العنوان معالم على الطريق.. محنة العالم الثالث إلى أين؟
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 27-يونيو-1995
مشاهدات 97
نشر في العدد 1155
نشر في الصفحة 37
الثلاثاء 27-يونيو-1995
من المعروف أن الأمم تبني على العقول المبدعة والطاقات القادرة وتساس بالأفكار المضيئة وعلى هذا فهل يمكن أن يتولى أمور الناس مخبول أو جاهل أو عاطل التفكير يأتيه الحكم ضربة حظ كما يقولون وينصلح بذلك حال أمة.
وهل يمكن أن يخرج الغباء حضارة والفساد مجتمعًا صالحًا، نعم في العالم الثالث أو النامي أو «النايم» لأنه بلادالعجائب والغرائب ممكن أن ترى فيه الناس في واد والسلطة في واد آخر، لا يلتقيان ولا يتعارفان ولا يرى كل منهما الآخر. ممكن أن ترى القانون لا يصنعه العقلاء، وإنما يصنعه المساطيل أوالشمامين.
وممكن أن ترى القاضي المرتشي أو المنافق، أو عميل السلطة، أو العسكري الذي لا يعرف إلا قانون القتل والإعدام.
ممكن أن ترى قوانين نصف الليل تتسلل في الظلام لتضع الألغام في طريق البشر، وتوجه قذائفها إلى الأمنين العزل.
وممكن أن ترى السلطات التي تحتمي بترسانة من القوانين المزورة التي تحميها من شعوبها وتحمي الفساد والتسيبوالرذيلة والأهواء.
ممكن أن ترى التزوير في كل شيء الرجل المزور، والانتخابات المزورة والرئيس المزور، والقلم المزور، والتعليم المزور والهوية المزورة والحياة المزورة
ممكن أن ترى حقوق الإنسان مصلوبة على النصب التذكارية للعدالة، وترى الجلادين يضربونها على الوجوه والأدبار ويقولون لها ذوقي عذاب الحريق.
ممكن أن ترى الفساد يركب طائرة وفي فمه ملعقة من ذهب، والصلاح حافي القدمين مركوب الظهر، يتكفف الناس.
كم عالم عالم أعيت مذاهبه *** وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا
هذا الذي ترك الأفهام حائرة *** وصير العالم التحرير زنديقا
ممكن أن ترى الأحوال المقلوبة، وترى بؤس العقول المبدعة وازدرائها، وتنعم الغباء والجهالة والحمق والضياع والخمول.
ومن الدليل على الفساد وحكمه *** بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق
ممكن أن ترى الصحافة المؤممة، وأن ترى الأقلام فاقدة الضمير التي لا هم لها سوى تجميل الوجوه الكريهة، ومدح الهمم الكليلة، ورفعة العزائم الخائرة، ومدح الضياع والعقول الغبية، وتركيع الشعوب الكادحة، والتستر على الأموال المنهوبة والدماء المسفوكة، والأعراض المسفوحة والفساد المستشري.
ممكن أن ترى الكذب في كل شيء في الأحاديث، والبيانات، والتقارير، والثقافات والتعليم، وأن ترى الوعود المعسولة والتصريحات المضللة، والخطط الوهميةوالأباطيل المنمقة.
ممكن أن ترى التهم الباطلة، والتربص المقيت والقضايا الملفقة.
ممكن أن ترى حماية اللصوص وتشجيع المافيات، واقتسام الرشاوىوبيع أقوات الجياع، والمتاجرة بمعاناة الناس.
ممكن أن ترى الحريات المطاردة والعدالة الهاربة، والظلم المتعارف عليه المحترم والمعظم.
وممكن أن ترى الشعوب العبيد والبلاد المسلسلة بالحديد والمكبلةبالنواصي والأقدام، والمساقة بالسياط ومقامع الحديد.
ممكن أن ترى السجون أكثر من الفنادق، والمعتقلات أكبر من المستشفيات ومراكز الشرطة والقمع أكثر من الحدائق والمتنزهات. ممكن أن ترى المراقص وأماكن اللهو أكثر من أماكن العبادة، وبؤر الفساد والفجور والضياع أكثر من المكتبات ودور العلم وأماكن الثقافة، هذا في العالم الثالث الذي أصبحنا جزءًا منه بل قبيلًا من قبائله بعد أن كنا أمة الإسلام، وبناة الحضارة وساساة الشعوب، ولكن ما الذي جعل تلك الشعوب منبوذة بين الأمم وبين الشعوب أقول نبذها لأنفسها، وضياعها لذاتها واحتقارها لكرامتها، وشخصيتها، احتقرت نفسها لما أضاعت هويتها فغزيت ثقافيًا ونبذت نفسها لما فرطت في حريتها فاستعبدت حتى من أولي أمرها، ومن غيرهم، بل واستعبد أولو أمرها لغيرهم من التوجهات، لأنهم أولاد الأمة المستعبدة وضياع ذات الأمة جاء من فقدها لرأيها ولسوطها وعدم مشاركتها وإشراكها في أمورها ومصائرها، كل ذلك أدى إلى اندثار ذكرها، وخمود جذوتها!! ولا رجوع لها كأمة إلا برجوع ذلك إليها، ولم نجد أفضل من الإسلام لهذه الأمة، حيث يمنع عنهاالطغيان اليوم، لسببين:
السبب الأول: لأنه يمنع عنها الظلم ظلم السلطة التي تستخدم سلطة التشريع الوضعى كوسيلة في إذلال الناس وتقييد حرياتهم وإهدار حقوقهم الإنسانية.
السبب الثاني: لأن الإسلام يجعل الحاكم قدوة وأبًا ورحمة، وقيادة، ومعلمًا للمسلمين إيمانيًا، وقاضيًا لحوائجهم وكان عمر ابن الخطاب –رضى الله عنه- إذا بعث ولاته شرط عليهم أن لا تركبوا برزونا، ولا تأكلوا نقيًا –أي خبزًا أبيض– ولا تلبسوا رقيقًا، ولا تغلقوا أبوابكم دون حوائج الناس، فإن فعلتم شيئًا من ذلك فقد حلت بكم العقوبة، ثم يشيعهم، فإذا أراد أن يرجع قال: إني لم أسلطكم على دماء المسلمين، ولا على أبشارهم، ولا على أعراضهم، ولا على أموالهم، ولكن بعثتكم لتقيموا بهم الصلاة، وتقسموا فيهم فيئهم وتحكموا بينهم بالعدل، فإذا أشكل عليكم شيء فارفعوه إلي،ألا لا تضربوا العرب فتذلوهم، ولا تغفلوا عنهم فتفتنوهم. هذا هو الإسلام وهؤلاء هم حكامه البررة، أما أولئك الجهال التائهين الذين لا يعرفون كيف يسوسون الأمم ويتكبرون على الناس، فإنهم أرباب الضياع لا يرون حتى تحت أقدامهم.
رأينا للغبي جدار أنف يحاكي *** في تشامخه الجبالا
تصدى للهلال لكي يراه *** ولولا أنفة لرأى الهلالا
فهل نهتدي بهدي الله ونرضى بشرعهأم ترانا نسير إلى أین نسال الله السلامة ..