألماني، وواصل عمليات العزل العنصري ضد المسلمين للحيلولة دون تقدم الدعوة الإسلامية بين قبائل الهوتو والتوتسي وقطع الصلات نهائيًا بين المسلمين وبقية السكان الوثنيين، وبعد أن نالت رواندا استقلالها عام ١٩٦٢ واصلت السلطات العسكرية الرواندية نفس حملات الاضطهاد ضد المسلمين، حيث منعت انتشارهم داخل البلاد وحصرت إقامتهم في أحياء خاصة ومعروفة داخل كيجالي مثل «الحي السواحلي» «وحي بليوقو»، والذي يسمي أحيانًا بحي نيا ما رامبو، وهي المنطقة التي أسس المسلمون فيها أول مسجد لهم في 11/2/١٩١٤ وأقيم بجواره مسجد ثان عام ١٩٧٥ ، كما تم عزل المسلمين في مدينة بوتاري، وهي المدينة الثانية في رواندا في حي «أنقوما».
خطوات معدودة
وإذا كانت حركة المسلمين في هذه البلاد ممنوعة، وخطواتهم معدودة عليهم بالخطوة، وضن الاستعمار عليهم بأبسط ألوان الحرية، وسجنهم في معازل عنصرية هكذا، فإن الحديث عن نيل حقهم في التعليم، وكسب العيش والرعاية الاجتماعية والصحية يكون ضربًا من الخيال، لكن ورغم ذلك كله فقد صمد المسلمون هناك وحافظوا بفضل الله على تواجدهم وعلى هويتهم وما زالوا يشكلون ١٤% من السكان رغم كل ذلك، وتقوم جمعية مسلمي رواندا بدور كبير في قيادة المسلمين في معركة صمودهم حفاظًا على الهوية، كما تقوم بمحاولة تحسين الحياة اليومية وتحاول دعم التعليم الإسلامي وحل المشاكل الاجتماعية التي تواجههم، وذلك من خلال المعونات التي تصلهم من لجان وهيئات الإغاثة الإسلامية، فالجمعية طبقًا لما يقوله رئيسها نجومًا نرنجو عبد الكريم بدأت ترسي قواعد لتعليم المسلمين وقد استطاعت بالفعل الحصول على منح دراسية من الأزهر والجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، كما بدأت في إنشاء عدد من المدارس الابتدائية ،«٥ مدارس» ، «وأربعة معاهد ثانوية» هذا إضافة لما قامت به لجنة مسلمي إفريقيا الكويت ببناء ۱۳ مسجدًا، و 5 مستوصفات، و ٤مدارس، و٥ دور للأيتام، وعقد دورات للأئمة ، وإن كانت المشاريع في ازدياد متواصل إلا أن المسلمين هناك مازالوا في حاجة إلى الكثير، لأن ما تم إنجازه لا يفي إلا بالنذر اليسير من احتياجاتهم.
وهكذا فإن المسلمين في منطقة البحيرات الكبرى بشرق إفريقيا يعيشون مأساة حقيقية بكل ما تعني الكلمة منذ أن وطئ الاستعمار الألماني والبلجيكي هذه الأراضي في منتصف القرن الماضي، وظلوا يمثلون عبر التاريخ النقطة الأضعف في جسد الكيان الرواندي - البورندي - الزائيري ولذلك فعندما عصفت حرب الهوتو والتوتسي المجنونة بالبلاد، كان من الطبيعي أن يكون المسلمون هم الطرف الأكثر تضررًا بها، لأنهم إذا كانوا من قبل الحرب لا يملكون مقومات الحياة فهل يملكون خلالها مقومات الإغاثة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل